“أرض الكفاح” وقصائد أخرى للشاعر الأرجنتيني ريكاردو روبيو، ترجمة خالد الريسوني

Ricardo Rubio

أرض الكفاح

يوقظ الطفلُ العالم لمَّا ينتبهُ إلى المَهَارَاتِ.

يجَرِّدُ الرِّماح والأقواسَ من شَجَرِ المُرَّانِ،

يتسلقُ باتجاه الفردوس ويلغي المشانق لبلوغِ الأقاصي.

وشيئا فشيئا يتقن فن الأحجار،

يشحذ السيوف الخشبية ويمارسُ الفرح.

ثم تأتي صباحاتُ الأبجدية: الخطوط تقطع الورق والقلم يبلورُ الذاكرة.

خدعة ذلك السحر تملأ الفضاء،

وتكشف حقائق جدَّ بعيدة مثلما هي بوارٌ،

مثل صوت خريطة وترتِّبُ حروفا فيما وراء الصمت.

أحيانا تنغلق الأصابع على الصوائت

وتفتح الشقاء؛ وفي أحيان أخرى، يزرعُ الألمُ

عند نقطة الليل حجابًا في العقل.

مُسَخَّماً، ما بين العطالة والأحلام،

يشرع البطلُ في الحياة وهو يمارسُ لعبة فكِّ الارتباط.

 

لعبة

هناك حقائق ترغبُ في الحدوث،

كلمات تتوقُ إلى أن يتم التلفظ بِها،

أفعال تسأل أن تنبثق من الفكرة.

تطالب بالحضور ضمن لجنة التحكيم،

في الأجزاء النافعة للعرش،

بشراهةٍ تسعى إلى نهشة:

استئصال فلاة، ومحو حدود.

 

رحلة دون تواريخ بطولة

المحاولات الأولى تخفف العواطف،

الحاجة إلى الهواء، الشهوة.

هي مجرد فخاخٍ، استعارات محنة.

لماذا إذن، أعِدُّ رُمْحاً

ودِرْعاً لِهَذيْن القدمين؟

قلمُ للحُلمِ في كلِّ يدٍ؟

ما الذي أبحثُ عنه فِي حَرِّ كوكَبٍ في حرْبٍ

إن ما هو صحيح لا يعني أحداً؟

جزءٌ من ذلك الانحراف يناجي الموت،

نحيبُ الأمَّهَاتِ، الإهانة، التعذيب،

غضبُ الرِّجَالِ وهُم يُغْرِقُونَ الأبنَاءَ

في بِرْكَةٍ لا تُوصَفُ،

أشعَارُ قائِدٍ

أوْ بَحَّارٍ فِي اليَابِسَةِ.

 

تُنْسَجُ صُورَةُ البَطَلِ مِنْ كُلِّ السُّلالَةِ

وفِي جِلْدِ التَّارِيخِ

يتم افتتاح الأمثال لاقتناصِ مَعْنىً.

مُنِحْنَا هَذِهِ الشظية لكيْ نَحْدِسَ الضَّوْءَ،

لنَرَاهُ يُولدُ ويَموتُ بأيادِي الخَرَابِ،

لكيْ نكونَ ولا نَكونَ بين فيْضِ الصُّدَفِ،

لكيْ نُجْهِدَ جِبِلَّتَهُ،

جَوْهَرَ سِرِّهِ،

بُحَّتَهُ.

 

إمْكانُ وُجُودِ بَطَلٍ كمَشْرُوعٍ

يصْهَرُ الطفلُ المادَّةَ المقطعية،

نوايا الجَذوَةِ في الصَّوْتِ،

حَمِيَّةَ الغَزْوِ المُدَبَّرَ بِالعَقْلِ.

يعالج الزمنُ الأحلامَ،

يُلَوِّحُ بِالأسلحةِ، بالمُثُلِ العُليا، وَيُصَحِّحُ،

وأجْزَاءٌ من أسْطُورَةٍ تَبْحَثُ

عنْ المَا بَعْدُ الذِي يُسَمِّيهَا.

