“إمرأة من ورق” قصة للكاتب الياباني تومويوكي هوشينو

تومويوكي هوشينو

سنتان مرّتا الآن منذ أصبحتُ روائياً، ولقد وجدتُ نفسي أفكر أكثر فأكثر من يا ترى يقرأُ الأشياء التي أكتبها؟ بالطبع، قد يعود هذا ببساطة إلى كون مبيعات كتبي هزيلة نسبياً، غير أنه أيضاً، قد يعود، بدرجة كبيرة، إلى تأملي في المدة الأخيرة في المعنى الأعظم الذي قد ينطوي عليه وجودُ رواية ما. ففي النهاية، ومن الناحية الإحصائية، فإنّ عدد الأشخاص الذين يقرؤون الروايات آخذٌ في التراجع، وهو جزء من التراجع العام في مبيعات الأدب، بيد أنني أعتقد أن المشكلة الحقيقية هي أن عدداً أقل من الناس يأتون على الأدب بحق كما لو كانوا يطبعون الكلمات في دواخل أجسادهم.

بينما واصلتُ احترافي الكتابة، بدأتُ أفكر فيها كنوع من الفن الذي يرتعش، كوميض حرارة، بين بهجة احتمال التحول إلى شيء آخر، وبين القنوط عند معرفة أن هذا التحول مستحيل في النهاية. يمكن للمرء القول إن كلمات الرواية تقتفي نسق الندبات التي يتركها الصراع بين هذين الشعورين؛ لذا لا يجب أن يُنظر إلى الرواية مطلقاً بوصفها تعبيراً بسيطاً عن ذات مؤلفها.

لهذا السبب، أستخدمُ رواياتي لأكتب عن أمورٍ أخرى خلافاً للكتابة عن نفسي. لكنني، مع ذلك، أدرك دوماً أن ما أبتدعه في آخر المطاف لن يكون أكثر من مجرد لوحة لتحولاتي الناقصة، وأن ما يفكّ القارئ مغاليقه وهو يقرأ رواياتي ليس سوى نفسي. وفي أثناء قيامه بذلك، سيقرأ أيضاً نفسيته الخاصة، التي بدورها عالقة في محاولتها أن تصبح شيئاً غير نفسها. إن تجربة القراءة الحقيقية تقع دوماً في المنطقة التي يتداخل فيها هذان النوعان من الوعي.

في اللحظة التي يحدثُ فيها هذا التداخل، يصبح الكاتب المحترف قارئاً محترفاً. أنا شخصياً كتبتُ عدة مقالات نقدية تتناول أعمال الآخرين، بل إنني كسبت مالاً من قراءة المسودات الأولية للكتاب الطامحين. في معظم الحالات، ما أجده في أعمالهم إنما تأكيد متغطرس على ذات الكاتب على حساب كل شيء آخر. أو، كبديل لذلك، يلفت الكاتب الانتباه على نحو مبطَّن إلى مشهد محاولته التحول، ليخلق بذلك، دون قصد، تأكيداً منحازاً على الذات الكاتبة بأية حال. لقد قيل إنه بينما انحسر عدد القراء، ازداد عدد الكتاب، وأضيف، من جهتي، أن هذا مرتبط بانتشار الاستعراض الشرس بين الكتاب. على شبكة الانترنت، وضمن ثقافة الولع، بإمكان أي كان أن يطرح نفسه على أنه أي شيء. لكن ينتابني شعور بشكل متزايد بأن لا أحد يحاول بجدية أن يصبح شيئاً آخر، أو بالأحرى، أنه لا أحد لديه أي شيء على وجه الخصوص يتطلع إلى أن يكونه، وأنه ليست لدى أحد أي فكرة حقيقية عما يريد أن يكونه. إنه لمن المستحيل بالنسبة لأي شخص لم يحاول فعلياً أن يتحول إلى شيء آخر أن يستوعب إحباط من يجد نفسه في النهاية غير قادر على ذلك. فمن لم يشعر أبداً باليأس المتأتّي من تجربة كل وسيلة ممكنة للقيام بالمستحيل، أنّى له أن يتخيل تعاسة الآخر. لذا، ما من سبب يجعلنا نعتقد أن مثل هذا الشخص قد يكتب يوماً رواية بحق.

طبعاً، لو سأله أحدهم “ماذا تريد أن تصبح؟ ” أو “ماذا تريد أن تفعل؟” قد يتلقى المرء إجابات عادية تماماً، على غرار، “أريد أن أصبح مبدعاً وأعمل لحساب نفسي،” أو “أريد أن أجد وظيفة تتيح لي أن أحافظ على حياة عائلية مستقرة،” حيث ستكون هذه الإجابات نابعة فعلياً من تفكير جدي. إلا أن هذا العزم يكشف عن تداعيه الجوهري ما إن تأخذ الأمور منحنىً سيئاً، حين تكون قناعة المرء للسعى إلى تحقيق أي هدف مضطرة لمعاندة المستحيل لكي تستمر.

يمكن القول إنّ معظم الناس لا يعيشون حياتهم بشكل كامل مقارنة بشغف إنسانة مثل امرأة الورق، التي قابلتها قبل عام ونصف العام؛ أو على الأقل يمكن القول إنهم يفوتون على أنفسهم جزءاً أساسياً من الحياة.

