“أوهام ياسر المفتون” فصل من رواية للكاتب العراقي صلاح عواد

صلاح عواد

1

في صباح الحادي عشر من نوفمبر 2010، هبطت طائرة تابعة للخطوط الجوية الدنماركية قادمة من نيويورك في مطار كوبنهاغن. وكان الشيء الوحيد الذي شغل فكر مفتون الياسر حين توجه مع المسافرين الآخرين إلى كافتيريا المطار، الجريمة التي ينوي ارتكابها، معتقداً أنها سوف تحرره من إثم كبير ربما ارتكبه في وقت ما من حياته التي تجاوزت الأربعين عاما.

بدا التعب والإرهاق من قلة النوم على وجوه المسافرين، وعلى وجه مفتون الياسر الذي كان يجر خطواته بتثاقل ملحوظ، حاملاً حقيبته الصغيرة على كتفه، مرتدياً بنطلون جينز وجاكيتاً من الجلد الأسود. وأثار انتباهه، قلة عدد الحاضرين في الكافتيريا في تلك الساعة المبكرة من صباح شهر نوفمبر. وشعر ببساطة الدفء الذي تسرب في جسده وقت احتساء القهوة الممزوجة بالحليب.

اتجه مفتون الياسر إلى طاولة تحيطها أربعة كراسي، وضع حقيبته على واحد منها، وراح يتأمل جمال ما تبين من قاعة المطار. فأضواء النيون البيضاء اضفت لوناً رمادياً انعكس على جدران المطار، الذي أغلقت أغلبية محلاته التجارية في ذلك الوقت المبكر، باستثناء الكافتيريا ومتجر للسوق الحرة.

تسنى بوضوح رؤية علب السكائر وقناني الخمر التي تصدرت جزءاً كبيراً من واجهة المتجر الأنيقة، ومن الممكن أيضا ملاحظة عمال المطار، ورجال الأمن، وبعضاً من أفراد الشرطة، وبعضاً من واجهات المتاجر المغلقة التي حمل بعضها يافطات بأسماء مصممي أزياء مشهورين.

كان عليه الانتظار ثلاث ساعات، ليستقل طائرة أخرى إلى العاصمة السويدية ستوكهولم، وعليه أن يستقل قطاراً من هناك إلى مدينة مالمو جنوب السويد. لم يكن أمر الرحلة ومسارها مصدر قلق له، لكن الأمر الذي شغل ذهنه، هو وضع خطة محكمة لتنفيذ جريمته. ويبدو أن الخطة التي حبك خيوطها في ذهنه غير واضحة المعالم، وأحياناً تبدو أنها مجردة تماما ولا تستند إلى آليات فعلية لتنفيذها، كما أنه لا يملك عنوان المرأة هدف الجريمة التي خطط لها منذ عام وقتما أدرك مصدر تعاسته، غير أنه تيقن من اسم المدينة التي تقيم فيها.

مضت ساعة على جلوسه في كافتيريا المطار، وبدا له أن إيقاع الزمن أليف، ومن ثم دبّت حركة جديدة في صالة المطار بعد وصول مسافرين جدد، وقد هبطت أكثر من طائرة في المطار. ورغم تعبه إلا أنه قرر النهوض وتناول فنجان قهوة آخر، ثم نظر إلى ساعته بعد أن تناول فنجان القهوة من النادلة ذات الوجه الأليف المائل إلى السمرة، الذي يتخلله نوع من الحمرة الصافية، وقد منحها الشعر الأسود القصير جمالاً خاصاً.

عاد للجلوس في طاولة أخرى حيث شغل مسافرون جدد طاولته الأولى. وعندما استقرّ في كرسيه نظر مرة ثانية إلى ساعته، فاكتشف أنها لا تزال حسب توقيت نيويورك، ولم يزعجه هذا الاكتشاف فعاد مرة ثانية إلى قهوته، وأخذ رشفة من فنجان القهوة شاعراً بسخونتها، وراح يراقب البخار المتصاعد من الفنجان.

حاول أن يعود مرة أخرى إلى خطة جريمته، فوجدها مرتبكة ومشوشة جداً، وأراد أن يفكر لكنه شعر بالفراغ، وقرر الاستمتاع بقهوته، ثم رغب بتدخين سيجارة، غير أنه أدرك أن التدخين ممنوع في المطار. وأصبحت السيجارة بعيدة المنال وغير مسموح له بمغادرة المطار، وأججت فيه الرغبة القلق والتبرم شاعراً بدبابيس انغرزت في أجزاء معينة من جسده. ثم قرر أن يشغل نفسه بشيء آخر، وسرّح نظره في المحلات التجارية التي راحت تفتح أبوابها، وفي أضواء أخرى ذات ألوان متعددة انبعثت من واجهات المتاجر. وراح يراقب حركة المسافرين وهم يسحبون حقائبهم، وأخذ يتأمل الوجوه ذات السحنات المختلفة، البعض منها مال إلى الحمرة، والآخر إلى اللون الأصفر الشاحب، وأخرى كانت تميل إلى اللون الأسمر الحنطي، ومال غيرها إلى لون مكتسي ببياض قليل، وهناك نساء شقراوات وأخريات سمراوات وسوداوات وبأعمار متفاوتة.