هكذا يَصِلُ إلى التَّدْميرِ

ما بيْنَ ليالٍ وأفكارِ عَنِ الحُبِّ،

مِنْ ديَاجِيرَ بلا توقيتٍ زمنيٍّ،

وَمِنْ مَوقعٍ غير مُحَدَّدٍ.

رغباتٌ تصْعقُ متى استطاعتْ ذلكَ،

تُحاولُ التَّحَكُّمَ فِي النَّهَارِ،

المُتلاشِي فوْرَ بَدْئِهِ.

من هذا الهذيان تُشْتَقُّ الإشَارَاتُ،

الخُطَطُ، الحِيلَة،

راياتُ بَشَائِرَ

تتموَّجُ بالدَّسَائِسِ.

ألوحُ بِذراعَيَّ، باليدينِ، بِجَذوَتِي،

لماذا لا تَلتَمِعُ غَايَةٌ

فِي مَا وَرَاءَ الضَّبَابِ؟

حيث يُطَوِّقُ العِناقُ

كونشيرتو الضَّحْكةِ؟

المثل العليا لا تَكْفِي،

هِيَ زخارفُ لِنَوَاةٍ حَيْرَى،

مَهِيبَةٍ، ظَمْأى ورَصينَةٍ،

حيث تعشِّشُ الهُويَّة والسَّرابُ.

 

شَرَاسَةُ البَطلِ تَحْدُسُ السَّكِينَةَ

تَكَهُّنِي بِالصَّمْتِ ليس يجْثُو على ركبتيهِ.

أنا المُخاطرة التي تَتنفَّسُ

على ضِفَّةِ النَّهْرِ،

الذراعُ يَتَصَبَّبُ عَرَقاً، والجَبْهَةُ مُتَكَدِّرَةٌ،

والسَّاقَانِ مُسْتَنْزَفَانِ أسفَلَ الروزنامة.

في هَذِهِ الأرْضِ يَفِيضُ المَكْرُ.

اضْطِرَابٌ في بلازما الخَلايَا، يُقَالُ:

أكَاذِيبُ خالصَةٌ.

كل امْرِئٍ مَعَ حِمْلِهِ،

مَعَ قُرُوحِهِ، مَعض أثقالِهِ،

كل امرئٍ يَرْكَعُ لتشابُكِ الأعوامِ،

مَعَ دَأبٍ على العِنَاق والخَجَلِ،

عادات الإهانةِ

والسُّخْرِيةِ واللامُبَالاةِ.

يقولونَ لي الآن ما أرغبُ فيه،

قبلَ حَدِّ النَّصْلِ، قبل القطْع،

مُتَيَقِّظُونَ.

الآنَ، بينمَا أتسامحُ معَ أنْ أكونَ هادئا.

 

الصِّراعُ الدَّاخِليُّ للزَّعيم

أرى الظلام

ولا أدري إن كان الليلُ ليلَ الخَارِجِ.

كل شيء يمضي عندما تفيضُ

اليد الظالمة عن المَسَاءِ،

يَغْرَقُ المَعْنَى

ويُعْتِمُ المُحِيطُ.

الأكذوبة وقاحة،

مجازفة عَشِيَّة الهُوَّةِ،

استباقٌ لفكرةٍ صَارتْ كابوساً.

أنا معتادٌ على هذا الهَسيسِ

والفوضى تبدو رَصينَة،

ضرورية وبهيجة،

في منتصف أغنية ينبثقُ الدَّمَارُ

ويَرُجُّ الغَمَّ.

أجرؤ على أن أبتسِمَ وأنَا أفكِّرُ في المنفى،

أفعلُ ذلك كلَّ يومٍ.

أنوي الإصغاءَ إلى الصَّمْتِ،

الإبْحارَ فِي الأفكار،

توحيدَ نُقَطٍ مُضِيئَةٍ في مُنْتَصَفِ العَدَمِ.

