“الأبو بريصية أقليّة”1 قصة للكاتب العراقي سامان سرهنك

سامان سرهنك

الصنبور المعدني ينضح منه الماء، بالرغم من أن الصوندة (2) ملفوفة بسيّم (3) حديدي على فوهته. البخار يتصاعد كدخان الانفجارات عندما يلامس الماء الرصيف. كأنني على رصيف محاط بغاز الخردل والبحيرة التي تكونت عند الحافة، عليّ أن أشقها بعصا لأفتح البالوعة. صراخ الأطفال الذين يسحلون أبو بريصا مربوطًا بدراجاتهم الهوائية، ذكرني بعجوز أخافتني عندما كنت صغيرًا، بأن لا أقتل الأبو بريص خنقًا بالماء؛ لأن طفحًا جلديًّا سيصيبني لبقية حياتي ولا يمكن علاجه. أرعبتني هذه الفكرة عندما عَلَقَ أبو بريص بصمغ الجرذان وأردت أن أرميه في إحدى بحيرات المجاري المغلقة؛ إلا إن الخوف تملكني وجعلني أنتظر، وكلما انتظرت؛ نظرت أكثر وأكثر إلى هذا الزاحف حقير الشكل. هذا الشكل هو ما أكد لي صحة الأسطورة.

صرخة أخرى تخترق أذُني لتعيدني إلى مشهد الأطفال يركلون الأبو بريص المسحول كأنه كرة القدم؛ ولكن الأمر لم يدم طويلًا؛ فركلة أحدهم مسحت أعضاءه بأسفلت الشارع ليصبح علكة لحمية. لم يتوقف الأطفال بل اتجهوا نحو بيت الجيران المجاور لي. نسوا قطعة اللحم، فقد انتهى مرح الشارع. وقف اثنان عند الباب بينما طفر الثالث وفتحها لهم.

الشمس بدأت تضمحل خلف الأفق والجو سوف يتحسن. انتهيت من رش الرصيف وعدت إلى الطرمة (4) لأسقي بعض السنادين (5). في هذه الأثناء خرج الطفل من البيت حاملًا بندقية صچم (6). ومع تحول السماء إلى الزراق المسود بدأت الزواحف تتجمع حول أضواء الفلورسنت في الخارج. بدأ الثلاثة بالتناوب حول البندقية، يصوبون ويرمون؛ لكنهم لم يفلحوا بأن يسقطوا أحدًا. ظللت أراقبهم حتى نجح أحدهم بإسقاط أبو بريصا. قُطِعَ ذيله نتيجة الضربات المتوالية عليه، وسُحقت أمعاؤه على الطرمة البيضاء. ظل الذيل يتحرك وجلس الثلاثة حوله ينظرون إليه بتمعن. كانوا خائفين أن يلمسوه حتى صرخ أحدهم وأفزعهم. اكتشفت أنني قد أغرقت إحدى السنادين بالماء.

اتجهت نحو الصنبور وبينما كنت أغلقه خرج جاري من بيته. جاري الذي لا أعرف اسمه. لا أريد أن أتكلم معه وسأحاول أن أتفاداه كما أفعل كل يوم. اتجهت نحو الميزانية الكهربائية (7) لأنها أقرب إليَّ من أن أدخل إلى البيت.

يفصل بين البيتين حائط متوسط العلو، يعلوه مشبك صغير وسط المسافة. كلما اقتربت إلى البيت تكاثفت أشجار العنب؛ بحيث لا يمكنك مشاهدة ما في داخل بيت الآخر؛ ولكنه يترك الكراجين مفتوحين من الجهة الأمامية. الميزانية ملصوقة بالحائط بالقرب من باب الطرمة المطل على الشارع، موضوعة داخل قفص حديدي مرتب الشكل ولكن يغلبه الصدأ. فتحت القفص؛ الذي هو أشبه بدولاب من قفص وانحنيت لأرى المؤشر وإذ بقطة تقفز من الدولاب، أفزعتني؛ فانتفضت وابتعدت عن الميزانية وإذا وجهي بوجه جاري اللطيف!!!