لقد كانت امرأة الورق واحدة من أولئك الكتّاب الذين يسعون إلى أن يصبحوا روائيين. كتبتْ حكاية فانتازية عن امرأة لا تستطيع أن تأكل سوى الورق، لتصبح في النهاية مكوَّنة من تلك المادة بالكامل، حيث حرّكتني الحكاية بما يكفي كي آخذ على عاتقي مهمة الاتصال بها وترتيب لقاء معها.

بينما كنتُ أعاين محل الشاي الذي اتفقنا على أن نلتقي فيه، عرفتها من نظرة واحدة، قائلاً لنفسي، “آه، لا بد وأن تكون هي” كانت شاحبة كما لو كانت المرأة التي في القصة وقد بُعثت إلى الحياة؛ شعرها القصير مصبوغ بلون فضي جميل. تبين بالطبع أن نظامها الغذائي لا يقتصر على الورق، فقد أتت بنهم واستمتاع على قطع الكعك المدهونة بمربى البرتقال وشاي الدارجيلنغ. “هل تقومين أحياناً برش صلصة الصويا على صفحات من الورق وتلفينها مثل طحالب البحر حول أرزّك؟” سألتُها، فأجابتني بنبرة احتقار: “أنا لستُ دودة كتب حرفياً، لا آكل الورق في الواقع. ثم مهما أكلت دودة الكتب من ورق، فإنها تظل في نهاية المطاف مجرد دودة، أليس كذلك؟ فأن تريد أن تكون ورقاً وأن تأكل ورقاً أمران مختلفان.”

“معك حق في هذه النقطة. لو كان تناول الورق سيحولك إلى ورق، فإن كل فتى صغير يريد أن يصبح لاعب كرة قدم ما عليه سوى أن يأكل لاعبي كرة قدم آخرين لكي ينجح.”

“هل أكلت الكثير من المؤلفين يا سيد هوشينو؟”

“كلا، كلا، لم أمض أي وقت أتمنى فيه أن أصبح كاتباً؛ أن أصبح رواية، ربما.”

“إذا كنت لاتزال تقول أشياء من نوع “أريد أن أصبح رواية،” أؤكد لك إذن إن الطريق أمامك لاتزال طويلة.”

“أتقولين هذا حقاً؟”

“أعني أنني كنت أفكر بأشياء كهذه عندما كنتُ ما أزال في المدرسة الابتدائية وأكتب يومياتي. أدركت أن المذكرات عبارة عن أكاذيب، وأنها مليئة بالأخطاء، لذا إذا أردت أن أكتب تفاصيل أيامي كما هي، حتى التقلبات المزاجية التي تحدث بين لحظة وأخرى، فيتعين على حياتي وكتابتي أن تتداخلا تماماً. بكلمات أخرى، يجب أن أصبح رواية.”

“لقد نضجتِ مبكراً.”

“كنتُ مجرد فتاة صغيرة تعشق الكتب. أما أنت، فتفتحت قدراتك متأخراً، أليس كذلك، يا سيد هوشينو؟”

“وما الفرق بين أن ترغب في أن تصبح ورقاً وبين أن ترغب في أن تصبح رواية؟” سألتُ بجدية أكبر.

«إذا تأملت الأمر بعمق، أعتقد أنك سترى بنفسك ما أعنيه. لكن سأجيبك على أية حال؛ ففي المدرسة الابتدائية كنتُ أشتغل على بعض الورق المعجّن، وأدركتُ أنه كان شديد الشبه بالدماغ. لعلك تعرف كيف يُصنع الورق المعجّن، أليس كذلك؟ تنقع جريدة بالماء إلى أن تتشبع به، وتغدو متعجِّنة، ومن ثم تصيف بعض الصمغ. إذاً، بعبارة أخرى، توجد داخل هذه المادة الدبقة، عدد لا يحصى من الكلمات والأحرف التي تهشّمت جميعها معاً. هذا الأمر يشبه دماغي عندما أقرأ الكتب ثم أفكّر، فأفكاري تتشكل من الكلمات المعجونة التي وضعتها في ذاكرتي والتي أعيد ترتيبها لكي أصنع منها شيئاً جديداً. فالعقول ما هي إلا ورق معجون.”

“إذاً دماغك متيبّسٌ وجامد؟”

“يجب أن أحرص فقط على ألا يكون معرضاً للهواء. على أية حال، بدأتُ أنظر إلى نفسي بأنني مصنوعة من الورق المعجون، الأمر الذي أعطاني قدرة أفضل على أن أفهم الشعور بأن تكون ورقة.”

“إن مثل هذا التشبيه أمرٌ مألوف لدى الفتيات الصغيرات.”

“هذا ليس تشبيهاً. ركِّز معي. ما أدركته هو أن الشعور بعدم وجود مشاعر، هو ما كان عليه إحساسي بأن أكون ورقاً. بمعنى آخر، كنتُ منجذبة إلى الورق، لكن الورق بحد ذاته، على سخافة ما قد يبدو عليه الأمر، لا ذات داخلية له، وجلّ ما يستطيع فعله هو امتصاص الأحرف والكلمات في داخله دون أن يعطيها معانٍ؛ هنا أدركت بأن هذا ما أردت أن أكونه. كما أدركتُ في الوقت ذاته أنه كلما ازدادت رغبتي في أن أصبح ورقاً، ابتعدتُ أكثر عن أن أكون كذلك، الأمر الذي جعلني تعيسة”.

