“البحر والفراشة” قصة للكاتبة الكورية كيم إن – سووك: ترجمة عن الانكليزية خالد الجبيلي

كيم إن – سووك Kim in-Sook

 

كانت الساعة تقارب الواحدة بعد الظهر عندما اتصلت Chae-Geum (تشيه-غوم) لتودعني قبل أن تغادر إلى كوريا الجنوبية. عندما رنّ جرس الهاتف، كنت أقف في منتصف غرفة الجلوس، مستغرقة في التفكير، وأنا لا أزال أحمل الأصيص الصغير الذي كنت اشتريته في وقت مبكر من ذلك اليوم من بائع الزهور في الحيّ. كنت قد عدت إلى البيت بسرعة لتفادى قيظ منتصف النهار، لأكتشف أنه لا يوجد مكان أضع فيه الأصيص في الشقّة التي كنت لا أزال أشعر بالغربة فيها على الرغم من الفترة التي أمضيتها فيها. هذه الشقّة التي لا تزال تتكدس فيها أمتعة المستأجر السابق. فكلما فتحت الباب لأدخل إلى الشقّة، كنت أجد صعوبة في العثور على مكان أجلس أو أقف فيه، كأن يداً خفيّة تدفعني جانباً. كنت مستغرقة في التفكير بهذا الأمر عندما كسر رنين الهاتف الصمت. عندما رفعت سماعة الهاتف، اكتشفتُ أنني كنت أحبس أنفاسي، كأنني كنت أخشى أن يجدني أحد متلّبسة بالرد على مكالمة أخرى دون استئذانه. ولم أكن عادة أبدأ الكلام إلا بعد أن أسمع صوتاً على الطرف الآخر من الخطّ. وفي معظم الأحيان، لم أكن أسمع سوى صوت صفير هواء ساكن. وما إن كنت أقول “مرحباً”، حتى يسود الصمت، ثمّ يغلق المتّصل الهاتف، كما لو كان ذلك يجري باتفاق مسبق.

كان الهاتف في الشقّة يرنّ مرات عديدة في اليوم، لكن المكالمات الموجّهة إليّ كانت قليلة جداً، بل نادرة. فإذا أتتني مكالمة، فلا بد أن معجزة تكون قد حدثت. وعندما اتصلت تشيه-غوم في ذلك اليوم، ألقيت نظرة على الساعة. كانت تلك إحدى العادات الغريبة التي اكتسبتها منذ أن انتقلت إلى هذه الشقة. وسواء رنّ الهاتف في الساعة الواحدة بعد الظهر أو في الواحدة بعد منتصف الليل، فلم تكن هذه المكالمات موجهة إليّ عادة.

وضعت أصيص الأزهار على الأرض وحصرته بين قدميّ، ودفنت سماعة الهاتف بين كتفي وأذني، وقرّرت ألاّ أكون البادئة في الحديث. وتباطـأت أنفاسي وأصبحت مثل أنفاس قطّة شاردة، تسير بحذر شديد، ثم تنسلّ إلى بيت فارغ مثل لصّ يدلف خلسة إلى بيت في وضح النهار.

“ألو”.

استرخت قبضتي على السماعة عندما تناهى إليّ صوت تشيه-غوم. فعلى الأقل، لم يكن الصوت يتحدث بلغة أجنبية.

تلعثَمت وراحَت تبحث عن الكلمات الكورية الصحيحة لتخبرني أنها حصلت على التأشيرة، وأنها ستغادر في الأسبوع القادم، وسألتني هل أريد أن توصل لي رسالة إلى أمّي في كوريا. بدا سؤال تشيه-غوم مباشراً، من دون مواربة، بلغتها الكورية الركيكة: “هل، هه، هل أنتِ، هل تريدين أن تقولي شيئاً لأمّك؟”