قد يكون البشر دائما على سفر وفي حركة مستمرة، وهو أيضاً مثلهم على سفر، وتساءل مع نفسه، ” كم من هؤلاء المسافرين الذين انتشروا في قاعة مطار كوبنهاغن قد فكر في ارتكاب جريمة؟ وربما ليس هناك من فكر فيها، وهل من البساطة التعرف على كائن آخر يود ارتكاب جريمة ما؟”.

– إنه أمر شنيع.

هذا ما قاله لنفسه. وفي هذه اللحظة تيقن من عزمه على ارتكاب جريمته في هذا الجزء من شمال أوروبا بعد المسافة التي قطعها من نيويورك.

كان عليه أن يقضي ما تبقى من الوقت حتى يحين موعد إقلاع الطائرة الذاهبة إلى السويد، وبدا حائراً وهو يفكر بما يشغل نفسه حتى موعد إقلاع الطائرة، كما لم تراوده أي رغبة في القراءة لإحساسه الشديد بالإرهاق، وقرر أن ينهض ليمشي في صالة المطار ذات الجدران المطلية بلون رمادي فاتح.

وقبل أن ينهض من كرسيه، اقتربت منه امرأة شقراء قد تكون في الثلاثينات من عمرها متوسطة القامة وعلى قدر من الجمال، مرتدية قميصاً أبيض اللون وبنطلون جينز، وكانت لوحدها مع حقيبتها واختارت طاولة أمام طاولته، وراحت تحتسي قهوتها وهي تقرأ في كتاب لم يتبين له عنوانه.

وعاد إلى الجلوس ملغياً رغبته في المشي، وأخذ يسترق نظرات بين الحين والآخر إلى وجه المرأة التي لم تعره أي انتباه، وبدت له غارقة في كتابها، ومع ذلك تسمر في مقعده وهو يشغل نفسه بمشهد المرأة، ثم انتبه الى لون سترتها الأزرق الداكن، وإلى شعرها الأشقر المتوسط الطول الذي كاد أن يلامس كتفيها، وأخذ يتأمل سعة عينيها ذات اللون الأخضر، وانتبه إلى نهديها البارزين اللذين شدّهما ستيان أسود اللون بدا واضحاً عبر قميصها الأبيض.

وأدرك أنه لا يملك أي مشاعر خاصة إزاءها، ومع ذلك واصل التحديق في المرأة الشقراء، التي واصلت قراءة كتابها، وكانت تحرك يدها اليمنى بين حين وآخر لتناول كوب القهوة، كما أنها نادراً ما أزاحت عينييها عن الكتاب، ولا خطر في بالها أن تنظر إلى وجه مفتون الياسر الذي تمتع بوجودها.

انتابته رغبة في أن ينهض ليحدثها، لكنه عدل بسرعة خاطفة عن المشروع، واكتفى بمزاولة التحديق فيها من جديد. ثم أدرك أنه مهتم بهذه المرأة الغريبة دون أن يتعرف على مصدر هذا الاهتمام. وحاول بقسوة ربط هذا الاهتمام بحدث، أو بحكاية، أو بشخص، لكن محاولته باءت بالفشل وتسرب القلق إلى روحه، واستعاد التفكير بالجريمة الغامضة.

اجتاحته خواطر غامضة ساهمت في تخفيف قلقه، ثم اكتشف أن المرأة الجالسة قبالته شيء قائم بذاته مثل الأشياء الأخرى المنتشرة في صالة المطار، مثل المحلات التجارية، وأضواء النيون والكافتيريا، والكراسي والطاولات، أشياء قد تستدعي نوعاً من الجاذبية، وأحياناً تولّد طاقة خفية من المقاومة ضدها.

ومع ذلك ظل يحدق فيها وسرت في ذهنه جمل غريبة جاءت دفعة واحدة دون مقدمات، قد تكون أبيات من قصيدة لشاعر أمريكي لم يتذكر اسمه، واستسلم كليّاً لترتيب الجمل التي وردت في ذهنه بترتيب متناسق وهو مغمض العينين مثل تلميذ يستذكر عن ظهر غيب ما حفظه قبل الامتحان:

 يبدو أنه من الغريب أن أكون أحياناً في العمر الذي أنا فيه،

عاجزاً دائماً عن استحضار ما ترقبته،

قادراً على الأصغاء إلى صوت الدم،

وهو يزحف في السهول كي يصل مسرعاً قبل حلول الظلام.