“ألهذا كتبتِ تلك القصّة؟”

كانت بطلة الحكاية الصغيرة لا تسطيع أن تأكل سوى الورق، الأمر الذي جعل معدتها تتألم، وجعلها شاحبة وهزيلة. ذات يوم، ذهبت إلى المدرسة، وبالكاد لحظها أحد، واستوقفها على حين غرة انعكاس مظهرها الجانبي الذي لمحته من طرف عينها في نافذة. كانت غير مرئية تقريباً من الجانب، نحيلة كورقة. بدأت تقلق من أنها كانت ورقة أكثر منها فتاة.

“هل سبق وأن فكرتَ كثيراً بحوريات البحر، يا سيد هوشينو؟”

“حسناً، إلى حد ما. ثمة جزء مني لطالما كان مغرماً بالسمك. حتى أنني كتبت قصة عنوانها “أسطورة حورية البحر” عندما كنتُ في المدرسة الابتدائية.”

“يجب أن تنشرها يوماً ما! لقد مررتُ أنا نفسي بمرحلة فتاة حورية البحر، وإن كان ذلك – في حالتي – في الثانوية. كان حبيبي آنذاك لديه ما يمكنك أن تسميه “ولع بالحوريات” إلى حد أن الجميع كانوا يلقبونه بـ’حوري البحر‘ في واقع الأمر، وكان دائماً يقول لي إنني أصلح لأن أكون حورية جيدة. يبدو الأمر مثل نكته عندما أتحدث عنه الآن، لكنني في ذلك الوقت فعلتُ كل تلك الأشياء لأرضيه، إذ أطلتُ شعري إلى أن وصل إلى وركي، كما ارتديتُ صدرية مصنوعة من أصداف المحار، وصنعتُ لنفسي ذيلاً لماعاً من الزعانف. كنتُ أدعو حوري البحر إلى البيت في غياب والدي، وأنتظره على السرير وأنا بهذا المظهر”.

“لعبة تنكرية، هاه؟ ألديك أية صور”؟

“لا سمح الله”.

“أنت محقة، تصلح لأن تكون قصة مضحكة، لكنك تستطيعين أيضاً أن تشعري بالتعاسة الخاصة التي تنطوي عليها أسطورة الحورية. ما الذي يجعلهن جذابات ومؤثرات جداً إلى درجة التأمّل؟”

«إنها الاستحالة. لكنها برأيي مسألة تتعلق بالجنسانية أيضاً. فهذه الأيام يوجد كل أنواع البشر الذي لا يُعدَّون رجلاً ولا امرأة، أو أنهم مختلطون عرقياً، ويبدو أن التفكير في اختلاط البشر مع الحيوانات لن يشكّل قفزة كبيرة، ولا حتى اختلاط البشر مع النباتات والأشجار. نستطيع أن نتخيل هذه الأشياء بدقة بسبب الزمن الذي نعيش فيه. إن حوريات البحر ببساطة كائنات سابقة لأوانها. وهذا ما يجعل أساهنّ محسوساً بدرجة أكبر.”

“أعتقد أنني فهمتُ. فأنتِ تريدين أن تصبحي طفلة مهجّنة من البشر والورق”.

“بالفعل. حسناً، ليس للورق دمٌ، لذا لا أستطيع فعلياً أن أمتزج معه بتلك الطريقة. أخالني أريدُ أن أتمازج معه على مستوى أعمق من الدم.”

«إذاً، على مستوى روحي؟ وإن كان لا يوجد للورق فعلياً “روحٌ” أيضاً، لذا…”

“إنه أمر صعب، أليس كذلك؟ ما معنى أن تكون ورقاً؟ ثمة أشياء كثيرة لا يزال يتعين عليّ أن أتعلمها.

بعدها ببضعة أيام، بدأنا نعيش معاً، وبعد أربعة أشهر من ذلك تزوجنا. أسميتها ورق. وبالفعل أصبحت هي لعبتي الورقية.

لم يكن الأمر كما لو كنتُ زوجت نفسي بالمعنى الحرفي إلى ورق طبعاً، لكنني كنتُ سعيداً مع ذلك. تأقلمت ورق مع شخصيّتي بسرعة تكاد تكون مخيفة، وسرعان ما أصبحت تشبهني بالكامل تقريباً. لم يكن الأمر مجرد استساغة الأطعمة أو حب الموسيقى أو الأماكن ذاتها. لقد بدأت تشبهني بكل الطرق، فتشعر بالجوع في الوقت ذاته الذي أشعر أنا فيه بالجوع، وتشعر بالضيق من الأشياء ذاتها وبالطريقة ذاتها، وتستخدم الكلمات والعبارات ذاتها التي أستخدمها عندما نناقش فيلماً رأيناه للتو. وعندما أعبِّر عن سعادتي بهذا الأمر، كانت تجيبني بسعادة: “لا تزال ثمة صفحات بيضاء كثيرة في داخلي”!