رقتّها أربكتني. كان كلّ ما بوسعي فعله هو أن أصغي إليها وأقول: “نعم، نعم”. وما إن قلت لها نعم، حتى أدركت أن ليس عندي شيء حقاً أقوله لأمّي. لعلّ تشا-غوم ظنّت أن الحماسة أربكتني، فانتظرَت بتهذيب إلى أن يتحوّل صمتي إلى كلمات. في الحقيقة لم يكن التفكير بأمّي التي تعيش في سيئول هو الذي غمر قلبي، بل التفكير بتشيه-غوم التي ستذهب إلى المكان نفسه. وبعد لحظات، تمكّنت من لملمة بضع عبارات، وقلت: “لا، أنا بخير، كل شيء على ما يرام حقاً”. لم تكن كلماتي موجّهة إلى أمّي، بل إلى تشيه-غوم. فلم يكن قد مضى على معرفتي بهذه الفتاة أكثر من شهر واحد، ولم تكن تربطني بها أي علاقة، فلمَ لا يكون الأمر على ما يرام؟

في عصر ذلك اليوم، وجدتُ نظراتي مشدودة نحو الأصيص الذي اشتريته من محل بيع الزهور. إذ يطلقون على هذه الزهرة في الصين اسم جينجِيوي Jinzhiyuye، أما في كوريا، حيث لم أرها فيها قط، فإنهم يطلقون عليها اسم جامجيوكيوب Gumjiokeop ، الذي يعني شخصاً نشأ وتربّى مثل ملك، وتتبرعم فيها أزهار صغيرة تلوح فيها ألوان قوس قزح – أصفر وأحمر ووردي داكن وأخضر غامق، تتدلى من سوق رفيعة بشكل غير منتظم. كنت قد توقّفت عند محل بائع الزهور لأنني أردت أن أحُضر إلى الشقّة شيئاً ينبض بالحياة، وفي النهاية، اشتريت هذه النبتة التي كانت تبدو هشّة، بعد أن تجاهلت عدة أزهار نضرة أخرى، فلم يكن جمالها الذي جذبني إليها، بل حاجتي إلى إشباع فضولي لمعرفة عما إذا كانت الزُهيرات ملتصقة بسوق نباتات عادية بغرض الزينة. أردت أن أسأل البائع، لكنّي لم أكن أعرف كيف ألفظ اسمها باللغة الصينية، ولم أستطع أن أنقل له ما يدور في خلدي بلغة الإشارة.

وبينما كان بائع الزهور يتعامل مع زبائن آخرين، مددت يدي لألمس بتلة الزُهيرة بطرف إصبعي. ارتعشت يداي بتوتّر عندما اقتربت من الزهيرة. هل الرعشة هي التي حرّكت تلك البتلة الصغيرة بحجم حبة رزّ، والتي قد تجعلها تسقط؟

كان البائع، الذي ظننته مشغولاً في التحدّث إلى زبائن آخرين، يقف الآن إلى جانبي، يراقبني. وعندما التقت عيناه بعينيّ، قال، “سيكوَيغيان Sikuaiqianوبالطريقة التي فتح فيها راحة يده وأغلقها، خيّل إليّ أنه يقصد ثمن النبتة التي كان من الواضح أنها أصبحت لي الآن.

بحذر شديد أعدت البتلة الخضراء الداكنة بحجم حبة الرزّ المسلوقة إلى مكانها في الأصيص. لم تكن ناعمة ولا صلبة، بل ذابت بمجرد أن لمستها دون أن تترك أي أثر من اللون الأخضر على أصابعي، كأنها كانت تنتظر لمستي. حملت الأصيص الصغير الهش بكلتا يديّ، وقاومت الرغبة في قذفه من نافذة الشرفة. تحركت ذرات التراب، مرسلة هزات في الساق، وكانت الأزهار تبدو كأنها تشبّثت بيأس بها، كما لو أنها كانت معلّقة بخيط رفيع. بدا لي أنها توبّخني كأنها تقول إنه لا يمكنني أن أتفحّص الحياة هكذا.

