الإنتظار قصة قصيرة للكاتبة العراقية غادة م. سليم

غادة م سليم

سَلمت فِنجانَهَا لِصَديقَتَهَا … تَضْحَك في سِرِهَا لأنها لاتُؤمن بالغيبِ… ولَكِنها تَمَنتْ أن لاتَعثَر عَلَيهِ لاِنها كانت تَذكُرُه في كُلَ رشفة مِن قَهوَتِهاالصَباحيةِ وتَعيشُ مرةً اخرى على قُبلاتِهما بَينَ رَشفَة واخرى والتَلذذ بِطعمِ القَهوَةِ بِلِسانَيهِما.

قالَت لَها صَديقَتُها: فِنجانك مُثقَل بالهمِ … كَم تَحملين مِنَ الوَجَعِ في داخِلِكِ ..أراه كُتلاً سَوداءَ تَنمو في قَلبَكِ … غُيوُماً رَمادِيةً تُعكُرُ صَفوَ سَماءِكِ  وَلكنَ هُنالك غَيمَةٌ ملونةٌ تلوحُ لي بَينَهم.

لَمْ تَعِرها إنتباهاً إذ كانَ هذا شأنُ العَرافاتِ فكلِ إنسانٍ يَحملُ في قَلبهِ هماً دفيناً وتَمْتَمَت مَعَ نَفسِها

– ياترى أينَ هوَ الآن ؟ تَحتَ أيُّ سَماءٍ ؟ وردية ام رمادية ام زرقاءُ ام سوداءُ كَهذهِ القَهوةِ… كَمْ كانَ يَلذُ لَهُما أن يَطْوِيا الأرضَ… مُقَبِلاً شَاماتِها الكِثارِ.. وَمُعطِياً لِكُلِّ شَامَةٍ اسمُ نَجمَةٍ وَيُشيرالى السماءِ فهذا الشعري اليماني وذاك نجم سهيل وهذا الفرقد.

أدارت العرافةُ الفنجانَ ثم قالت

– قلبكُ أبيضٌ لايحملُ الحقد والضغينةَ والكراهيةَ وهذا ليسَ في فنجانكِ فقط وانما ينعكسُ على وجهكِ ايضاً…

غَيرت مِن جلسَتِها بمللٍ ظاهرٍ مِن هذه القراءاتُ والتنبؤاتُ المعروفةُ التي كانت تطالُعها في الجرائدِ والمجلاتِ في محطاتِ القطارِولكنها بَقيت تنظرُ اليها متظاهرةٌ بالاهتمامِ

قَلبت العرافةُ الفنجانَ ثم زَمت شفتيها الرفيعتين وحدقت بحدة بترسباتِ القهوةِ وكأنها عثرت على شيئٍ.

شَعرت بالخوفِ والقلقِ يبدو انها قد عثرت عَليهِ مُختبئاً بينَ بقايا قهوتها يحاولُ أَنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ كعادتهِ وينجحُ في تَمويهِ رغباتِهِ ومشاعرِهِ

– أراهُ واقِفاً بينَ جدارَينِ!

إنخَلَعَ قَلبُها …هاقد وَجَدَتهُ..وصَرَخت

–  مَنْ تَقصدينَ؟

–  لا أدري .. هناكَ رجلا يَبدو لي عالقاً بينَ جِدارَينِ وأنتِ تُفَكرينَ بِهِ طِوالَ الوَقتِ وتَبحثينَ عنهُ وهوَ لايملكَ سِوى ألانتظارِ.

بَلَعَتْ دموعَها وَأخفَت رَجفةَ صَوتُها وأجابت بضِحكَةٍ مُنفَعِلةٍ

–  يَنتظرُ ماذا؟ كودو*

–  يَنتظرُ وصولَكِ ! هوَ لايَملُكُ القدرةُ على الاتصالِ بكِ! لايعرِفُ مكانكِ وينتظرُ أنْ تَختَرِقي كلَّ هذه الجدرانُ لتصلي اليه!

–  كيفَ يَبدو لكِ؟

–  جميلٌ ..رشيقٌ .. وذُو حظوةٍ لدى السلطانِ!

–  أصبتِ بإثنتينِ وأخطأتِ بواحدةٍ!

–  هذا ما أراهُ

–  وهل يُمكنني أن اعثرُ عليهِ

–  لا أدري وَلكنَّ سَتحتاجينَ الى القوةِ والعديدِ مِنَ الادواتِ لاختراقِ الجدرانَ الصلبةَ وهي مُهمةٌ صَعبةٌ جداً وأشفقُ عليكِ مِنَ المحاولةِ.

–  لديَّ عدَتي .. أحملُ معولاً مِنَ الحبِ… وفأساً مِنَ الرغبةِ… وسكاكينَ الشوقِ التي تَذبَحُني في كلِّ ساعةٍ وأنا أعتصرُ ذِكرياتي مَعَهُ

–  لاأنصَحكِ بِذلكَ فَهوَ طَريقٌ صَعبٌ ومُهلكٌ ولكنَّ لو أنجَزتِهِ سيكونَ اللقاءُ رائعاً ..إذ هو لايَملكُ أدواتُكِ ولا قوتُكِ!