والحقّ أنني كنتُ سعيداً ومرتاحاً. لكنني خشيتُ أن أكون الوحيد الذي شعر بذلك. هل كانت ورق قادرة على أن تعرف أنني في قرارة نفسي لم أشعر حقاً أنها ورق، وهل جعلها ذلك حزينة؟ وهل كانت على وشك الانزلاق في دوامة من الاكتئاب بسبب ذلك الشعور، ذلك أن الإحساس بالتعاسة كان بحد ذاته ببساطة دليل أوضح على أنها لم تكن ورقاً في الحقيقة؟

لذلك بذلتُ كل جهد ممكن كي أعامل ورق على أنها ورق حقيقي. ولقد استوحيت فكرة لعبة إيروتيكية يمكن أن نلعبها سوياً من فيلم بريطاني كنتُ قد شاهدته. أطلقنا عليها اسم “لعبة هويتشي الذي ليس لديه أُذنان .” كنتُ أستخدم تشكيلةً متنوعة من الأقلام والفراشي لأكتب قصصاً على كل أنحاء بشرة ورق. في البداية، كان هذا يدغدغها، لكن ما سرعان ما كان جسد ورق الشاحب يحمر ويتعرّق، وأنفاسها تتقطع.

كانت تعلوها القشعريرة، وكانت تتأوّه بصوت أجش، ومن وقت لآخر، تفتح عينيها وتراقب يدي تتحرك عليها، بالارتعاشة تسري فيها. عندما كنت أوقف يدي لأقرأ ما كتبته بصوت عالٍ، تكون المشاعر قد غمرتها مجدداً، ويكون جسدها يتقلب وينحني، وقد تملكتها إثارة من نوع جديد. لم يكن ثمة داعٍ لكي أجعلها بلا أذنين مثل هويتشي الحقيقي، لهذا، استخدمتُ قلماً برأس دقيق لكي أنقش على شحمتي الأذنين والسطع الداخلي المحدب لهما. وكانت حساسة بشكل خاص هناك، وبدا أنها كانت تنتشي تحت قلمي.

وأنا أيضاً كنت تغمرني متعة غير عادية بينما كنتُ أكتب. كانت الحرارة المتصاعدة من جسد ورق، وعطر عرقها وسوائل أخرى، وأصوات تأوهاتها، تحرضني، فكنت أكتب وأكتب وأكتب. كان جسدي كله يفيض حرارةً إذ تكتنفه المتعة اللاذعة، وغدت أعصابي حساسة للغاية لدرجة أنني لم أعد أحتمل ارتداء الملابس. في الوقت نفسه، شعرتُ بوضوح داخلي جعلني أشعر بأنني لم أكن رجلاً واحداً بل عشرة. هل كان هذا شعور القادر على كل شيء؟ كانت الكتابة تجعلني جباراً.

كنا ننهي اللعبة عندما أنتهي من الكتابة، أو عندما لا أجد فراغاً في جسدها، أو حين يبلغ التعب بأحدنا مبلغاً لا يعود معه قادراً على الاستمرار. وهنا، كنت أعاقب “ورق”. لو كنتِ ورقا حقاً، لما شعرتِ بشيء، لكنتِ تمددتِ هناك وحسب وسمحتِ لنفسك أن يُكتب فوقها. أنتِ امرأة ورقية مزيفة. لا تستحقين أن يُكتَب عليكِ. سوف أمحو كل شيء. فأغطسها، وأنا أوبخها على هذا النحو، في البانيو وأغسل جسدها حتى ينظف. ودائماً ما كانت ورق تبكي حينها، بحرقة، ويأس، مغمغمةً برغبتها في أن يوشم عليها.

من المدهش أن ورق كانت تتذكر تماماً الأشياء التي كنتُ أكتبها على جسدها. وعندما أقول “تماماً،” أعني حتى الأحرف عينها التي اخترتها. كانت تدعي أنها تتذكرها من خلال جِلدها، قائلة إن الشعور بالقلم وهو يتحرك على جسدها كان يعاودها أحياناً، وعلى الرغم من أنها قاومته، فإنها كانت تشعر بالمتعة إذ ينتابها. وهكذا، كنتُ أطبع ما أخبرتني بأنني كتبته عليها على الكمبيوتر. وما لبثت أن أصبحت “لعبة هويتشي الذي لا يمللك أذنان “ خاصتنا الطريقة التي كنت أكتب بها كل شيء. أصبحت غير قادرٍ على أن أكتب أي شيء دون أن تكون ورق تحته. كتبتُ قصصي خلال هذه الفترة كما لو كنتُ أرسمها. ويمكنكم القول إن ورق كانت ملهمتي بهذا المعنى.

وبدأت مأساتنا، كما يحصل عادة في مثل هذه الأمور، مع حمل ورق. كنا نمارس الجنس دون أن نأخذ احتياطاتنا حتى قبل زواجنا. لذا بالكاد شكّل الأمر مفاجأة عندما تلقينا الخبر بعد الزفاف بثمانية أشهر، ومع ذلك، باتت ورق منطوية على نفسها، تتنهد بينها وبين نفسها بينما تتأمل الشمس الغاربة من الشرفة. حاولت تهدئتها في البدء، قائلاً أشياء مثل، “من الطبيعي أن تصبح ورق حبلى،” أو، “طفل من ورق قد يكون ’ورق‘ هو الآخر،” لكن ورق كانت تنظر إلي وتقول: “ليس هذا ما يقلني،” رافضة مواساتي لها.

“أنتَ تعلم أنني لا أريد أن أتخذ مظهر الورق حرفياً. لا تحدثني كما لو كنت طفلة.”

“آسف. أعتقد أنني بالغت في تقدير كم أصبحنا متشابهين، معتقداً أننا اندمجنا تماماً، جسداً وروحاً. يبدو أنني أهملت محاولاتي في التقرب منك أكثر.”