بدت لي تلك البتلات الصغيرة مألوفة، كما لو أنني كنت أنظر إليها طوال حياتي. تملكني إحساس بالألفة والغرابة مثل برودة متكررة. لعلي لم أقطع مسافة كافية.

كانت تشيه-غوم أول شخص التقيت به في الصين، بعد ثلاث ساعات فقط من وصولي بالطائرة، وبعد أقل من ساعة من إفراغ أمتعتي من الحقيبة في الفندق، كي أكون أكثر دقة.

قالت: “ألو، اسمي لي تشيه-غوم”.

للوهلة الأولى، خيّل إليّ أن المكالمة قد لا تكون موجّهة إليّ. فأنا نزيلة في فندق في مدينة أجنبية في بلد أجنبي. ثمّ تساءلت هل كان موظف الاستقبال هو الذي اتصل بي، ونسيت أنه ليس من المحتمل أن يتكلم العاملون في فندق صيني اللغة الكورية، وحتى لو كانوا يتكلمونها، فهل من عادتهم أن يذكروا الاسم الكامل عندما يتصلون بأحد النزلاء؟ ثمّ تساءلت كيف يجب أن أردّ – أأقول “ألو” وأعرّف عن نفسي؟ لم أضطر إلى التردّد طويلاً، لأن تشيه-غوم قالت إنها تريد أن تأتي لتأخذ النقود التي أرسلتها لها أمّها معي، عندها فقط عرفت من هي.

ولمّا كنت قد اتخذت ترتيباتي للمكوث في الفندق خلال فترة إقامتي في كوريا، فلا بدّ أنها سمعت من أمّها عن مخطّط رحلتي، فانتظرت في مكان قريب من الفندق، لأنها قرعت باب غرفتي قبل أن تمضي أكثر من عشر دقائق على انتهاء المكالمة. كنت لا أزال متفاجئة قليلاً من المكالمة، لا لأنني لم أكن أعرف أن لغتها الكورية ركيكة إلى هذه الدرجة فقط، بل لأنني لم أفهم سبب هذه العجلة أيضاً. فلم يكن المبلغ الذي أرسلته أمّها كبيراً حتى يغريني بالهروب به – كما لم يكن مبلغاً كبيراً يجعلها تهرع لتأخذه بعد ساعة من وصولي إلى فندق أجنبي في أرض أجنبية.

قالت: “مرحباً، أنا لي تشيه-غوم”.

لم أشعر بالعداء نحوها كما شعرت عندما اتصلت بي. انحنت كثيراً، وأغدقت عليّ التحيات كما فعلت على الهاتف. في الحقيقة كانت الزائر الأول والوحيد الذي زارني في هذا البلد، ولم تكن تعرف عني الكثير.

وقفت تنتظرني أمام الباب، ولم يبدو أنها كانت تتوقع أن أدعوها إلى الدخول والجلوس، مثل الشخص الذي يجبي الديون وينحصر هدفه في تحصيل الدين. وفجأة أصبحت ابنتي الصغيرة، التي كانت ملتصقة بالنافذة مثل فراشة، تراقب الشارع، منذ وصولنا، ورائي وطوّقتني بذراعيها الصغيرتين. رأيت القلق الذي كان يتلألأ في عيني تشيه-غوم مثل الدفء الذي كان ينبعث من بطن ابنتي التي راحت تضغط على ظهري. لا بد أنها لم تكن تتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، ومع ذلك كان عليها أن تتعلّم كيف تخفي علامات القلق في عينيها.