أحاول رسم خطواتي للتيقن من الواحدة تلو الأخرى،

وحتى الآن،

القائمة لم تكتمل،

وأحلم أحياناً أني أسير إلى الخلف في الليل،

وربما أتظاهر بالموت،

وأصغي لمن يهاجمني

وأخيراً تأخذني سنة من النوم.

وأفتح عيني حيث تغادر الأسماك ذات العيون الضوئية البيت في جنح الظلام.

 

وفتح عينيه ولاحظ أن المرأة ألقت نظرة سريعة عليه، فارتبك قليلاً، لكن أبيات القصيدة لا تزال تسري في ذهنه بدفق عجيب:

كان الصمت آمناً في كل الجهات،

وتذكرت عدم شعوري بالرضا،

وثمة حكايات،

وبعد قليل أتخيل واحدة منها،

ومن الضروري أن تكون مرتبطاً بها،

ومع ذلك فكرت بأني موجود.

وأحياناً

أرى نفسي تكتشف منعطف الزوايا في ذاكرة المدينة،

واجتاز شاحب الوجه،

الحدائق التي شاهدتها،

وضيعت الخيط الذي ظننت أنه في حوزتي.

أه

سيكون العالم قابلاً للاكتشاف من جديد،

وعندما تمكنت من استعادته،

وجدت أشباح الكائنات ليست حاضرة في الملصق،

وما عدت اثق بالمعرفة التي حرصت عليها طوال حياتي.

وجاء الصمت في شكل فواصل من خارج هيكل الأشياء،

وكل واحد منا قد واصل دروب الشك وفي وقت مغاير.

أه

لو تمكنت من إتقان كلمة واحدة

لاكتشفت أنها قادرة على بعث كل الخطايا،

وسأدرك أنها كانت لي في وقت تمنيته،

لأذهب معها حتى النهاية،

كي يهديك ذلك الطفل الذي كنته ذات يوم.

 

وفتح عينيه مرة أخرى ليجد المرأة الشقراء قد غادرت الكافتيريا، وشعر فجأة بفراغ المكان المخيف وكأنه في نفق مظلم للغاية. ثم نهض بسرعة وهو يحدق في ساعته، وتوجه إلى الممر الذي قاده إلى الطائرة المتجهة نحو استكهولم، وعاود التفكير بجريمته الغامضة.

وبعد أن ربط حزام مقعده قبل إقلاع الطائرة أغمض عينيه، وتشكلت الحروف الأولى من اسم كاترين، وقال لنفسه بصوت خيل إليه أن جميع ركاب الطائرة قد سمعه، “إن المرأة الشقراء التي كانت جالسة أمامي في الكافتيريا هي كاترين بعينها”.

قبل أعوام خلت عاش مفتون الياسر وحيداً في باريس، وسكن في منزل يقع في ضاحية جنوب باريس، واختار غرفة تقع في الطابق الثاني من منزل تملكه عجوز من أصل يوناني مصابة بالشلل النصفي. وقد أحب المنزل والطابق الثاني منه، وكذلك العتبات الخشبية للسلم التي كثيرا ما جلس عليها وهو ثمل من البيرة أو من النبيذ. كما أنه كره الشارع الذي يقوده من محطة المترو إلى المنزل، الذي يقابل مصنعاً له نوافذ واسعة ذات زجاج سميك، وثمة مقهى وحيدة في الشارع، يتصدر مدخلها كلب كبير ووديع، وهو جزء من المقهى التي يتناول فيها كل يوم قهوته الصباحية.

كثيراً ما تبدو الضاحية شاحبة وخالية من الحياة، وهذا الإحساس دفعه يومياً إلى الجري كل صباح إلى محطة المترو ليصل إلى الحي اللاتيني، ومنه ينطلق متسكعاً في مدينة النور دون هدف مستسلماً لعزلته التي أراد التحرر منها في مرّات عديدة. كما أنه أدرك وهو في عزلته القاسية، أن الرسائل إلى ذلك البلد البعيد الذي اسمه العراق لم تعد مهمة وغير مجدية، وأصبحت مهمة كتابتها أمراً لا يطاق، غير أنه يستسلم أحياناً لتلك المهمة باسترخاء عجيب ليعيد أشباح الماضي.

وكان في تلك الفترة الوجيزة التي عاشها في باريس قد شهد مرتين احتفالات عيد الميلاد، وعيد رأس السنة، في كل مرة سببت له شعورا حادا بالوحدة، تغرز فيه مساميرها مسببة له ألاماً تصل أحيانا إلى حد إطلاق صراخ غامض أشبه بمواء القطة الجائعة.