“لا تقل مثل هذه الأشياء. تجعلني أرغب بالموت. إنها أنا التي فقدت القدرة على أن تصبح أنتَ.”

“ما الذي تقولينه؟ إن قدرتك تكاد تكون خارقة للطبيعة!”

“لكنني أفهم الآن. فقدتُ قدرتي على التحول إلى أشياء. فأصبحت حبلى. أن تصبح أماً شبيه بأن تصبح كاتباً. لم يعد بإمكاني أن أتقبل كلمات الآخرين وحسب، عليّ الآن أن أنتج كلماتي الخاصة. إن عهدي كورق قد انتهى”.

فهمتُ تعاسة ورق. كان الأمر شبيهاً بالرعب الذي تربص بي ككاتب. فالواحد منا يقايض نفسه في مقابل القدرة على الكتابة. إنه الخيار الذي يتخذه في اللحظة التي يقرر فيها أن يصبح كاتباً. أو ليس كاتباً فقط. إن اتخاذ مكان في العالم يقتضي من الجميع خياراً كهذا؛ لا أحد معفي.

“إذا كان هذا هو شعورك حقاً إزاء كونك حاملاً، لعله من الأفضل أن تجري عملية إجهاض. سوف أشفق على الطفل.”

“لا أستطيع أن أفعل ذلك. لقد اتخذت قراراً بأن أقبل أي شيء، أن أصبح هجيناً روحياً وجسدياً، بالمعنى التام، لذا لا أستطيع أن أقرر أن أطرد شيئاً مني كما لو كنت أطهرُّ دمي. فلسنا في موقع كي نقرر من يستحق الشفقة.

“إن الأمر يعود لك يا تومويوكي كي تنقذيني.”

“أريد أن أصبح أكثر شبهاً بالورق أيضاً، مثلك تماماً.”

انتهى المطاف بورق أنها أحبّت الفتى الصغير الذي أنجبته وربته. لم تحاول أن تجعل منه ورقاً بالطبع، وأعطيناه اسماً طبيعياً بما يكفي، كازويوشي، عبر عكس أحرف هويتشي. ساعدتها في تربيته أيضاً، طبعاً، وعندما كان ينام كنت أستخدم ورق كالورق كالعادة، مداعباً إياها بقلمي، راسماً رسمات ومواصلاً كتابة المخطوطات على جسدها، قارئاً لها قصصها المفضلة بينما كانت تغمض عينيها لترتاح. ولكي أصبح أنا نفسي أكثر شبهاً بورق، أو، لأكون أكثر دقة، لكي أصبح أكثر مثل ورق في الوقت الذي كانت هي نفسها تحاول فيه أن تصبح أكثر شبهاً بالورق، بدأتُ أقرأ أكثر بكثير من السابق. قرأتُ كل الكتب التي قالت لي ورق إنها قرأتها، واحداً تلو الآخر. حاولت أن أخمن ما الذي كانت تفكر فيه عندما كانت تحدق بشرود في الفضاء، مستخدماً كل المعلومات التي جمعتها عنها، محاولاً أن أنسخ أفكارها حرفياً. وكلما نجحتُ في التعبير عن مشاعر ورق على نحو أفضل منها، أو مدّها بالكلمة الدقيقة التي كانت تبحث عنها، كانت تبتسم مثل زهرة اصطناعية تُزهر تحت الماء. أحببت ابتسامتها هذه أكثر من أي شيء آخر.

ومع ذلك، فإن الفراغ داخل ورق لم يمتلئ أبداً، فقد امتدتّ حوافه أوسع فأوسع، ووجدتُ نفسي غير قادر على المجاراة. علمت ورق كازويوشي بعض الكلمات، ومع أنه لم يكن قادراً على الكلام بعد، كان يستطيع التعرف عليهم والإشارة إليهم بإصبعه، لكن بينما كانت تحدق في طفلها وهو يحاول أن يصدر صوتاً، كان تعبيرها يكفهر، وكانت بشرة وجهها تتصلب، وكان يبدو أنها ستقع في تلك الحفرة العميقة في داخلها التي لم تكن قادرة على الزحف منها. ربما بسبب تأثره بأمه، كانت قدرة كازويوشي على حفظ الكلمات مذهلة. غير أن هذا الأمر بدا كما لو كان يزيد، ولو بشكل بسيط، من حزن ورق. عندما استفسرت عن الأمر، قالت لي ورق إنه في مواجهة عبقرية ابنها، فإن البياض اللامع للصفحات الفارغة في ذاكرتها يخبو ويبدو كدراً. “إن صفحاتي تتمزق،” كانت تتحسر باكية.

“لكن ألا تفوق الصفحات المليئة بالكتابة عدد الصفحات التي تتمزق؟”

“وما الجدوى من ذلك؟ ما جدوى أي كتاب بصفحات ناقصة؟”

“الورق يَبلى. من الخطأ أن تعتقدي أنك تستطيعين أن تحافظي على جِدَّته إلى الأبد.”

“لكنني أريد أن اكون أرشيفاً مثالياً. لأجل كازويوشي.”

“مكتبة لكل شيء؟ كتب مؤلف مشهور ذات مرة قائلاً إنه عليك أن تصبح العالم كله لتكون أرشيفاً مثالياً.”

“أعرف هذا. انظر إلى من تتحدث، أنا المرأة التي قالت لك إنه كي تدون مذكرات مثالية عليها أن تصبح هي نفسها مذكرات.”