“علق ميزانيتك واشتريِ صحتك”.

لهذا أحاول دائمًا أن أتفادى هذا الرجل وآراءه البايخة. ابتسمت بوجهه.

عصابة الثلاثة نفذوا من العتاد واتجه قائدهم نحو البيت بالتأكيد ليجلب المزيد.

“لا أحب شكلها معلقة”، ابتسمت مرة أخرى: “أفضلها غير مكشوفة”.

نظرت إلى ميزانيته الموضوعة على قطعة خشبية على الحائط كأنه ساكن في معمل صناعي، وعلى الرغم من أن ميزانيتي داخل علبة صدئة؛ إلا إنها لا تدمر شكل المنزل كما تفعل أضواء الفلورسنت بدون أغطية، هي وقواعدها على حائطه.

بدأت وابل الأسئلة التي لا معنى لها. الأسئلة التي نسألها لكي نمثل أننا جيران، أصدقاء، أو على الأقل نعرف بعضنا بعضًا. وربما استعمالي لكلمات مثل: “حبيبي، أخوية” جعلته يصدق ذلك. ولا يدري بأنني لا أعرف اسمه ولا أهتم أيضًا بمعرفته. وربما هو أيضًا يحب لعبة التمثيل.

أكثر إجاباتي للأسئلة كانت بكلمة واحدة أو اثنتين. يتحدث بشكل مبالغ فيه ولم يتوقف. فكان يسأل السؤال، وينتظر إجابتي، ثم يجيب عن السؤال بنفسه. والحقيقة أنني لا أتذكر الأسئلة لأني كنت مشغولًا بشكل أكبر بما يحصل مع الفرسان الثلاثة خلفه. فبعدما قتلوا اثنين، اهتموا بأبو بريص كبير الحجم، كان بعيدًا عن الضوء.

كلما قتلوا تجاوزوا خوفهم للزاحف أو على الأقل هذا ما كنت ألاحظه.

أوقعوا الكبير ميتًا واختفى القائد؛ ولكنني لم ألمح إلى أين ذهب لأن جاري الرائع لم يتوقف عن الحديث عن العطوب في سيارته البرازيلي (8)، وكيف تمكن الميكانيكي الملقب بأينشتاين من حل تلك الألغاز. عاد القائد مع شيشة (9) زجاجية مليئة بالنفط، أحترْتُ عندها، أين يضع برميل النفط؟ في حين أنا أخبئه بين السنادين. غَمَسوا الأبو بريص الكبير فيها، وأخرج أحدهم من جيبه علبة كبريت وأشعله بها، ثم رماه على الأرض.

كان يحدثني جاري عن الدوري الكروي العراقي، عندما غمرتنا الرائحة الحقيرة التي ملأت المكان. سألني:

“أين سرحت؟”.

“لا شيء … كنت أفكر بالميزانية”.

قال: “ما هذه الرائحة؟”.

استدار ليرى المحرقة خلفه، صاح بالتنظيم: “ألم أقل ألَّا تحرقوا أي شيء!”، وأكمل: “يلا … إلى الشارع”، ثم أشار إلى رئيس التنظيم:

“عندما تعود …أريد أن يلمع الكراج لمعانًا”.

أخذوا الجثث وهربوا من البيت يصاحبهم صراخهم. لم أستطع أن أمنع نفسي بعد المجزرة وقررت أن أسأل.

“الجماعة.. ليسوا من هواة الأتاري!”. قلتها بشكل حماسي كأني أعرفهم وأعرفه ومهتم بهم جميعًا.

أدخل يده تحت بلوزته وحك معدته: “اشتريت لهم واحدًا قبل بضعة أشهر؛ ولكني لا أسمح لهم باللعب حتى أصحوَ من النوم”.