بَدَأت تَحفرُ نَفقها بيدِها ..تَلصقُ أذنَها على الأرضِ عسى أن تسمعَ دبيبَ خُطواتِهِ..تَدسُ أنفَها بينَ الصخورِ وتَستنشقُ الرملَ ربما تشمُ عِطرَهُ…تقتاتُ على بقايا حبٍ قديمٍ …كيفَ لَم تُبليهِ كلَّ هذه السنين، بل على العكس عاندَ الزمنَ وَبدلَ أن تخفتَ ألوانَهُ، إزدادت بَريقاً وحدةً…وَكُلما تَعِبَت وتَصَورَت إنها قد وَصَلت الى الجدارِ…لاتعثرُ الا على رمالٍ ناعمةٍ لاتُساعِدَها  على تَقَفي أثرهِ. تبحثُ بينَ حُبيباتِ الرملِ اللامعةِ عسى أن تجدَ إنعكاسَ صورَتَهُ..تَضغُطُها بين أصابِعها حتى تَجرَحُها وتنزفُ دماً يَسيلُ بهدوءٍ لِتنبتَ أعشاباً ناعمةً تُسهلُ لَها طَريقَها وكأن الطبيعةَ تحسُ بِها وتَشعرُ بحيرتِها …تَبحثُ وتَبحثُ عَلَّها تجدُ دليلاً على وُجودِهِ خَلفَ الجدارِ وتستعيدُ ذكرياتها أثناء ذلك وتصرخ:

–  ساعدني أرجوك!!!

تتخيَلُهُ يُحاوِلُ أن يَدفعَ الجُدرانَ أو يَنقرُ عَليها لتَستدِلَ عَليهِ لتأتي وتُحرره مِن أسرهِ ويطيران معا نحو غيمتهما الوردية … هل كان مكبلاً كبرومثيوس* تأكلُ العقبانُ كبدَه في النهارِ ليلتئم الجرح في الليل ويعود الالم ليبدأ من جديد في النهار ولايدري متى تنتهي فترة عقوبته…يحلمُ بنهرينِ وسماء وهلال ويفتحُ عينيه ليجد النسر امامه والبحر يحيطه والسلاسل في رقبته ولايفقد الامل والشجاعة.

كانت تتكلمُ بصوتٍ عال وتغني أحيانا اثناء البحث متأملة ان يسمعها ..تحاولُ أن تتذكر الايام والساعات الجميلة التي قضياها معا …القبلُ والاحضان التي تبادلاها …تضحكُ وتبكي في آن واحد…تبتسمُ وتنيرُفي عيناها كل الالوان عندما يمر بها طيف قبلة طويلة لايريدا أن يفلتا شفاهما فأصبحا يذكرانها بقبلة الالتهام كالقبلة التي خلدها كوستاف كلمنت بلوحاتهِ او كالقبلةِ التي نحتها رودان والتي تعلم الشراسة في الحب

كانا يلتهمان بعضهما ولايهم ان كانا مستلقين على العشب البارد او الصخور الناتئة …يطويها كما يطوي الموج أصدافه فيرتفع الزبد مزهوا ويتوجُ الشواطئَ ويرصعُ الرمالَ باللألئ.

بكت عندما تذكرت لمسة يده الباردة في لقاءهما الاخير وضغطه على كفها حتى انغرز خاتمها في راحة يده ..لايريد أن يفلتها وتسلل من ذلك اليوم وسكن روحها المعذبة  لم تهمهما العواصف …يحلقا بعيدا يصطدما مع بعظهم ومع الاخرين ولكن لايهم طالما لهم أجنحة….كيف وَقَعتَ في الفخِ؟

أخيرا وصلت لنهاية الجدار ..عندها أصبح واهيا ..رقيقا .. عملت بهمة ولهفة وجد  وسرعة لهدم ماتبقى منه وتتخيل كم سيكون اللقاء رائعا وتعد نفسها لعناق طويل ودافئ…سقط الجدار وهوى وتعالت الاتربه حتى غمرتها ولكنها لم تجد احد..نادته ولم يجب ..الفراغ والصمت يحيطان بها ..التفتت الى الوراء وجدته امامها عندها انفلتت مئات الطيور محلقة في السماء وغمرها ضياء ساطع وتحولت الى بلورة.

 

 *في انتظار غودو هي مسرحية كتبها الكاتب الآيرلندي صمويل بيكيت

* برومثيوس شخصية من الميثالوجيا الاغريقية عوقب بالسجن بالاغلال لمساعدته للبشر واعطائهم النار

 

كاتبة عراقية مقيمة في نيوزيلندا

[email protected]