لا أختارُ المَكانَ ولا الصَّوَائِتَ،

لديَّ فقط حَنينٌ ورغباتٌ واشتياقاتٌ.

أجتازُ الأبوابَ المُعتادَةَ

وأنا أحلمُ بِغَدٍ

أنا قادرٌ عَلَى اليَوْمِ وعلى التَّعَبِ.

مُجَرَّدُ أغصانٍ نَقِيَّةٍ للمُحَاوَلَةِ.

 

مُتغيِّراتُ الطَّبيعة البطولية

تَضْحَكُ العِنَايَةُ وهِيَ تَزْرَعُ أفْكاراً

لا يَسْتَوْعِبُهَا التَّأمُّلُ

كيفَ أتَيْتُ لأُعْطِيَ هُنَا،

هَذَا المَعْلَمَ المُتَنَاثِرَ،

هذهِ الدَّقائقَ مِنَ البَهَاءِ البَعِيدِ دائِماً؟

هل أولئك الذين يطرزون الحَظَّ

ما بين فَحْمَاتِ الأفْلاكِ أشْبَاحٌ؟

أنتبَهْتُ مُتَأخِّراً أنَّ المَأثُرَةَ

تَتآمَرُ وتَتَأجَّجُ وتتَلاشَى،

تحاولُ إخْرَاسَ اللهب الذي يضيء

حرارةَ غذاءٍ حقيقي،

أمَامَ هَمَسَاتِ الابْنِ،

وقبْلَ المَرْأة التي أعْشَقُهَا.

ليسَ جيِّداً ألا يَحْدُثَ عِنَاقٌ.

الشَّمْسُ تُحْرِقُ كُلَّ التَّوَارِيخِ،

كُلَّ نَفَسٍ يَفْرِكُ المِصْبَاحَ،

في الضَّفِيرَةِ الشَّمْسِيَّةِ تتوقَّفُ عنِ الهَيْمَنَةِ الفوضَى

والحِدَادُ السَّابقُ.

يُحدِّدُ الوقتُ مَا سَوف تكُونُ عليهِ

السقطات وكيف ستكونُ.

ليسَ ثَمَّةَ كرادلة في الكَوْنِ

والعودة ليْسَتْ هزيمة.

أترك الدِّرْعَ، وأفكُّ الحزام

وأؤجج مداعبات العَطَشِ.

يحلمُ البَيْتُ بجوقة الفرح،

مع توهج ذلك البَهَاءِ

الذي تُشْعِلُهُ المَرْأةُ.

 

بالطريقة الأكثر عبثا، يلهُو العقل بلعبة الانتصار

متحسسا أتقدمُ دون أن أعرف.

ألحُّ على أن أبلغ لصَوْتٍ مُعَيَّنٍ

وأزرع أضواء في الذكرى.

لا يَهُمُّنِي التَّعَبُ

ولا أموتُ عَبْرَ أساليبِ الاحتيال،

الرَّغْبَةُ تتجَاهلُ الاستراحَة.

وحينَمَا تنْجَلِي المُمَارسَاتُ الخرقاءُ،

الاحتكاكُ بِالمَألوفِ،

بالبَسِيطِ، وباليَسِيرِ،

أنْسَى أنني أفكِّرُ،

وأنْسَى أنني أتَنَفَّسُ.

أتحمل المُجَازَفَةَ باعتدالٍ،

وأغفِلُ عَنْ أسْبَابِ المُعْضِلة.

بَعْضُ الليالي تُؤَجِّجُ العُوَاءَ.

عند الفجر

تتَشَظَّى السَّكِينَةُ فِي المُعَسْكَرِ

بينَمَا ألجُ الدُّرُوعَ

لمُوَاجَهَةِ النَّهَارِ.

الأمسُ يَحْتَرِقُ الآنَ،

يُوغِلُ الرُّمْحَ الطَّوِيلَ في الحَاضِرِ

ويَزْرَعُ لحَظاتِ القلق.

