“أشباح الوطن” قصة قصيرة للكاتب العراقي سليم مطر

سليم مطر كاتب عراقي  مقيم في جنيف
سليم مطر Salim Matar

الوطن إله، يعيش فيك حتى وإن تنكرت له!

قبلت عرض الصديقة “ماريان” بأن أسكن في بيتها أثناء سفرها، مقابل عنايتي بنباتاتها. هذه فرصة كي أرتاح وأمضي وقتا هادئا يساعدني على الكتابة. فهي تسكن في منطقة خضراء هادئة في أطراف قرية عند سفوح جبال الجيرا السويسرية. البيت كان في الأصل مشغلًا زراعيًّا كبيرًا تمَّ تجديده وتحويله إلى مسكنين متجاورين.
علاقتي ب-” ماريان” تعود لسنوات طويلة، إذ بدأت بزمالة عمل ثم صداقة حميمة ثم محاولات حب متعثرة بسبب موانع عملية. المشكلة إنها إستمرت مترددة باتخاذ قرار الاستقرار في سويسرا بلاد أبيها الذي توفي منذ أعوام. كانت متعلقة بأمها وبلادها الأرجنتين، إذ ولدت وعاشت هناك حتى مطلع شبابها وهجرتها إلى سويسرا. كم حاولت أن تقنع أمها بالهجرة معها، لكن الأم ظلت متعلقة ببلادها.
أمضت “ماريان” هذه السنين الطويلة، وهي منقسمة بين وطنين وعاطفتين. ما برحت تزور أمها وبلادها على الأقل مرة كل عام. لم يفارقها الأمل بأن تعود يوما لتستقر هناك إلى الأبد. إن تشتتها هذا وحلم عودتها، ظل سببًا كافيًا لمنع قرار حبنا المشترك وعلاقتنا الثابتة. فأنا لم أقبل أبدا بالهجرة معها إلى بلادها، إذ يستحيل عليَّ هجر سويسرا التي أضحت بلادي وموطن ذكرياتي وأحبائي، بعد ضياع بلادي الأصلية “العراق”.

* * *

وصلت البيت قبل حلول المساء بساعة. مازال الربيع في أوله، والثلوج لم تذب بعد، ولسعات برد المساء قاسية مصحوبة بريح تصفر حزينة مصحوبة بهفيف أشجار وثغاء أبقار ورنين أجراسها. كما أخبرتني “ماريان” في الهاتف، وجدت المفتاح تحت حجر قرب الباب. صمت المساء يجثم على الدار عدى ضجيج بعيد لحيوانات وطيور الغابات القريبة. النوافذ معتمة في مسكن الجيران الملاصق. فليس هنالك أي شخص ولا صوت ولا ضوء. لعلهم في مشاغلهم وسيعودون مساء، أو ربما هم أيضا على سفر.
في الساعة الثامنة مساء أحسست بالتعب فاستلقيت على السرير. ها أنا أخيرا بعيد عن العالم وصخبه، بلا حاسوب ولا تلفزيون ولا حتى مذياع. وحيد مع كتبي وأوراقي.
كالعادة جلبت معي عدة كتب كلها أدب، أشعار وقصص وروايات ومذكرات، وضعتها على الطاولة المجاورة. دون تفكير مددت يدي وتناولت إحداها، وإذا به “مختارات من الشعر العراقي”. ترددت في فتحه، إذ يبدو أني قد جلبته دون قصد. منذ عامين على الأقل وأنا أجاهد نفسي لتجنب كل ما يتعلق ببلادي، أخبارها وناسها وأدبها ومصائبها التي لا تنتهي، والتي في الأعوام الأخيرة أوصلتني إلى حافة الجنون أو الانتحار.
كم عانيت من انهيار آخر أحلامي في هذا الوطن الذي يتلذذ بجراحه! كم بكيت وندبت وعاتبت الريح والأشباح، واستغثت بالبحيرة والنهر والغابة والسماء. أناجيها أناديها أتضرع إليها أن تخلصني من عذابات خيباتي. أن تهديني إلى النور في ظلام يأسي الحالك. أكثر من ثلاثين عاما وأنا أنتظر. وكلما مرت السنون تفاقم الجنون وتناءى سراب الأمل. إنه الحب المستحيل. كل قنبلة تنفجر في شوارع بلادي أحسها تنفجر في روحي وتبعثر حطام جثث أحلامي البريئة.
لكني هذا المساء رغما عني وجدتني أغرق في قصائد بلادي، حتى بدأت أنام. وفجأة فزعت وأنا أسمع من خلف رأسي أصوات بشرية. يبدو أني متكئ على الحائط الذي يفصلني عن الجيران. هاهم قد عادوا أخيرا. رحت أتنصت بفضول. تبينت صوتي طفل وامرأة. الطفل يبكي. أسمعه بوضوح وكأنه معي. المرأة تحاول تهدئته. لكن.. لكن.. نعم أنا لم أخطئ إنهما يتحدثان العربية. بل يا للغرابة لهجتهما عراقية:
– “فدوة أروحلك.. عيني..”
لم أصدق، يقينا أنا واهم. ماذا تفعل عائلة عراقية في هذه البقعة النائية بين جبال سويسرا. بكاء الطفل لم ينقطع وصوت الأم بدا كأنها لم تكن مهتمة. بل يخيل لي أنها تتكلم في الهاتف، أو لعلها تكلم نفسها. أحسست بالطفل وحيدا مثلي في ألمه وحزنه. لا أحد يهتم به.
طار النوم من عيوني. وكلما حاولت القراءة تشتت تفكيري ببكاء الطفل الذي اشتد نحيبه حتى وجدت نفسي أشاركه بكائه رغما عني. دون قصد رحت أصرخ بأعلى صوتي وبلغة فرنسية، راجيا الأم أن تهدئ طفلها. وما من مجيب. استمر صوت الأم نفسه هامسا لا يبالي، وبكاء الطفل يتفاقم وجعه.