وتمنى أن تكون الحياة دون أعياد ودون مناسبات دينية، أو قومية، أو وطنية، كي لا يصطدم بالجموع التي تنطلق أحيانا بوعي ومرّات عديدة دون وعي، وأحيانا بسذاجة للاحتفال بطقوسها. وقد أدرك أن الأعياد من سنن البشر التي تم فرضها منذ تشييد المدن الأولى على هذه الأرض، وربما قد ابتكرها الملوك والكهنة والقادة، واستفاد منها التجار، والسماسرة، والصعاليك، والدجالون لإخراج الأفراد من عزلتهم ولمنح معنى خاص لحياتهم الفانية.

كان صديقه الذي وصل إلى باريس زاره أيام الاحتفال بأعياد الميلاد، ورأس السنة ليقضي بعض الوقت معه، ثم ألزمه بالخروج إلى وسط المدينة ليشهدا احتفالات رأس السنة. وكانت باريس تبدو مدينة ساحرة في فصل الشتاء رغم عري الأشجار، وأحيانا تبدو السماء متجهمة وغائمة، وأحيانا كانت تتلاشى في هذا الفصل بناياتها وعماراتها ذات النتوءات البارزة. وفي الليل تدبُّ فيها حركة توحي وكأن كل ما يشكل كيانها قد انهار إلى الأبد، ولا يبقى سوى حركة البشر وأضواء المدينة والسيارات.

وفي ليلة رأس السنة خرج من غرفته، بصحبة صديقه سعد في تمام الساعة العاشرة ليلا، ثم وصلا إلى محطة شاتليه، وعبرا الجسر الذي يؤدي الى سان ميشيل، واستمرا في السير حتى وصلا إلى شارع موفتار الذي أحبه كثيرا لطرازه القديم، وبسبب مطاعمه وحاناته والمحلات وسوقه الشعبية التي كانت تقع في نهاية الشارع، كي يستمتع برؤية لخضار والفاكهة واللحوم والجبن الفرنسي. ثم استقرا في حانة وطلبا قنينة من النبيذ الأحمر، وبقيا حتى منتصف الليل. وعند بدء العام الجديد نهضا وغادرا الحانة، وهما يشعران بدبيب وحركة النبيذ في جسديهما، ثم سارا باتجاه الحي اللاتيني في الوقت الذي راح يهطل فيه ثلج خفيف وساحر من سماء باريس.

وبدت شوارع باريس في هذا الجزء منها مكتظة بالبشر، وبالسيارات، وبالعجلات النارية، يصاحبها أصوات السكارى، والصفارات، وأصوات السيارات، والعجلات النارية، وخرج المئات من الناس من بيوتهم لاستقبال العام الجديد، وربما ترك البعض أشياءه على الطاولات وعلى الأراك وعلى الأسرة. وكانت العمارات توحي بفراغها وخلوها من ساكنيها، ولا يبدو من معالم المدينة سوى أفواج من البشر وقد ملئوا الشوارع، وخيل إليه أن باريس عارية من المتاحف ومن دور السينما ومن المسارح ومن الجسور ومن الأحزاب، كأنها تحولت إلى سفينة حاملة لهذه الأعداد الكبيرة من البشر.

كان سعد النحيف والطويل القادم من الريف العراقي قد حرص على تأبط قنينة من النبيذ الأحمر، وبين حين وآخر كان يتناول جرعة منها، ثم يقدمها لمفتون الياسر، وراح صديقه يلتفت يميناً ويساراً ليوزع تهانيه بالعام الجديد، وكلما التقى بمجموعة من النساء، حرص على توزيع قبلاته جاذباً مفتون الياسر إلى ممارسة ذات الطقس. ثم سارا حتى وصلا الى أديون ودخلا في زقاق ضيق، وبقيا يمشيان حتى قادهما الزقاق مرة أخرى إلى أديون قرب محطة المترو، وكان جسديهما يرتطمان بين حين وأخر بأجساد أخرى، توقفا عند محطة المترو، ثم التقيا بامرأتين، كانت الأولى فارعة الطول وشقراء، غير أنه لم يتبين لونها بسبب عتمة خفيفة صاحبت المكان في ذلك الوقت، أما الأخرى متوسطة القامة ذات صدر ناهد، واندفع سعيد نحو المرأة الفارعة الطول وهنأها بليلة رأس السنة، وقال وهو يقبلها “عام سعيد”.

وتقدم مفتون الياسر نحو المرأة الأخرى وعانقها بمرح، وبدت عليه مظاهر السكر، ثم قبلها، ولم تبد أي مقاومة، وخمن أنها ثملة مثله، وأخذ يمسك بيدها، ثم جالت في ذهنه خواطر عدة، وظل ممسكاً بيد المرأة وهو مندهش من جرأته ومن حالته، ثم سألها عن اسمها، وأجابت بابتسامة ساحرة قائلة “كاترين”. ثم أخرج من جيبه ورقة، وطلب منها تسجيل عنوانها وهاتفها، غير انها اكتفت بكتابة عنوانها وكتبت في أعلى الورقة اسمها، ثم ضاعت وسط الزحام مع رفيقتها الشقراء الفارعة الطول.