“كيف يمكن لامرأة أن تفكّر بتزويج ابنتها من رجل في هذا العمر؟ الذهب والفضة، كلام فارغ! إلى أي حد يمكنها أن تكون جشعة ووقحة؟ حتى العشب لا يمكن أن ينمو تحت قدميها! وماذا يمكن أن يتوقّع المرء من رجل يتجاوز عمره الأربعين عاماً، ولا يزال عازباً؟ فلو كان غنياً فلا بد أن ثمة عيباً فيه، وإذا لم يكن فيه أي عيب، فلا بد أنه مفلس. أو ربما كان ثمة عيب في ابنتها. ما هو ذلك الشيء العظيم الموجود في كوريا؟ ما هو الشيء الذي يجعلها تبيع ابنتها فقط لتعيدها إليها؟”

كانت تلك هي الكلمات التي قالتها لي أمّي عندما اكتشفت أن السيدة الصينية أعطتني نقوداً لأوصلها إلى ابنتها في الصين، تلك السيدة التي تعمل في مطبخ مطعم أمّي، ووفقاً لما قالته أمّي، فقد باعت ابنتها، تشيه-غوم، إلى بائع خضراوات بالجملة، عازب، حتى يحضرها إلى كوريا بصورة قانونية. وهذا يبرهن لك كم هي ساحرة شنيعة.

قالت أمّي تلك العبارة الأخيرة واكتسى وجهها بنظرة مفعمة بالريبة، كأنها لن تفهم امرأة كهذه طوال حياتها، بينما تركت كلماتها تنسلّ إلى إحدى أذنيّ وتخرج من الأخرى. وبدت ردّة فعلها غريبة عليّ لأن ما قالته عن أمّ تشيه-غوم قد ينطبق بسهولة عليها، أي على أمّي، أيضاً.

فقد كانت أمّي امرأة جشعة، بخيلة إلى حدّ أنها اشترت عدّة شقق من الأرباح التي جنتها من مطعمها، وشحيحة إلى درجة أنها رفضت أن تطلع أولادها على سندات ممتلكاتها. ولسبب لن أفهمه قط، كان مطعمها الصغير يجذب في فترة الغداء عدداً كبيراً من الزبائن، الذين يتقاطرون بسياراتهم من مناطق أخرى فقط لتناول صحن حساء، لا يختلف مذاقه عن مذاق أي حساء يقدم في أي مطعم آخر. وكانت أمّي تستغل العاملين في المطعم إلى أبشع درجة، مثل عظام الحساء التي يسلقونها طويلاً حتى تصبح هشة لإعداد الحساء الخاص الذي يميّز مطعم أمّي. وكان معظم الذين يعملون في مطعمها يكفّون عن المجيء إلى العمل بعد حصولهم على أول راتب، وتعتريهم مشاعر سخط لأنها تستعبدهم لقاء أجر زهيد. ولكي ترضي أمّي طمعها، لم يكن لديها خيار سوى أن تستخدم عمّالاً مهاجرين مثل أمّ تشيه-غوم، التي، لكونها صينية كورية، وبسبب انتهاء مدة صلاحية تأشيرتها، لم يكن لديها خيار سوى أن تتحمّل مشقة العمل، شهراً بعد شهر، في مطعم أمّي، على الرغم من تدني المبلغ الذي تتقاضاه لقاء هذا العمل الشاقّ.

وفي أحيان كثيرة، كان يخيّل إلى أمّي أنّ أمّ تشيه-غوم تزمع أن تبطل زواج ابنتها ما إن تحصل على الجنسية الكورية، ولهذا السبب اختارت رجلاً عازباً، لين العريكة، متقدماً في السن، يسهل وقوعه في الفخّ الذي نصبته له. وبضربة واحدة، رسمت أمّي صورة بائع خضراوات يجري لاهثاً وراء فتاة صغيرة. وعلمت أنه لم يلتق بتشيه-غوم إلا مرّتين في الصين، في المرة الأولى ليتعارفا، وفي المرة الثانية ليبدأ تجهيز أوراق الزواج. وعلمتُ لاحقاً أنه سجّل بالفعل زواجهما لدى السلطات خلال الزيارة الثانية تلك.