* * *

لا أدري كيف نمت ومتى. المهم أني استيقظت صباحا وكلي كآبة وغضب من متاعب ليلتي. عزمت على الذهاب مباشرة إلى باب الجيران للتحدث مع العائلة واستكشاف الأمر. لكن لم يجب أحد على قرع الجرس. أسفت لمغادرتهم. كتبت ورقة ولصقتها على الباب، بلغة عربية وبكلمات مؤدبة قليلة أرجو العائلة الاتصال بي عند عودتهم مساء.
لكن المساء حل ولم أشاهد أحدا من العائلة. أويت إلى سريري كعادتي مع كتبي منتبها إلى الصمت السائد لدى جيراني. وكالبارحة، ما أن بدأت إغفاءتي إذا بي أفزع على بكاء الطفل وهمس الأم اللامبالي. ودون تردد ركضت نحو بابهم وقبل أن أدق الجرس، انتبهت إلى أن رسالتي لم تزل ملصقة على الباب. يا للوقاحة، هذه السيدة العراقية يقينا قد قرأت رسالتي وتركتها، قاصدة إشعاري بعدم اهتمامها بدعوتي. قرعت الجرس غاضبا، لكن لا من مجيب. سيطرت على غضبي وعدت إلى سريري. لقد بلغت الوقاحة بهذه السيدة أنها استمرت بعادتها في حديثها الهاتفي غير مبالية بنداءاتي وبكاء طفلها. حينها وجدت نفسي أقرب فمي من الحائط وأكلم الطفل بلهجة عراقية وكأني معه:
– اهدأ يا عيني، أرجوك اهدأ.. ليش تبكي..
العجيب أن الطفل راح يهدأ تدريجيا وكأنه يتجاوب مع كلامي!

* * *

هكذا استمر الحال كل ليلة طيلة الأسبوع. حتى انتبهت إلى أني بدأت أرتاح لبكاء الطفل وأنتظر بلهفة حلول المساء كي ينتحب وأناجيه وأهدئه. أشاركه شكواه وأسرد لها حكايات عن طفولتي. بلغ الأمر أنه كان يبكي لحكاياتي المحزنة ويضحك لحكاياتي الطريفة. وبين حين وآخر كنت أغني له ما حفظت من أغان عراقية وعربية. أما الأم فلم تتفضل بالتجاوب معي ولا حتى بكلمة واحدة، وكأني غير موجود. رسالتي بقيت معلقة على بابهم طيلة الأسبوع. وجدت لها العذر، لعلها مريضة ومصابة بالكآبة وتتجنب أي اتصال، وخصوصا انا عراقي مثلها، وهي مثل الكثيرين قد عانت من صدمات وكوارث وخيبات بلادها ولا تريد من يذكرها. إني أتفهمها.
في يوم الأحد مساءا عادت “ماريان” من سفرتها. كانت حزينة لوفات امها التي هي آخر من تبقى لها في بلادها الاولى. ذرفت الدموع وانتحبت على صدري. ما إن هدأت قليلا حتى سارعت أنا بالتعبير لها عن لهفتي بمعرفة سر جيرانها، هذه العائلة العراقية الغريبة الأطوار.
لقد اضطررت أن أعيد سؤالي مرات عدة كي تدرك مقصدي:
– عن أي جيران وعن أية عائلة أنت تتحدث… أتسخر مني؟!
– جيرانك يا عزيزتي.. الأم العراقية وطفلها.. أرجوك ارتاحي واهدئي قبل أن تجيبيني. هاك اشربي، عملت لك هذه الأعشاب المهدئة..
– يا عزيزي أنت من يحتاج الشاي المهدئ. إما أنك تهذي أو تمزح معي.
أمام إصراري، مسكتني من يدي وقادتني إلى باب الجيران، وأدارت قبضته وفتحته، وهي تخاطبني بصوت ساخر:
– تفضل ادخل وانظر بنفسك..
نعم، ويا للعجب! الباب أساسا لم يكن مقفلا. يكفي إدارة قبضته كي ينفتح. ها أنا أكتشف مذهولا كيف أن الدار خالية خاوية يخيم عليها صمت حزين وريح تصفر عبر نوافذ مفتوحة وأوراق أشجار تتراقص في فضائها. ثمة قمر نحاسي بدأ يعلو من قمة الجبل المقابل ويضفي على المكان جوا سحريا يشبه أفلام الخرافات. همست “ماريان” وهي تعانقني:
– كما ترى يا عزيزي، الدار خالية منذ أكثر من شهرين، وأنا بدوري يجب أن أترك داري، لأن البناية قد اشتراها مالك آخر ويبتغي تغييرها.
بقينا هكذا وسط الدار بين صفير ريح وشحوب قمر متعانقين ونحن نهمس بنشيج واحد:
– أنت بلادي.. أنت بلادي..
وصوت طفل حزين يصدح في الكون..

كاتب عراقي، جنيف

[email protected]