مكث مفتون الياسر مع صديقه يتجولان في الشوارع حتى الساعة الرابعة صباحا، ثم قاده سعد إلى حانة يديرها مهاجرون من الجزائر، التي لم يبق في ذاكرته منها سوى أثاثها المتواضع وصوت فريد الأطرش. وبدت له الحانة مظلمة، حيث يتردد فيها أصوات روادها وهم يتحدثون بلغة، هي مزيج من العربية والفرنسية.

وانتبه إلى صديقه الذي كان يحاور صاحب البار الجزائري القصير القامة والبدين، ولم يهتم مفتون الياسر بالحوار. ثم جاء صديقه ليقوده إلى غرفة صغيرة فيها أريكة قديمة وقدم له سيجارة عرف أنها سيجارة حشيش جاء بها سعد من صاحب البار. ولقد قادته الانفاس التي أخذها بهدوء إلى نفسه لمحاورة أشباح الماضي.

وعند الساعة السابعة صباحا قرر أن يعود إلى غرفته تاركاً رفيقه بصحبة المهاجرين الجزائريين، وعندما وصل إلى البيت شعر بالإرهاق الشديد، وكان عليه أن يحي صاحبة البيت العجوز التي شاهدها في الصالة مع زوجها المقامر، ونسي أن يهنأهما بعيد رأس السنة وتوجه إلى الممر الذي يفصل الصالة عن غرفة العجوز ليقوده إلى السلم الخشبي الذي يقوده إلى غرفته في الطابق الثاني التي وجدها دافئة ونام.

وفي المساء عندما صحا، توجه إلى الحمام الوحيد في الطابق الثاني الذي كان يتقاسمه مع بنت العجوز، التي كانت تشغل الغرفة التي تقابل غرفته، ولاحظ عند خروجه من الحمام أن باب غرفتها كان مفتوحاً، وشاهدها بصحبة صديقها، فتوجه اليهما وهنأهما برأس السنة، وقبلها فدعته إلى احتساء كأس من النبيذ بمناسبة عيد رأس السنة الجديدة.

كانت غرفتها بسيطة ومتواضعة وتخلو من الكراسي ومن الطاولة، وقد رمت فراشها سريرها فوق أرضية الغرفة، ووضعت الوسائد المربعة الشكل بشكل غير منتظم على الأرض، وثمة صور لمغنيات قد زينت جدرانها، وعلقت ملصقاً لأحد معارض فان كوخ، واحتوت مكتبتها كتب الدراسة الجامعية وبعض الروايات، واحتلت المكتب جزء من الجدار المجاور لباب الغرفة وإلى جانب المكتبة آلة تسجيل وإلى جانبها رفّ وضعت فيها أسطوانات الموسيقى.

وكان مفتون الياسر قد تعود على رؤية البنت مع صديقها، وأحياناً لوحدها، وقد ألف أن يراها في مرّات عديدة مرتدية ثوبا قصيراً كاشفة عن فرجها وعن عانتها ذات الشعر الكثيف. ولقد تعوّد بمرور الأيام على هذا المشهد الذي ما عاد يثير فيه أي نوع من الدهشة أو التساؤل. هي امرأة شابة ربما قد تجاوزت الخامسة والعشرين من عمرها ذات شعر أسود فاحم وقصير جدا، ويوحي وجهها بالبراءة ويذّكر بأصلها اليوناني الفرنسي، واضفت حمرة شفتيها المكتنزتين جاذبية خاصة جعلها تبدو أكبر من عمرها الحقيقي.

وعرف أن والدتها العجوز اليونانية الأصل والمقعدة على كرسي متحرك، هي من تملك البيت الجميل، وأن والدها الفرنسي الذي كان موظفا كبيرا في الحكومة الفرنسية قد بدد ثروة العائلة بالمقامرة في سباق الخيل. وكان دائما يسمع الشجار الذي يدور بين العجوز وزوجها الذي لم يتوقف عن المقامرة. وظل هذا الشجار والإحساس بالخسارة الفادحة مبعث حزن وأسى لا يفارق وجه بنت العجوز الجميل.

في غرفة جوسلين، وهو اسم المرأة الشابة، احتسى كأسه الأولى بعد ليلة صاخبة مع سعد، وتناول قطعة من الجبن قدمتها له جوسلين، ودار حديث ذلك المساء عن عيد رأس السنة وتسكعه، والشوارع التي ذرعها. وفجأة حضرت تلك المرأة الغامضة كاترين في ذهنه، وتذكر الورقة التي كتبت فيها عنوانها واسمها، وحرص على ألّا يخبر جوسلين بهذا الجزء من ليلته.