يمكنني أن أبدأ بسرد تفاصيل القصّة التي روتها لي أمّي وأبدأ بسلخ اللحم عن العظم. فلا بدّ أن بائع الخضراوات الكوري، العازب الذي يتجاوز الأربعين من العمر، كان مستميتاً للحصول على زوجة، استماتة جعلته مستعداً للإقدام على هذه المجازفة، في حين كانت رغبة تشيه-غوم العارمة تكمن في حصولها على التأشيرة لتنضم إلى أمّها في كوريا. لم تكن هذه هي أول مرة أسمع فيها قصة كهذه. إذ تنشأ مشاكل اجتماعية كثيرة عندما تحصل امرأة صينية كورية متزوّجة من رجل كوري على بطاقة إقامة، ثم تسجلها في الدوائر الرسمية، ثم تهرب، وتهجر أطفالها، ويذاع خبر هروبها في التلفزيون والصحف. لكن لا يهمني ما الذي يدفع امرأة صينية كورية إلى الهرب تحت جنح الظلام. وما الذي يحدث بينها وبين زوجها؟ كم مرّة يضربها؟ وما المهانة الذي تعرضت لها لمجرد أنها امرأة صينية كورية؟ ما الشيء الذي يدفعها إلى الحافة؟ الإهانة أم الغضب أم الحنين إلى الوطن؟ فقد تهرب سراً وتأخذ بطاقة تسجيلها، لكنها تأخذ معها أيضاً جميع قصصها.

“كم عمرك؟”

سألتها، وبقيت اليد التي مدّتها لأعطيها نقود أمّها معلّقة في الهواء. بالطبع من غير اللائق أن تسأل فتاة شابّة عن عمرها في أول مرة تلتقي بها، فلا تزال تشيه-غوم صغيرة حتى تفهم أنّ امرأة مثلي تسألها هذا السؤال بدافع من الوحدة والحنين إلى الماضي، لا بدافع الفضول أو الرغبة. “خمسة وعشرون”، أجابت بتردد، واعتصرني ألم مفاجئ. فشأن الآخرين، فإني أعرف أن هذا العمر ثمين ولا يجب أن تتزوج فتاة في عمرها رجلاً يتجاوز الأربعين من العمر. لكن هل هذا هو السبب الذي وخز قلبي؟ في الحقيقة، لم أكن أعبأ بمعرفة الشخص الذي ستقترن به هذه الفتاة الصينية الكورية التي تدعى تشيه-غوم. وما فاجئني هو الوضوح الشديد الذي نطقت به عبارة “خمسة وعشرون”. خمسة وعشرون… يا له من عمر رائع! عندما سمعتها تنطلق من بين شفتيها، نسيت تماماً الكآبة التي اعترتني عندما كنت في عمرها. فقد تعرفت على زوجي عندما كنت في الخامسة والعشرين من عمري، وكلّ ما كنت أصبو إليه وأنا في ذلك العمر الرائع هو أن أقترن به. وعندما طفت هذه الذاكرة على السطح، فقد العمر بريقه بغتة.

“حبيبي، كيف يبدو الناس وهم يحتضرون؟ أقصد ما هي القسمات التي ترتسم على وجوههم؟” سألت زوجي قبل مغادرتي إلى الصين بفترة قصيرة. وكعهده، رمقني بعينيه كما لو أنه لم يكن ثملاً على الرغم من أن رائحة الكحول كانت تفوح منه بقوة. لعله لم يكن يراني، لكنه أدار رأسه نحو مصدر الصوت.

“تخلو رؤوسهم من أي أفكار”، تابعت كلامي، “بمعنى آخر، يبدون في حالة من الذهول. أما البكاء والنواح، والارتجاف والخوف والدموع، فهي تميّز الأحياء فقط، الأشخاص الذين يبقون أحياء”.