“لكن الإنسان لا يستطيع أن يصبح عالَماً. فالإنسان لا يستطيع أن يكون أكثر من مجرد جزء من عالم.”

“لقد غدوتَ كائناً مهاناً، أليس كذلك؟ لا أعتقد أنك تستطيع أن تصبح أكثر انكساراً مما أنت عليه الآن!”

“ أنا مجرّد رجل عادي. لهذا أستطيع أن أفهم ألمك بسبب عدم قدرتك على أن تصبحي ورقاً بحق، أليس كذلك؟ إن الأمر لا يقتصر عليك فقط يا ورق، فأي شخص قد يشعر على هذا النحو، حيث يقع في قبضة الحسرة والحزن بسبب احتمال عدم قدرته أبداً على فهم مشاعر إنسان آخر بالكامل. كرجل عادي، بإمكاني أن أرغب في أن أفهمك قدر استطاعتي، أن أصبح أنت بقدر ما أستطيع، ومع ذلك لا أستطيع أن أتفادى الوصول إلى الحد الأقصى لقدرتي على القيام بذلك. لكن، أليس الوصول إلى هذا الحد يعدّ مرضياً بما فيه الكفاية؟”

“لم يكن مهماً من هو؛ سواء أكان حوري البحر، أم أي إنسان آخر: كل ما أردته هو أن أفهم كل شيء عليّ أن أفهمه عن الناس المهمين بالنسبة إليّ. أريد أن أفهم “الأنتَ” التي حتى أنت نفسك لا تفهمها. أستخدم الكلمات لكي أستوعب الأشياء في داخلي. لو كان باستطاعتي أن أصبح ورقاً بحق، أو كتاباً بحق، لاستطعتُ أن أستوعب كل الناس الذين يعنوني في داخلي. لكنني لا أستطيع أن أصبح ذلك النوع من الورق، لذا لا توجد طريقة أستطيع من خلالها أن أصبح أنتَ بالشكل الذي أريده أنا. ولا أحتمل أن أكون نموذجاً ناقصاً بهذا الشكل لكازويوشي. وجودي بحّ ذاته فقد معناه.”

“مازلتُ بحاجة إليكِ، يا ورق. أنت الشيء الوحيد الذي يسمح لي بالكتابة. أستطيع فقط أن أتواصل مع الأشياء خارج ذاتي عبر الكتابة. أنا رجل محدود وعادي، لذا، مازلت بحاجة إلى الكلمات للقيام بهذا، وإلى ورق.

أصبح إقناع ورق بالاستمرار مهمة يومية. كل وقتي وطاقتي استُنزفا في رعاية الطفل وتهدئة مشاعر ورق، لذا لم يتبقَ لدي ما أكرِّسه في تمسيد جسد ورق بكلماتي. بدورها، فهمت ورق توقف حركة قلمي فوق جلدها بأن جدواها حتى في هذا المجال انتهت، مما أجّج غضبها. لذا ضغطتُ على نفسي كي أكتب شيئاُ ما، أي شيء، على جسد ورق على الأقل مرة كل يومين، مهما كنتُ منهكاً. لكن، بينما كنتُ أخطّ تلك المقاربات الباهتة للجمل التي كانت فيما مضى تتدفق عليها، كانت ورق تشعر بالفرق على جلدها وكان تعبيرها يغتم. أخيراً، كان التعب قد نال مني، ليجعلني غير قادر على إنتاج كلمات أخرى على الإطلاق. في النهاية، كان مجرد مظهر جلد ورق المتعب والباهت يملؤني بالكدر.

من جانبها، كانت ورق تزداد هزالاً بشكل واضح. حتى أن شعرها ابيضّ دون أن تبيِّضه هي، وكان يتساقط كالعُشب الذابل إذا ما سُرّحَ بشدّة. كذلك اختفت شهيتها، ولم تعد تشبه شيئاً سوى مجموعة من العظام والجلد الجاف. اكتسى لسانها بالطحالب، واتسعت عيناها على الدوام في رعب بادٍ، كما كانت نظرتها ثابتة. حصل هذا التغيير الجذري بسرعة شديدة حتى إنه لم يكن لدي وقت كي يحزنني الأمر.

كان ذلك منذ شهر تقريباً عندما بدأت تتدفق كلمات غريبة من فم ورق. كان يجب أن أنتبه أكثر حينها. فقد كنت أوجه كل طاقتي في الكتابة على “البرشمان البشري” لورق، عندما تمتمت هي فجأة الماء حتمًا يتدفق حتماً حشرة. وعلى الرغم من أنها كانت أحياناً تتأوه أو تصدر أصواتاً أخرى خلال جلساتنا الكتابية، فإننا لم نتحاور أبداً، لذلك استوقفني هذا فجأة. وإذ مررت أصابعها فوق ثنايا جلدها حول حوضها، واصلت، متمتمة، yo e ro sun، مجرّد مقاطع لفظية لا معنى لها. “ما الأمر؟” سألتُ، فأجابت، “أرى حروفاً، حروفاً بجانب تلك التي كتبتها أنت.” ومن ثم بدأت تشير إلى الكلمات التي كتبتها للتو عليها. “انظر، أنت كتبت جذر كلمة الماء، هنا، وكلمة “مؤكد”، هنا. إذا جمعتهما سوف تحصل على أحرف كلمة “يتدفق”. وتحت ذاك انظر، اجمع حرف الياء، مع كلمة “مؤكد”، زائد “حشرة” وستحصل على كلمة “عسل”! وهنا، بمحاذاة الغضن الأيسر للمغبن [المنطقة بين البطن والفخذ] تتحد هذه الأشكال لتشكل كلمة “تحري”! لكن كل الذي >رأيته في الأماكن التي أشارت إليها عددٌ كبير من التجاعيد. وفي كل مرة كانت تتحرك فيها، كانت هذه التجاعيد تتنقل، وبدا أنها كانت تشكل كلمات جديدة كي تقرأها. كانت تتمتم، Wa ki shi niche yon mata na sai، مفككة أحرف كلمة “ثرثارة” التي كنت كتبتها للتو، فلم أعد أحتمل الأمر. تملكّني اليأس. تناولت من خزانتي قناعاً للنوم كان قد قُدِّم إلى على متن طائرة، ووضعته على عيني ورق، كما ألبستها ملابس كشفت أقل قدر ممكن من جلدها.