ورغم الكتمان غير أنه شعر بحضور كاترين، الذي شكّك في حقيقة اسمها، وأدرك أن حضورها الغامض والسريع مصدر حيرة بالنسبة له، وتساءل مع نفسه لماذا “كاترين”، ولماذا بقيت ممسكاً بيدها لفترة طويلة من الوقت؟ “.

أدرك أن ثمة سر غريب قد جذبه إلى كاترين، لا يعرف مصدره، ومع ذلك حاول أن ينسى الأمر، واعتبره وهما ولده الإفراط في الشرب. وحاول بعد مرور أيام على رأس السنة أن يتجاهل كاترين وعنوانها كما حاول أن يقنع نفسه بعدم جدية كاترين، وربما قد جاملته وقت كتابة عنوانها الغامض. وبالرغم من الاستنتاج الذي توصل إليه لكنه ظل يحتفظ بالورقة المكتوب فيها العنوان واسم كاترين التي خصّ لها مكانا مرئيا من طاولته.

وشعر مفتون الياسر بالانجذاب إلى أمر غامض ومجهول، ربما هو جزء من خرافة ووهم لم يتعرف على مصدره بعد. وظلّت الورقة دائما تدفعه إلى تذكر وجه كاترين، لكن العتمة الخفيفة لم تكن تسمح له برسم صورة واضحة ودقيقة لها، وتذكر شعرها ولون وجها الذي يميل إلى لون سنابل القمح وقميصها الأبيض ونهديها البارزين ولون عينيها القريب من السواد وجبهتها الجميلة وأنفها المدبب. كما لم يفارق ملمس يدها ذاكرته. ومع ذلك لا تزال الصورة غامضة كليا، وما وصفه كان من المؤكد من بنات أفكاره، ومن مخيلته التي شحذها بالمشاهدة والمراقبة الدائمة لوجوه البشر، وكان على يقين من أنه لن يعرفها لو التقى بها مرة ثانية. وفكر أن يتصل بسعد ليسأله عنها، غير أنه تذكر أن صديقه كان ثملاً، ومشغولاً بالمرأة الشقراء الفارعة الطول.

أوشكت الطائرة القادمة من كوبنهاغن على الهبوط في مطار ستوكهولم، وأخذ مفتون الياسر نفسا طويلا، كأنه استعاد حياة ميتة منذ زمن طويل. وأخذ يردد مع نفسه “أنت يا مفتون الياسر دائما تنجذب إلى الأشباح، فامرأة عابرة في المطار ذكرتك بكائن وهمي، شبح لم يكن لها وجود أصلا مثل جريمتك الغامضة التي تخطط لارتكابها في مدينة مالمو”.

وأخذت الطائرة في الهبوط، وتلاشت حركة المضيفات والمضيفين، وساد الطائرة ذلك الصمت المعهود وقت الهبوط. وعادت حكاية كاترين مرة ثانية، لكن الطائرة التي ارتطمت بالأرض لم تسمح له مرة ثانية في متابعة خيط الحكاية، وشعر بالغموض واحتوته موجة من الظلام. وفي تلك اللحظة اتخذ قراره بالبقاء لبضعة أيام في استكهولم. ويعني القرار إيجاد فندق متواضع لكي يحبك خيوط جريمته من جديد.

وجد في ستوكهولم فندقا قرب المسرح الملكي، حيث عمل فيه انغمار بيرغمان مخرجا لفترة طويلة من الزمن، أخرج فيه أعمالا مسرحية لشكسبير وهنريك إبسن وأوغست ستريندبرغ، والقليل من الناس من يعرف ولع بيرغمان بالمسرح لطغيان شهرته في العالم مخرجا سينمائياً. وأول ما قام به مفتون الياسر كتابة رسالة إلكترونية إلى صديق له يقيم في الدنمارك طالبا فيها الاتصال بهاتف الفندق الذي كان يقيم فيه.

أخذ حماما ساخنا، واستلقى على السرير شاعرا بالارتياح وأغمض عينيه دون أن ينتبه إلى محتويات الغرفة الصغيرة الأنيقة في ترتيبها. وتجلّت في ذهنه صور لبعض من مظاهر الطبيعة، وسرى في داخله فرح لا يعرف مصدره. وشاهد رجالا مسنين يصطحبون كلابهم في حديقة واسعة تظللها الأشجار، وتزينها زهور منسقة بشكل جميل. وشعر لأول مرة أنه يتحرر من خوف مجهول ومن كائن عملاق ظلَّ يلاحقه، تعرّف عليه ذات يوم في حي بغدادي مهجور. وتمنى أن لا ينتهي ذلك الحلم الهادئ، لكن الحلم ساقه إلى مكان آخر، فوجد نفسه واقفاً في عربة قطار مكتظة بالمسافرين، واعياً بانزعاجه من الوقوف، لأن المسافرين الآخرين كانوا يشغلون كلّ مقاعد العربة وبقى وحده واقفا يحدق في الجالسين. وفجأة توقف القطار وهبط منه، فاكتشف أنه وسط صحراء عارية لا شجر فيها ولا نبات ولا حيوانات غمرتها كثبان من الرمل. وأراد أن يعود إلى القطار لكن القطار غادر، وحين التفت مرة أخرى إلى الصحراء العارية هاجمته عاصفة رملية فاستيقظ من نومه، وتعين عليه إزاحة ما علق في فمه من ذرّات الرمل التي استقرّت في لعابه الجاف.