ولابد أنه قرأ تعابير وجهي التي لم تتغير؛ فبرزت علامة الاستفهام فوق رأسي. تقدم خطوة ووضع يده على السياج الفاصل بيننا، ثم أسند رأسه على يده الأخرى.

” بيني وبينك… يخلصونا من الأبو بريصية، تنظيف مجاني ويكسبون أجرًا أيضًا”.

وهنا حاولت أن أقاطعه لأسأل فأكمل بصوت أعلى: “بلا وجع رأس”.

رفعت صوتي قليلًا: “من يدفع لشراء أبو بريصية ميتين؟”.

فقال ببلاهة: “أجر…أجر لا أقصد فلوس… أقصد ثواب”.

أجبته مثل الأهبل ببطء: “ها”، وهززت رأسي من الأعلى إلى الأسفل ببطء، واستمررت في معاينتي لوجهه، الذي تغير عندما رفع يده عن السياج ورجع خطوة. فتح يديه وفاجأني بنبرة غاضبة:

“ألست بمسلم؟”.

فجاءني هذا السؤال صادمًا. وقد حيرني بالطريقة التي قالها. كأنه قد سألني هل أنت تمشي عندما تمشي؟ ارتبكت لوهلة، ولم أعرف ما هو الجواب. للحظات سألت نفسي هل أنا مسلم؟ وإذا كنت، فهل أنا مسلم ملتزم؟ أم لا؟ وإذا كنت لا؛ فهل هذا يغيّر الجواب، وإذا لم أكن فهل هذا ممكن؟ بعد لحظات من التجمد عَلَّقَ:

“ها … ما بك؟”.

“أي نعم، مسلم”، قلتها بشيء من التأكيد.

تغيّرت تعابير وجهه إلى صورة قميئة الشكل، هو وكرشه وشعر صدره وبنطلون بجامته الزرقاء المبيض من الغسل، المليء بثقوب التهوية.

“هل نسيت؟”.

ادعيت المزاح وابتسمت. هززت رأسي إيجابيًا وأطلقت ضحكة خانسة. لم يتوقف ولم يتغير أي شيء من موقفه وكان مُصرًّا هذه المرة.

“مزاحك ثقيل أبو…”، تلعثم، فابتسمت … وانتصرت … لا يعرف اسمي. كم أنا فرح.

تركته يحاول أن يجد أي كلمة ليكمل، تركته يصرخ قبل أن أطلق عليه رصاصة الرحمة؛ لكنه عاد مهاجمًا ولصق حاجبيه ليصبح أكثر جمالًا. قال وهو في الحقيقة قد صرخ شيئًا لم أسمع منه إلا إبراهيم. فتحت عيني بوسع وأجبته: “إبراهيم الذي يسكن بالقرب من بيت محمد أبو السوبر (10) الحمراء”؛ إلا إن نبرتي كانت تخلو من اللطافة، وفيها حشو من الاستهزاء.

“تستهزئ … حضرتك!”، أفْهَمَني بأنَّ لِمَا قاله صلةٌ بالقداسة؛ إلا إنني لم آخذ ما رماه عليّ بسهولة. ولم اكترث لأننا في هذه اللحظة قد تجاوزنا التمثيل واتجهنا نحو الارتجال.

صرخت “ماذا؟” عيناي نصف مغمضة، رأسي بارز ويدي خلف أذني؛ كوني لم أسمع ما قد قيل لي منذ لحظات. خَزَرَني بنظرةٍ اخترقت لحظات الصمت. كلانا يستعد. أريده أن يبدأ لكي أهشم رأسه. لمحت بطارف عيني بوري (11) حديدي؛ إذا بدأ الضرب يمكنني أن أسحبه، وعندما يقع داخل منزلي أركض نحو البوري، أضربه على رأسه، وبعدها إلى خرطوم الماء أكبله وأعود بالبوري لأكسر عظامه وأهشم وجهه اللعين.

