“أديب” قصة قصيرة للكاتبة العراقية ياسمين حنوش”

في البدء كان أديب يستثقل زيارات والده الدورية من جبهة القتال ومع مرور الوقت صار يكرهها.

ياسمين حنّوش

بالنسبة له تلك الزيارات لم تكن تعني أكثر من الملابس القذرة التي لا يتغير لونها الترابي ولا تنجلي بقعها الحمراء القاتمة مهما جلفتها الأم، البسطال الموحل الذي يزاحم حذاءه المدرسي قرب مدخل البيت، الرائحة العطنة التي تتفشى في المكان مثل أيام مواسم شراء أكياس الروبيان وسمك الصبور الضخمة التي انقطعت منذ حلول زناخة الأب مكانها، غياب حصته الضئيلة من مكعبات اللحم في صحن الغداء وتحولها إلى صحن الأب الذي واصل جسده الهزال رغم التهامه كل الأطعمة التي تهيلها الأم في الصحون أمامه، انهماك الأم وتجاهلها التام لأديب حين يظهر ذلك الرجل المترب ذو الملامح المنهكة، ذلك الرجل الذي صار أكثر غرابة وصمتاً كلما توالت الأشهر التي يقضي معظم أيامها بعيدا في جبهة القتال.

استدعي الأب للتجنيد قبل شهرين من دخول أديب، أصغر أطفاله الخمسة، الصف التمهيدي. استمرار الحرب على مدى السنوات السبع المنصرمة أدى إلى نفاد الجنود الأصغر سناً من والد أديب، فتم “سَحب مواليده” كما كان يقول الناس في ذلك الحين. رغم تقدمه النسبي في السن، إذ كان في مقتبل عقده الرابع، إلا أنه ألحق بفصيل من فصائل المشاة في الخطوط الأمامية للحرب مثل الكثيرين من رجال جيله الذين لم يعودوا إلى أهاليهم.

أثناء إحدى زيارات الأب الشهرية التي تستغرق معظمها اليومين والليلة الواحدة استيقظ أديب في منتصف الليل إثر أصوات حشرجة ولهاث مستغيث فترك غرفة الأبناء وهرع نحو مصدر الصوت الآتي من غرفة النوم الأخرى. تباطأ وهو يصل إلى باب الغرفة المفتوح مستشعرا الخوف الذي أخذ يشل أطرافه الأربعة. رغم الظلام المهيمن على المكان استطاع أن يتبين تفاصيل المشهد المروع: رجل الجبهة المترب يطبق بجسده الضامر على جسد الأم الذي يئن ويتلوى دون انقطاع. أراد أن يتقدم ليستجيب لنداء النجدة وينقذ أمه من قبضة ذلك المجرم الغريب لكن شيئا غريزيا جعله يتردد وينصرف عن قراره، ربما كان ذلك التفاوت الواضح بين حجمه وحجم الذكر الآخر، رغم هزاله.

في صباح اليوم التالي، باشر الكبيران بأبغض الشعائر إلى أديب وأكثرها اعتصارا لقلبه إذ انخرطا بالبكاء حول مائدة الفطور أمام الجميع دون أن ينبسا بكلمة أو يتبادلا نظرة أو ينتبها لوجوده. كان ذلك هو الحال كل صباح يغادر فيه الرجل عائدا إلى الجبهة، فيتمتم أديب بينه وبين نفسه، “يا ربي تكون آخر مرة”.

تخلف أديب عن إخوته وتأخر في طريق سيره إلى المدرسة صباح ذلك الخميس. وصل إلى ساحة المدرسة وقت الاصطفاف لرفعة العلم. لم يلق التحية على أصحابه بل استمر في دحرجة الحجر الصغير الذي رافقه منذ بداية الطريق حتى بلاط المدرسة المتحفر.

صباح كل خميس مثل هذا يصطف الجميع حول صارية العلم ليشهدوا طقوس الولاء للوطن والقائد التي تتضمن رفع فريق الطلائع للعلم ثم تحية العلم وإلقاء النشيد الوطني. أحيانا يتم انتقاء بعض التلاميذ الموهوبين ليقرأوا كلمة كتبتها إحدى المعلمات أو أحد أولياء الأمر حول ولائهم وامتنانهم للقائد الضرورة أو ليلقوا بنشيد عن قتال الجنود العراقيين البسلاء لاستعادة كرامة فلسطين المغتصبة. لم يكن يعبأ كثيرا بهذه الطقوس الرمزية غير أنه طالما شعر بالغيرة تتغلغل في كيانه حين تتقدم مديرة المدرسة إلى الميكروفون لتنادي أبناء الشهداء الجدد واحدا تلو الآخر بأسمائهم الثلاثية لينضموا إليها أمام المدرسة ويقفوا بكل زهو وتعالٍ أمام الجميع فتوزع عليهم الدبابيس الذهبية اللماعة والهدايا المغلفة التي تثير انشغال أديب ولهفته ما تبقى من نهارات الخميس.

صباح ذلك الخميس انفجر أديب بالبكاء على غير عادته حين باشرت مديرة المدرسة بتوزيع الهدايا. التفت أبناء الشهداء الجدد وتلاميذ الصفوف الأخرى نحو مصدر البكاء باستغراب واستدارت معلمة الصف التي كانت تقف أمام أديب مباشرة لتسأله عن سبب بكائه.

“أريد أن يكون أبي شهيدا أيضا!”

بعد مرور لحظة من التردد والصمت الحائر اسرعت مديرة المدرسة بانتهاز الفرصة لتمسك بالميكرفون وتعلق أمام الجميع:

“وطبعا كل تلميذ منكم يعرف مثل التلميذ الشجاع أديب إن الشهداء أكرم منا جميعا!”

“صدَق القائد المهيب الركن صدام حسين!” استجاب الحشد الطفولي باللازمة التي لُقن أن يقولها كلما ورد ذكر شعار أو مقولة من مقولات القائد.

“شهداء اليوم هم ضمانة الحاضر والمستقبل!”

انفتحت قريحة المديرة إثر استجابة الحشد.

“نروح كلنا فداءك يا وطن!

كلنا نبض واحد وقطرة دم واحدة

في سبيل العراق الأبي وفلسطين الحرة!

بالروح، بالدم نفديك يا صدام!”

تصفيق.

“أريد أن يكون أبي شهيدااااااااً!” صرخ أديب بأعلى صوته هذه المرة، حتى صفق الجميع مرة أخرى.

 

من المجموعة القصصية “أطفال الجنة المنكوبة”. 

كاتبة وأكاديمية عراقية، أميركا

[email protected]