بعد أن نهض من السرير تذكر أن الوقت لا يزال مبكرا، ومالت الشمس بلونها الأصفر الساحر لتنبئ بمجيء الغروب، وحدق من النافذة فشاهد بقايا من الثلج غطت أرصفة الشوارع، وبدت السماء صافية، ثمّ شعر بالجوع وتعين عليه الهبوط إلى صالة الاستقبال، فوجد حانة مجاورة للفندق واندس فيها طالباً قدحاً من البيرة، وأشعل سيجارته وراح يدخن، ثم شعر بتلاشي المكان غير منتبه إلى نادل البار الملتحي، وعادت إليه كاترين مرة ثانية.

بعد مضى أكثر من أسبوع على ليلة رأس السنة. وبعد أن صحا عصر ذات يوم شاهد الورقة التي كتبت فيها كاترين عنوانها تحدق فيه مرة أخرى وكأنها تدعوه لحسم أمرٍ ما، فتناولها ووضعها في جيب سترته وارتدى معطفه، وخرج بعد تردد للبحث عن المكان الذي كتبته كاترين في الورقة.

وقرر متابعة ذلك المجهول أو الطيف الغامض “كاترين”، وعندما بلغ المدينة شعر أنها تنهض أمامه ككائن عملاق وجميل. وسار حتى وصل إلى محطة شاتليه وسأل مكتب الاستعلامات عن العنوان، ثم اكتشف أن المكان يقع خارج باريس في إحدى الضواحي البعيدة نسبيا، وأدرك أن الوصول إليه قد يستغرق أكثر من ساعتين بالقطار، ومع ذلك شعر بالراحة، لأنه تأكد من وجود المكان. واستقل القطار مفترضا أنه سيقوده إلى تلك المرأة وإلى ذلك المكان الغامض. كان مرتبكا بعض الشيء وصاحبه إحساس بالحرج، وقرر أن يبقى واقفا عند باب عربة القطار المغلقة المواجهة لباب العربة التي دخل منها.

وأخذ يطيل النظر عبر النافذة بعد أن سار القطار، ولم يكن بإمكانه رؤية الأشياء بوضوح لأن السماء كانت ملبدة بغيوم كثيفة، والوقت أخذ يميل إلى الغروب. وبالرغم من هذا ظل واقفا، واختار العزلة التامة كأنه أراد أن ينسلخ عن نفسه ويهرب من جلده. ثم شعر بالارتباك عندما أكتشف أنه لم يقطع تذكرة من المحطة التي انطلق منها. وعند وصول القطار عند المحطة الأخيرة، أدرك أن عليه أن يستقل قطارا آخر ليصل الى المكان الذي عينته كاترين في العنوان الذي كتبته.

عندما غادر القطار الثاني، كان الليل قد حل تماما، وراح مطر خفيف يأخذ بالهطول. وبالرغم من الظلام كان بمقدوره أن يخمّن أن المنطقة التي وصل إليها تشبه جزيرة، وخمّن أيضا أن سكانها من الأثرياء، واكتشف أن المنطقة خالية من العمارات ومن الأبنية الشاهقة. وبدت له أن الجزيرة ضاحية جميلة بمنازلها وقصورها الكبيرة المسورة بأسوار غير مرتفعة.

وقرب محطة القطار وجد حانة قديمة، وتسمر واقفا قربها لبرهة من الوقت، ثم استجمع بعضا من شجاعته وقرر احتساء قدح من البيرة قبل البحث عن كاترين. ولاحظ وهو يفتح باب الحانة أن جميع روادها من المسنين، وأثار دخوله انتباههم نظرا لبشرته السمراء وشعره المجعد الكثيف، فنظر إليهم وقرر تجاهلهم وتوجه إلى بارها طالبا قدحا من البيرة ثم أخذ رشفة واحدة من القدح ثم سأل نادل البار العجوز عن اسم الشارع الذي كتبته كاترين.

لقد وجد الشارع وما تبقى له هو الوصول إلى رقم البيت أو البناية المثبت في ورقة كاترين الشبح الغامض الذي دفعه الى مثل هذه المغامرة المجنونة. وحاول أن يطمئن نفسه قائلا، إنه على حق وإن كاترين امرأة من لحم ودم، وإن العنوان الذي بين يديه صحيح وما عليه الآن سوى السير في الشارع حتى يبلغ الرقم 20.