لماذا يستمر الجمودُ

لمَّا يُضِيءُ الفَجْرُ الإفرَاطَ فِي الجُورِ؟

فِي أيِّ عُضْوٍ مِنَ الأعْضَاءِ يُولدُ الدوارُ،

شَرَهٌ بلا حُدُودٍ؟

أؤجِّجُ الشَّجَاعَةَ في كلِّ سَيْفٍ،

في كل جهد مَشْدُودٍ إلى الذِّرَاعِ

بأوَامِرِ الشَّرَفِ.

لا أرِيدُ النَّوْمَ رَاكِعًا فِي حُضْنِ الخَطِيئَةِ.

 

أوْهَامٌ ثقيلَةٌ ضِدَّ طَبِيعَةِ الأشْيَاءِ

تجاه النسيان،

الزَّمَنُ الذي يوجَدُ فِيَّ

يُطالِبُ بِحِصَّتِه، بِثأرهِ.

يحذر أنه قد تركَ الصدفة

في أيدي ابتسامة عابرة،

في تجاويف التاريخ

العارية في كل زاوية،

في كل ركن حيث كانتِ المُداعَبَةُ

ارتجاجاً غريبا.

ربما تُشَفَّرُ الرَّغَباتُ في الحاضر

وتَنْعَتُ آتِياً بِوَلاءَاتٍ

أو بِعِناقِ افتداءٍ،

لكن تأتي الفراغاتُ والمَنَاحَة،

صوتُ الخطواتِ التي لمْ أتقدَّمْهَا،

المَعَابِرُ اللامتوقعَةُ،

عارُ الرَّمَادِ.

الصرخاتُ جزءٌ مِنْ ذلك الحَظِّ،

من ذلكَ الارتجاجُ المُنفلتُ عنِ التَّحكَّمُ،

في انسياق التواريخ،

هواء وأرضا وأشجارا وأنهارا،

تُدَبِّرُ الطَّبِيعَة قوانينَ

وتُؤَكِّدُ العِصْيَانَ:

تَرْفُضُ غفرانَ الضعفاء،

وتزرعُ الفعل المُعَاقِبَ،

تبحثُ عنِ الحَربِ، تلتهمُ.

الآن تُعارضُ يدايَ تلك المُبَارَزَةَ،

تُدينُ حِمْلَ السَّيْفِ

وتَرْغَبُ فِي نسْيَانِ المَلَاحِمِ.

الآن يتعرى الماضي بِصَوْتٍ عالٍ

وذاك الذي كنته، حين لم أكن،

كان راغِباً بِنصْرٍ في حملة العادل،

القتال بين شعلات النار،

الهواء في أسباب الوجود.

وفي كلِّ حينٍ،

كان القَدَرُ يضحكُ مثلما اليوم،

مع سُكْرِهِ الأبديِّ.

 

وصول جبار لا يقدم أي تبريرات أو أحاسيس

الشَّارِعُ هُوَّةٌ، فَمُ خُدْعَةٍ.

أعبُرُهُ مُتَنَكِّراً في لبَاسِ تَوَّابٍ

ألطخُ وجهي لأتَظاهَرَ الشجاعة،

لكي أذكِّرَ بأخوية اللامبالاة

وآلام المِزَقِ.

طريقة النظر تثيرُ شرَارَاتِ الرَّغْبَة،

الأسْبَابُ الحارقَةُ تُحَرِّضُهَا

نحو مسارٍ لا نِهَايَة لهُ.

(غير محتملين الأنتَ والأنا،

سيكونان دائمًا جُزْءًا من دائرة أخرى)

هنا، ينجرفُ الظلام عبْرَ الأسفلت

بين ضحكاتٍ تُغَذِّي

الوعي الأكثر التهاباً.

تَعْبُرُ ليْلتِي عَصِيَّة على الاستيعابِ:

الشَّغَفُ والفَنُّ والجَسَارَةُ

تلكَ الظلَلُ تَنْسًجُ مَتَاهَة

يُفَسِّرُهَا العِلْم يفسر ولا يَسْتَوْعِبُهَا

وإنْ ألَحَّ على الصَّوائِتِ

فيما وراء العَبَثِيِّ،

يُجمِّعُهَا الوقتُ في نفاياتٍ،

في شظايا ومرارة للشرب.