ننتظر ساعة الصفر؛ ألا إن الصمت كسرته ضربة قوية على بابه الحديدي؛ لم تُفزع أي منا. كان ابنه قد قفز على الباب وضرب رجله بها. اتجه نحوه وقال بنبرة عصبية:

“ألف مرة قلت لك … لا تقفز على الباب”.

فتح الباب لهم فتسللوا إلى الداخل. تَحَرَّكتُ بسرعة نحو البوري الحديدي، ألتقطه وجلبتهُ بالقرب مني لأني لا أزال أشعر بأن شيئًا سوف يحصل. بينما كان هو بصحبة العصابة؛ كنت أحاول أن أجد شيئًا يبقيني مشغولًا، تحركت بدائرة حول السنادين أتفقدها، وكل فترة ألقي بنظرةٍ على الحثالة الذي بجانبي. قررت ألا أدخل البيت فهذا يعني انهزامًا لي، سوف أبقى وأنتظر أن يقترب من السياج ويحاول أي شيء. كان يتكلم مع الأطفال. كان يحاضرهم على الأبو بريص والحسنات. التفتُّ إليه، تمعنته بكل احتقار. كان يعلمهم كيف يستخدمون البندقية بالشكل الصحيح، رأيت باب الميزانية مفتوحًا، كنت قريبًا منها فانحنيت لأغلقه فكانت هناك عناوين وكلمات مبعثرة بالخط العريض على الجرائد المبللة داخل الميزانية، حملات الدولة ومحاولة اغتيال كاتب وكأني قد جئت جديدًا إلى هذا الكوكب، من كوكب رأسي إلى حرارة الأسفلت. ركنتُ يدي على باب الكراج الحديدي الذي يفصل الطرمة عن الرصيف. كأنني أدركت بأني مخطئ أو لست مخطئًا. استقر نظري على الرصيف وتعرجاته، الأحجار الصغيرة والحصى. تلاشت الضوضاء وعدت أقلب الأفكار في رأسي بهدوء تام إلى أن جاءت قنبلة صوتية لترهب ما يحصل، من سائق دراجة هوائية أعرفه من المخبز.

“أستاذ”، ورفع يده مسلمًا.

“حبيبي”، ورفعت يدي عاليًا.

عندما التفتُّ لم أر اللعين أو عصابة القتلة، وفي الطريق إلى باب البيت انطفأت الكهرباء لتكتمل سعادة اليوم. نظرت إلى السماء فكانت خيوطًا زرقاء متداخلة بجمرات نارية مسودة. بصقت عليها بكل قوتي وأنزلت رأسي. أخذت نفسًا عميقًا ومسحت بيدي وجهي وزفرت:

“خرا بالگواد”

وقفت لعدة ثوانٍ. لَمَحتُ بطارفِ عيني البصقة على الطرمة النظيفة. عدت إلى الصنبور مرة أخرى.

 

(1) الأبو بريصية: جمع أبو بريص. الأبو بريص هو البرص أو الوزع.

(2) الصوندة: خرطوم الماء.

(3) سيّم: سلك حديدي.

(4) الطرمة: الجزء الخارجي من البيت المعبد بالبلاط.

(5) السنادين: جمع سندانة وتعني اصيص النباتات.

(6) بندقية صچم: بندقية هوائية تقذف بالكرات الحديدية.

(7) الميزانية الكهربائية: جهاز مؤشر قياس استهلاك الكهرباء في البيت

(8) البرازيلي: هي سيارة ڤولگسڤاكن (Volkswagen) – تجميع البرازيل.

(9) شيشة: قنينة زجاجية.

(10) السوبر: سيارة تويوتا سوبر كراون (Toyota super crown) – .

(11) البوري: أنبوب حديدي.

 

سامان سرهنك كاتب ورسام عراقي كندي يُقيم في كندا

[email protected]

www.samansarheng.com