طلب مفتون الياسر قدحا آخر، وأخذ يتساءل مع نفسه، انه متيقن من وجود كاترين. ولكن كيف سيجدها وكيف سيتعرف عليها؟، وهو لا يتذكر ملامحها، وبالتأكيد هي الأخرى لا تعرف ملامحه ولا شخصه وقد التقى بها عابراً في مكان عام وسط جموع من البشر.

حاول ان يقنع نفسه بأنها جميلة وتستحق كل هذه المغامرة، كما استبعد ببلاهة محسودة احتمال أن تعيش مع زوج، أو صديق أو حتى مع أفراد عائلتها. وتذكر أنه عندما التقى بها كانت بصحبة تلك المرأة الشقراء التي قد تكون شقيقتها أو صديقتها، وقال في نفسه “كل هذا لا يهم وما عليك إلا البحث عنها”.

كان الشارع عبارة عن جادة عريضة، والمنازل التي تقع عند جانبيه ذات حدائق مسورة، وفي إمكانه تبيّن أرقامها، وراح يمشي وهو رافع رأسه، ثم أخذ المطر يهطل بقوة، وبين حين وآخر تنتابه غيبوبة مفكرا بتلك المرأة الشبح. وكان نباح الكلاب القادم من بعض المنازل كاف لإخراجه من تلك الغيبوبة، وتجنب المشي قرب أسوار المنازل، وأخذ يتجنب قدر الإمكان الاقتراب من جدرانها ومن أسوارها شاعراً بغربة وبوحشة حادتين بعد أن تبين له، أنه وحيد في الشارع العريض وليس ثمة أثر لإنسان آخر.

ولم يكن بمقدوره معرفة المسافة التي قطعها ولا الفترة التي استغرقتها، ومع ذلك واصل سيره، وأدرك أن الرقم 20 لا يزال بعيدا عن البلوغ، وتعين عليه مواصلة المشي في الوقت الذي أخذ فيه المطر يهطل بغزارة، وأخذ الشارع يضيق فشاهد قصرا كبيرا، وانبعثت منه أضواء حادة، فتبين من خلالها قطرات المطر وعدد من السيارات، ورأى أيضا عددا من الرجال الذين كانوا بصحبة نساءهم وهم يتوجهون إلى بوابة القصر الكبير، وخطر في باله أن يسأل أحدهم عن ما تبقى من المسافة لبلوغ الرقم 20، لكنه وجد السؤال أمراً غير مناسب في تلك اللحظة، وانتبه إلى الشارع الذي راح يضيق أكثر فأكثر.

بقي مفتون الياسر يواصل سيره حتى أخذ الشارع بالاتساع مرة ثانية، وراحت المنازل تختفي شيئا فشيئا، وفقد الشارع شيئا من جماله، ولاحظ بعض شاحنات النقل تسير ببطء في ذلك الوقت، كما شاهد محطة وقود، ولاحظ أن الأرقام أخذت تختفي من الشارع، ومع ذلك واصل مشيه متيقناً من بلوغ الرقم 20. ورغم قلقه شعر بالراحة من اختفاء نباح الكلاب، وأخذ المطر يخف، ثم برزت فجأة المنازل مرة أخرى في الشارع الذي اتسع مرة أخرى، ثم استطاع رؤية الرقم 18 شاعراً بارتياح شديد كأنه نفذ مهمة صعبة للغاية.

وعند تقاطع شارع صغير مع الجادة الواسعة برزت عمارة شاهقة من الطراز القوطي كأنها تنتمي إلى القرون الوسطى كقلعة لأمير من أمراء العصر الوسيط، وهاله حجم البوابة المصنوعة من حديد مشبك، فوجد في أعلى البوابة الضخمة الرقم 20 قد حفر بلون أسود على قطعة من المرمر الأبيض. وانتابته موجة من الغضب وهو يشاهد البناية، وتراجع إلى الخلف فزعا من المفاجأة. وقد أدرك بحدسه أن بوابة البناية لم تكن هي البوابة الرئيسية، وهي خالية من الحرس ومن الأجراس، كانت البوابة مغلقة وتوحي بوحشة السجون المهجورة، وربما قد تكون مصحا لمرضى مصابين بالجنون.

غادر مفتون الياسر الحانة المجاورة للفندق الملكي، بعد ان احتسى قدحه الثاني من البيرة متجاهلاً جوعه وهو يتوجه إلى غرفته، وقبل خلع ملابسه اتصل صديقه من الدنمارك، وأملى عليه أسماء وأرقام هواتف، ثم تمدد على السرير وغطّ في نوم عميق.

 

كاتب وشاعر عراقي مقيم في نيويورك

[email protected]