ثمَّةَ عطالَةٌ لكَلِّ سبَبٍ غيرِ قابلٍ للتَّلَفُّظِ:

ربَّةٌ واستلهامٌ وزينَةٌ

أتَدَفَّقُ من هذا العطشِ، أجعله حقيقياً،

أؤكدُه في كل صرخة وإنْ شدّدَتِ

السَّاعاتُ على خراب النبض

لمَّا تسُوءُ الأمُورُ.

تُعِيدُ لي تَعَابيرُ المِرْآةُ

أجْزَاءَ السِّيرَةِ

معزولة ما بين التشويه والنسيان،

تَرْسُمُ جُمَاعَ الحُلْمِ،

الوَهْمَ، أسْبَابَ الهَذَيَانِ،

وتَكتَشِفُ نَوَاةَ الحِدَادِ،

الجُنُونَ، حَشْرَجَةَ المَوْتِ،

الاهْتِزَازَ مِنَ الدَّاخِلِ.

 

النقط يمكن أن تكون نهائية

قد فقدت العقل

لم يكن جيدًا التسامُحُ مع القسوةِ،

شيْءٌ مَا وقعَ بين التمَزُّقِ والجسد،

منذ الاستسلام للتشويش.

هذه الليلة سَأُبْعِدُ الأنينَ.

سأتركُ تأخُّراً في السَّاعاتِ

والخوف من الهموم،

سوف أنسى حكايات الحب التي ارتعشتْ

في أيادي الحُمَّى،

ألعاب الطاولة،

العوارض السَّقفِ الخشبية

والعشاء الهادئ.

لن آخذَ معي سوى سيفي

وشهادة عن الحياة لما كانت جدية.

سأضبط الحزام والدِّرْعَ الحامِي للذراع،

والزَّرَدَ البرُونْزِيَّ،

وسوْفَ أخْرُجُ لمُوَاجَهَةِ المَسَافَةِ.

يستغرق الذهابُ وقتا طويلاً،

ولربما لن يعودَ المَرْءُ.

 

لن يكون هذا اليَومُ يومَ الخرابِ

خطبة

لا أحد يتركُ السلاح الذي يقتلني يسقط،

كلُّهُمْ يختارون المعركة،

كلهُمْ يحاولون هَزْمَ الأسطورةِ.

كلُّ نَصْلٍ يبحثُ عن شريانٍ،

عَنْ رَمْزٍ، عَنْ صُورَةٍ مُجَسَّمَةٍ،

عن البَطَلِ الذي لمْ يُغْلَبْ أبَداً.

أنا مُتَعلِّمٌ، لم أختر المُهِمَّةَ،

بَعْدُ ما زلتُ أنمُو في الصُّورَةِ الأولى للرَّجُلِ

وسوف أرتفعُ لأصلَ إلى صُورتِهِ الأخيرة،

ما بين الوسائد الحجرية

وأكلاتٍ للجُنودِ من مَاءٍ وملحٍ.

وبينما يُقرَعُ الطَّبْلُ

وفي العظام يَنْسَرِبُ خيْطٌ

مِنْ بَسَالَة بعْدُ ما تَزالُ تَنْبُضُ،

سؤالُ الطيور في الهواءِ لماذا

سوفَ يُنْعِشُ خطواتي،

سيَمْنَحُ معنىً لقطعة قُمَاشٍ منْ ذاكَ الطفل

الذي رَحَلَ ألفَ مَرَّةٍ

وعادَ ألفاً أخرى

ليَصِلَ نَحْوَ الأبْعَدِ.

