“إيَّاكَ أن تَستهلكَ الأوكسجين للنهيق” قصيدة للشاعر العراقي عدنان عادل

عدنان عادل

لاضير في ذلك،

أن أنظر إليها من نافذتي

وأن تنظر إليَّ من نافذتها.

كلانا ننفث الدخان بشراهة المَدخَنة

كلانا نحاول أن نشكّل من الدخان ما فقدناه

وما كنا نتوق له ونشتهي لمسه.

هكذا تُسَيّر الأمور في هذه الأيام، لاضير في ذلك

فلا تديرين وجهكِ،

هكذا تَسير الأحاسيس في هذا الكوكب، عبر هذا الفضاء،

عبر هذه النوافذ المموهة:

مَلاذات آمنة نحو الحرية المُتَنَكِّرة

لكل سجين ولكل من له رغبة في التحرر من مكائد نفسه.

*

فاضحةُ الأسرار هي النوافذ

لِمَن كان شاهداً على ما يجري

ولِمَن يجيد رسم الأبجدية في الفضاء المهيمن بين الجسدين.

هي ثقب يطلّ على براءات تُقترف كجريمة رومانسية ساذجة.

إيَّاكَ أن تتفرج منها للتسلية أو لاستنشاق الهواء،

إيَّاكَ أن تَستهلكَ الأوكسجين للنهيق

والريح، الحامل بالأجنّة المشوهة،

تكاد تَختنق في الهواء الطلق.

تأكد أن ما يجري الآن سوف يُعاد لاحقاً

تحت مظاهر أكثر قرفاً وأشدّ رونقاً.

*

مُقلِقٌ كل ما يشغل الفضاء بيننا:

بِركة، أعقاب سجائر، قارب ورقي، كائنات ممسوخة،

حبل غسيل، صبّاغ، حذاء، أنسة نَفساء،

مولود مُباغِت، طائرة ورقية، مُهَرِّب خارج المتن، نملة،

كولونيل، سُلَّم، فزّاعة، بومة مبلّلة، مطر، مَدخَنة،

نعيق غراب، شرشف بثقوب، قصيدة، غرقى…

كل ما يشغل بيننا مُقلِقٌ

سوى أبي النائم بسيجارة تحدَّبَ رمادها بين إصبعيه.

*

بيننا بِركة بأعقاب السجائر الطافية

تحت ظلال قارب ورقي على وشك الغرق،

تتصارع لاعتلائه

كائنات ممسوخة تتراشق:

بالقيئ.

بالحليب الفاسد.

بالشتائم.

*

بيننا حبل الغسيل:

الثياب المنسية لأندريه العجوز

الذي شاخ اليوم بضربة عصا سحرية: جواربه الملونة

وقلبه الوحيد.

بيننا الصَّبّاغ المُبَقّع وبدلته البيضاء المُنَقّعة معلقان بالمقلوب

وفردة حذاء معلق من لسانه الطويل تتبندل

كحال أي فيلسوف زنديق أمام الأحداق الطامعة بالحياة الآخرة.

*

بيننا الأنسة النَفساء ذات الخمسة عشر ربيعاً

على الشرفة تُطيّر مولودها المُباغِت من حبله السري.

تبتهل، مولية وجهها شّطر الشرق،

لعودة عشيقها الذي غاب في ظروف غامضة بين طيّات المصحف الشريف.

انقطع الحبل أخيراً بمشيئة قادر،

تَوارَى المولود بين سُحب الأوطان المتناثرة

كما غابت الأنسة على متن طائرة ورقية لابن جارتها المُهَرِّب،

مُغنّي الراب، حافظ سورة النساء بنسختها الفرنسية،

تلبية لنداء جهاد طارئ في سبيل النكاح

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

*

بيننا نملة

تحمل مِظلّة من القشّ

منذ سقوط الأرض على يد الكولونيل كوفيد-19.

بين حين وآخر تلتفت، تلقي نظرة

على تلاطم جثث أعقاب السجائر وهي تُقذف بأمواج البِركة في البعيد،

ثم تتابع الصعود.

صعود السُلَّم المعدني المتكئ على الحائط منذ الجائحة،

سُلَّم الصَّبّاغ العاطل عن ممارسة الحُبّ وبيع الماريوانا

منذ سقوط الأرض على يد الكولونيل كوفيد-19.

*

بيننا فزّاعة

ببالون مربوط على الرسغ

تتأهب للسير على حبل الغسيل.

على الحبل تسير الفزّاعة وتكتب قصيدة

تُبعد بها العصافير الدائرة حول رأسها المنفوش:

بريش الكلمات البرية

بالخرق

وبكوابيس لطيفة.

ينفجر البالون

تسقط الفزّاعة

تعيش القصيدة بيننا، وبها نحيا.

*

بيننا كوّة ورأس بومة،

بومة مبلّلة تخشى العولَمة

توزع نظرات الشكّ لكلينا وللسماء.

غرابٌ هَجَرَ نعيقه بيننا تحت المطر وفرّ هارباً.

*

بيننا شرشفٌ مَنسيّ على الشرفة

مزخرف بثقوب جمرات سيجارة أبي النائم فوق سطح القرميد الأحمر

مستنداً إلى مرفقه جنب عمود المَدخَنة،

خنصره مطبقة على عينه اليسرى كما العادة لديه

وباليمنى يتابع ماضيه من دون خشية أو انفعال

في وقت القيلولة هذه

حيث النعاس، على أنغام المطر،

يصيب العاطفة باللامبالاة.

*

بيننا أمنيات أبي العمياء تتقافز تحت المطر،

بيننا المطر،

لَم أسمع من قبل مطراً يَضحك بهذه الغزارة.

لَم أتفاجأ من رؤية الأمنيات تنتهي في البِركة بهذا النحو.

كنتُ قد أدركتُ حتمية تقيؤ الزمن عند كل إشراقة فَجر.

*

هكذا

ومثلما يحدث منذ دهرٍ ومازال،

مُنشغلاً بسقوط الفزّاعة،

تناسيتُ غَرَقي المحتوم

كي أنسى إنقاذ الغرقى.

*

كان بيننا غرقى وصياح.

كان بيننا أشياء لا أقوى على ذكرها

لئلا تُسدل الستارة على الضحكة

عندها قد أتذكر الغرقى وقد لا أقوى على إيقاظ أبي.

*

منذ ذاك المطر

وأنا ألوم نفسي على نسياني صناعة القوارب الورقية،

فالقصائد لا تنقذ الغرقى

والبِركة أعمق مما تتصور.

 

حزيران 2020- بروكسل

 

عدنان عادل: شاعر وكاتب عراقي مقيم في بروكسل.

[email protected]