كان ذلك في تلك الفترة تقريباً، عندما بدأتُ أفكر جدياً في أن أوشم ورق. اعتقدتُ أنه إذا كانت الكلمات مثبَّتة على جلدها وذات معنى، فلن تعلق في فوضى تشكيل الأحرف، وقد يصبح عقلها أكثر تنظيماً كذلك. قررت أن أكتب ترجمة لدون كيخوته، وهو كتاب كلانا كنا نقدّره أكثر من الكتب الأخرى، في أصغر طبعة ممكنة، والعثور على فنان وشم جيد ليكمل خطتي.

لكن الأوان كان قد فات. في أحد الأيام، كانت ورق غافية تحت أشعة الشمس على أرضية غرفة المعيشة، تخدش بشرود جلدها الذي يكاد يعاني من الأكزيما، عندما أخبرتني فجأة: “أظن أنني أخيراً أكملت تحولي إلى ورق.” ومنذ ذلك الحين، بات ممنوعاً علي الكتابة عليها، أو لمس جلدها، أو حتى دخول غرفتها. خارج الأوقات التي احتاجت فيها أن تعتني بالحد الأدنى من حاجات جسدها، ظلت ورق متقوقعة على نفسها في غرفتها، تحمل كازويوشي بين ذراعيها، وتقرأ له من كتب كانت هي وحدها تراها. اضطررت، باكياً، في النهاية إلى أن أستعين بفنان الوشم كي نربط ورق وهي عارية إلى السرير، ونرغمها على ابتلاع حبوب منومة، لنتمكن أخيراً من وشم دون كيخوته عليها، بدءاً بالفصل الأول.

ظلت ورق مطيعة خلال عملية الوشم حتى بعد أن أفاقت. وعلى الرغم من أنها كانت أحياناً تئن من الوجع، فإنها كانت أيضاً تقرأ بينما كانت الكلمات توشَم على جسدها، وهي تضحك على غرابة الأحرف. كانت هذه الخطوة الأخيرة في الرحلة التي قامت بها ورق لتتواصل مع العالم عن طريق الكتب فقط. وعلى الرغم من أن شغفي لم يرتقِ إلى مستوى شغف ورق، فإنني عانقت مع ذلك رغبةً شبيهة برغبتها ككاتب، لذا قطعت عهداً على نفسي أن أصب أكبر قدر ممكن من طاقتي على نقراتي المستقبلية على كمبيوتري كما تكرس ورق حالياً إلى جسدها.

أرادت ورق أن يكون جسدها كله مغطى، لكني قررتُ أن أترك وجهها خالٍ، قائلاً لها إن بإمكانها دوماً أن تملأه لاحقاً. كلمات “دون كيخوته: العبقري النبيل دون كيخوتي دي لا مانتشا” امتدت أسفل عمودها الفقري. “فلنقارن عمودينا الفقريين!” قالت ورق بابتهاج، فأوقفناها في صف مع الترجمة الجديدة لدون كيخوتة الصادرة للتو عن دار نشر إيوانامي والتقطنا صورة. بالطبع، لم نتمكن من كتابة كل شيء على جسدها، لكنني طمأنتها بأننا سنحاول أن نكتب عليها أكثر في المستقبل.

لقد غطت الأحرف المحبّرة بزرقة داكنة جسد ورق مثل سرب من الحشرات الصغيرة. وكان جسدها يبدو حين تقف براحتيها منبسطتين، ويديها ممددتين باتساع، مثل شجرة الجاكرندا في كامل إزهارها، حيث كان الأزرق الغامق كأنه يضيء. مأخوذا بالمشهد، قبلتُ أسطر النص التي خطّطت جلدها. مررتُ لساني فوقها وكأنني أستخدمه للقراءة. فتبدت القشعريرة كما كانت تتبدّى حين بدأنا نعيش معاً، وتنهدت بثقل. شعرتُ بالرضى، كما لو أنني أصبحت بطريقة ما مثل ورق فيما أكملت هي هذه الخطوة الأخيرة في تحولها. “أنا ورق!” صرخت ورق مبتهجة. هززتُ رأسي موافقاً.