 

البَطلُ يَلُفُّ حَوْلَ الهوية

أيُّ قُوَى؟

ما الأفعال تكررت بلا نهاية

حدَّ رفع خيمياء الكربون؟

وأنا ما شأني، حينما تكون الحقيقة

أثراً لِشَبَحٍ،

مهزلة، خدعة مِنَ الغريزةِ،

فكرة بدون حاضِرٍ؟

لرُبَّمَا منذُ ما قبل تاريخِ اللغةِ،

غير رشيقةٍ ومُحْمَرَّة،

ينتظرُ اليقينُ الرَّجَّة

ويتربَّصُ في استراحةٍ،

دونَما جِلْدٍ أو رأسِ قذيفةٍ مِنْ أجلِ الجنس.

أين، بقايا الحقيقة؟

أفي ألعابِ الطفولة؟

أفي قانون الإنْسانِ؟

أفي صوتِ أمي

لمَّا كانتْ تنصحُ بالضحك؟

تلكَ الصَّرْخَةُ الآنَ

يرقةُ دَهْشَةٍ وَبُعْدٍ،

فكرةٌ لا مُكْتَمِلَةٌ، وَهْمُ مَشْرُوعٍ

أذهلته العطالةُ.

ما هوُ مُؤكَّدٌ مِنَ المَأثرةِ قد يكونُ فقط ألماً

في دم الكيخوطي

أو لونَ المَاءِ لوراثةِ البكاء،

ربما تَجعلُ الشُّكوكُ

الواقعَ البعيدَ دوْما غائماً.

يبدو الكونُ مليئا باللانهايات

في هذا التَّنَكُّرِ للزَّمَنِ واتساعهِ.

تحفُرُ الأسئلةُ العُمْقَ في الرُّؤيةِ،

تُعَدِّلُ لُغَاتٍ في الصَّوتِ،

تُلَوِّنُ ومَضَاتٍ في الهواءِ،

إغواءاتٍ لا مُجدِيَةٍ للإمْسَاكِ بالشَّرَارَةِ

فِي بدايةِ الحَريقِ.

 

في المُحِيطِ، عتمَة المَادَّةِ

أحتاجُ أنْ أعرفَ إنْ كانتِ الكلِمَة

تنْبَثِقُ مِنَ العَمَى،

إنْ وُلِدَ مَعَ ذاكَ الطِّفْلِ

الذي تلاعبَ بِهَمْسٍ

لكي يُوَلِّدَ الكلامَ.

أحتاج أن أحِسَّ أنَّ الصَّوْتَ

هو تعديلٌ لليقينِيِّ

وأن الحِبْرَ يكشِفُ عَنْ مَسٍّ مِنْ جُنُونٍ.

لا أفهم أسبابَ الكينونة

ولا كينونة السبَبِ،

أحسُّ فقط القلق،

الشِّجارَ بين فصل زوج

وترَنُّحِ الكون، متظاهرا بالسَّذاجة.

يخنقني السؤال في الحلق.

أتنفس مدى الوقت تحت علاماتِ

آليَةٍ تُؤجِّجُ المفاهيم.

أستيقظُ كلَّ يومٍ

بِوَهْمٍ أيادٍ دافئةٍ بِشَايٍ

وصباحاتٍ مُبَكِّرَةٍ بِشِفاهٍ وابتساماتٍ،

في كل فجْرٍ أصْعَدُ إلى الريح، إلى الطريق،

إلى الحلقوم المُباغتِ الذي ربما ينتظرني

فيما وراء القرارات الوحيدة.

إن صَارَ التعب رماديًا،

سوف أهوي على الإسفلت، وسأموت ساقطاً من أعلى إلى الأسفل،

فاقد الإحساس، ضئيلا، وغير رحيم.

الحَيَاةُ مُجَرَّدُ صَرْخَةٍ

وإنْ همْهَمَتْ.

 

ارتجاجاتٌ بين الظلِّ والضَّوءِ

يمكنُ للخوفِ أنْ يسْكُنَ القصيدة

ويمكنُ لكلِّ سطرٍ أنْ يُؤكِّدَ

نُبَاحاً أعْمَى

للخوفِ أثَرُ الأبدِيَّةِ؛

هُوَ عنيدٌ وخادِعٌ،

يحرمنا من الأمطار ومن الصيف.

الشمس تُلِحُّ على التَّعَرُّفِ إليَّ،

على أنْ تَغْرِسَ المعنى

أمامَ عتبَاتِ الخَرَابِ.

ما مفتاحُ هذه الأبجدية

التي تتأسَّسُ فِي التَّعَبِ

حيث ينهارُ التَّبَصُّرُ

ويخفقُ القلبُ في عمى؟

مُزَيَّفَ الحَقَائِقِ، يتدفقُ الكونُ

ما بينَ تشْوِيشَاتِ الافتِرَاسِ

وتعيدُ الفوضى خلقَ رَغْبَةِ العَبَثِ،

الجَوْهرَ الفِطرِيَّ للكُلِّ اللا يتجزأ والسَّاكن.

مسْتَلْقِياً أمامَ هذا القانون،

مفتاح الزَّمَنِ،

ذاكَ الذي أحاولُ أن أستَوْعِبَهُ ملفوفاً فِي الحِبْرِ،

بعدُ ما يزالُ السَّامِيَ،

أمَّ الصَّدَى، ملكة الجَانبِ الرَّمَادِيِّ:

الكَلِمَة.

 

المَأثُرَةَ

رِحْلَةُ الدَّمِ

أغْنِيَة هذه الهُنَيْهَةِ،

هَمْسَةٌ فِي مُنْتَصِفِ الدَّيْمُومَةِ

حيث ُ تُخْفِي سُرْعَةُ الزَّوَالِ

الاخْتِلاجَ وتُبَدِّدُهُ.

لن يكون هنالكَ رُوَاةُ أشْعارٍ ولا قصَائِدَ غنائِيَّة

عَنْ بَطَلِ كُلِّ الأيَّامِ.

سَوفَ يَكونُ صغيراً وخفيّاً،

خَفقانٌ عشوائِيّ.

 

ريكاردو روبيو: (بوينوس أيريس 1951) شاعر وروائي وكاتب مسرحي أرجنتيني، اشتغل بتدريس اللغة الإنجليزية والإعلاميات باعتباره مختصا في البرمجة الإلكترونية. وهو ينشر أيضًا مقالات أدبية في الصحف والمجلات، ظهرت قصائده الأولى منشورة في السبعينيات، وتميزت ببعدها الاجتماعي، قبل أن يطور تجربته الشعرية نحو أبعاد وتصورات أخرى، نشر العديد من الدواوين الشعرية من بينها: قدمٌ على قدمٍ 1979، مفتاح ذاتي 1980، قرى مباغتة 1986، حكايات الزهرة 1988، شجرة بعصافير 1996، محاكاة الوردة 1998، موجز 2001، مجال حقيقيّ 2002، اللون الذي يستعيره المساء 2002 و2003، ما بين سطور الماء 2007، خيوط أريادنا 2010، ملحمة رمادية 2016، أغنية المحارب 2017، وصف العالم 2019. تُرجمت أجزاء من عمله الشعري إلى الفرنسية والإيطالية والألمانية والروسية والبلغارية والجليقية والإنجليزية والرومانية والألبانية والكتلانية والبولندية والعربية والهندية والصربية والبرتغالية.

خالد الريسوني: شاعر ومترجم مغربي، (الدار البيضاء، 1965) حصل على الإجازة الأدب العربي وعلى الماستر الوطني في الأدب المغربي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان سنة 1988، اشتغل أستاذا للغة العربية وثقافتها بالمعهد الإسباني سيفيرو أوشوا بطنجة. شارك سنة 1985 في المهرجان العالمي للشباب والطلبة بموسكو، كما ساهم في عدد من المهرجانات الشعرية في المغرب وخارجه المغربي. عضو اتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر في المغرب. يتوزع إنتاجه بين الكتابة الشعرية والدراسة الأدبية والترجمة. نشر كتاباته بعدة صحف ومجلات ومغربية وعربية وإسبانية…