في اليوم التالي، توجهتُ إلى العيادة تحت طلب ورق، مصطحباً كازويوشي ليأخذ اللقاح ضد شلل الأطفال. قمت أيضاً ببعض التسوق، لأعود إلى المنزل بعد نحو أربع ساعات. ما إن فتحتُ الباب، حتى عرفت أن شيئاً ما لم يكن على ما يرام. استقبلتني رائحة البترول النفاذة. توهج جسد ورق، الواقف في غرفة المعيشة والذي انعكس ظله في الضوء، بالزرقة. قبل أن أقول كلمة واحدة، أشعلت ورق كبريتة وولّعت شعرها المنقوع بالبنزين. وبأسرع من طرفة العين، طوقت ألسنة اللهب رأسها وارتفعت باتجاه السقف. قفزت النار أمامي أيضاً، حتى عندما بدأتُ أركض باتجاهها. نشرت ورق ألسنة لهبها إلى الأشياء المنقوعة بالبنزين من حولها. كل ما استطعتُ القيام به هو أن أمسك كازيوشي قريباً مني، متراجعاً بينما فيما كنتُ أصرخ على بارتباك في النار. بدأ كازيوشي بالصراخ أيضاً، كما لو كان يحترق هو أيضاً. صرخ صوت ورق، “أخيراً! أنا سعيدة للغاية! وأخيراً، أنا ورق حقاً – انظر إليّ أحترق!” نظرت، وأنا أنفض الجمرات بعيداً عني، بينما كانت الكتابة السوداء – الزرقاء تذوب في الزيوت التي كانت تبقبق من جلده، متحولةً إلى ألسنة لهب ودخان. “لا، لا، هذا خطأ!” نشجتُ نائحاً. أنتِ مخطئة، لا يوجد ورق، ولا كلمات في حالة مثالية، صافية وبعيدة عن العيون البشرية، مثل هذا الورق ليس ورقاً أبداً، لديكِ أنا، لديكِ كازويوشي، نستطيع أن نقرأك، نستطيع أن نكتب عليكِ، لا يزال باستطاعتنا أن نعطيك معنىً، أنت تعلمين أن وعد الخلود كاذب. لكن كلماتي لم تصل ورق. انهارت في اللهب واحترقت بينما كنتُ أشاهدها. وفي محاولة للهرب من النار المنتشرة، ركضت أخيراً خارج الباب، لأسلّم نفسي وكازويوشي إلى حضن رجال الإطفاء ذوي البدلات الفضية المندفعين نحو المشهد.

لم أكتب كلمة منذ ذلك الحين. احترق معنى كتابتي مع ورق. كما لو كنتُ أقتفي الأنساق في رمادها، كنتُ أبدأ بهذه القصة أو تلك، لكن الأمر كان مؤلماً جداً – فكل كلمة كانت كأنها تنتزع من جلدي. ومع ذلك، لم تتبقَ لي أي طريقة للكتابة.

علّمني غياب ورق أن الروايات لا معنى لها فعلياً، وأن معناها لطالما كان وهمياً. لم يبقَ أحد يشتهي الكلمات مثلها، ويريد أن يستوعبها بالكامل، وأن تُقرأ هي نفسها بالمقابل. ولقد أرادت مني أن أفعل الشيء ذاته لها، أن أستوعبها وأدعها تقرأ نفسها عنّي. تجاوبت بأفضل ما استطعت، رغم عيوبي. لكنني كنتُ كل ما لديها. أرادت جداً أن ترتبط بأكثر من ذلك، لكن أنا فقط هو من قام بتلك المحاولة. وكان الأمر أكثر من طاقتي على الاحتمال. والآن، جل ما تبقى لي هو فم مليء بالحسرة. هذه الكلمات الوحيدة تؤلمني أكثر مما أستطيع قوله.

 

ترجمة عن الانكليزية د. سارة ح. عبد الحليم

 

غلاف العدد رقم 5 كيكا

تومويوكي هوشينو، Tomouki Hoshino من مواليد لوس انجليس عام 1965. عاد مع اسرته الى اليابان قبل بلوغ عامه الثالث وعاش في منطقة طوكيو-يوكوهاما. نال شهادة في الادب من جامعة واسادا عام 1988 عمل بعدها لمدة سنتين كصحافي في صحيفة سانكاي المحافظة غادر بعدها اليابان ليدرس في المكسيك عامي 1991-92 حيث نال على منحة من الحكومة المكسيكية ليتابع دراسته هناك. درس هوشينو في المكسيك حتى عام 1995 وعمل بعدها ما بين عامي 1996-2000في ترجمة عناوين افلام اسبانية ومن اميركا اللاتينية. ظهرت روايته الاولى “الشهقة الاخيرة” عام 1997 ونالت جائزة بنغاي. ونالت روايته الثانية (2000) جائزة ميشيما. نال عام 2003 جائزة نوما بنغاي عن كتابه “فانتاسيستا” وهو مجموعة من ثلاث روايات قصيرة. من رواياته الاخرى “نابورييا” (1999)، “قاتل القلوب الفارغة (2004)، “حكاية قوس القزح وكلوي” (2006)، “نحن القطط الصغيرة” (2006)، “غرفة فحص النباتات”(2007)و”سويزوكو”(2009). علم هوشينو مادة الكتابة البداعية في جامعة واسيدا ما بين عامي 2004-2007.

 

د. سارة ح. عبد الحليم، مترجمة من فلسطين، تترجم عن الإنجليزية والإسبانية. درست في جامعة أوكسفورد، بريطانيا.

هذا النص نشر في العدد الخامس من مجلة كيكا للأدب العالمي، المخصص للأدب الياباني. نعيد نشره هنا بالاتفاق،