لم ينبس زوجي بكلمة، فشعرت أني مضطرة لملء الفراغ، فقلت: “نعم، هذا ما سمعته. بما أنك لا تسمع عادة قصّة كهذه، فقد حكيتها لك. فقد قالت المرأة التي حكتها لي إنها سمعتها من شخص آخر أيضاً، أنها مفعمة بالحياة، كما لو أنني رأيتها بأمّ عينيّ. أليست قصة عميقة؟ أتساءل ما رأيك. هل ترى أنت ذلك أيضا؟”

كانت أمّ تشيه-غوم هي التي قالت لي كيف يبدو شكل وجه المحتضر، ثم مضت تقول إنها رأت حلماً في الليلة الماضية، “في الواقع، لم أره أنا شخصياً – بل رآه زوجي. لكن الحلم كان واضحاً إلى حد أنه خيّل إليّ أنني رأيته بأمّ عينيّ. فقد رأى رجلاً تقتله فرقة إعدام. وقد كرر هذه القصة مراراً، ولا يزال يرددها. فقد وقعت عملية الإعدام عندما كان طفلاً، وقد تتوقّعين أنه لم يعد يتذكرها بدقة الآن، لكنّه لا يزال يرويها كأنها وقعت منذ لحظات قليلة. وربما لهذا السبب يلاحقه الحظّ العاثر – لأنه رأى شيئاً لم يكن يجب أن يراه. فإذا أصابك حظّ عاثر، فمن غير المتوقع أن يلازمك طوال حياتك. لذلك، فكما ترين، لم يكن المجيء إلى كوريا فألاً حسناً له. وحتى لو جاء، فما الفائدة من مجيئه؟ فهو لا يفتأ يكرر هذه الحكاية. أظن أنه يحمل روح الرجل الميت، لا روحه هو. لا، من الأفضل أن يبقى في مكانه”. ثمّ توقفت عن الكلام كما لو أنها عادت من مكان قصي، ثم سألتني عن سبب ذهابي إلى الصين.

“من أجل طفلتي. حتى تدرس وتصبح مواطنة عالمية”. لا أظن أنني كنت أمتلك الشجاعة لأقول ذلك في وجه أمّ تشيه-غوم. لكن ما إن قلت ذلك حتى فقدت الكلمات معناها. وعندما حكيت القصة لزوجي، أردت أن أحكي له كلّ ما أخبرتني به، وأردت أن أسمعه يسأل السؤال نفسه: “لماذا ستذهبين؟” لكنّه لم يسألني، بل ظل ينظر نحوي كأنه ينظر إلى أي شخص آخر.

“لأنك…”؟ – لم أتمكّن من التوقّف عن الكلام إزاء صمته –

“يبدو… أن لك…” – لفظت كلّ كلمة بوضوح شديد حتى أجعله يفهم –

“روح إنسان غريب”.

وصلت معلّمتي الصينية بعد حوالي ساعة من اتصال تشيه-غوم لتخبرني أنها تتهيأ للسفر إلى كوريا. وبدلاً من أن تعلّمني اللغة، تحوّل عملها الحقيقي إلى الاعتناء بي في الصين. في ذلك اليوم، بل في أكثر الأيام، لم يعد لدينا وقت كاف نفتح فيه كتاباً. بل كنّا نتبضّع، وهو ما دأبت على تأجيله بسبب عدم تمكني من التواصل مع الآخرين. فقد كنت أنادي بوّاب الشقّة، فيأتي ويقرع باب غرفتي وأنا وحدي في البيت، لكنه كان يعود إلى مكتبه من دون أن يتفاهم أحدنا مع الآخر. وذات مرة استدعينا أنا ومعلمتي سبّاكاً ليفتح بالوعة الحمّام المسدودة، ثمّ مررنا بمكتب البريد، ثم  توجهنا إلى المصرف، ومثل تشيه- غوم، كانت المعلمة صينية كورية، وكانت تحلم بأن تصبح معلّمة في مدرسة ابتدائية، لكنها أصبحت الآن تحلم بالسفر إلى كوريا.

اتصلت بمعلّمتي الصينية بعد أسبوعين تقريباً من توقيع عقد إيجار الشقّة. وكان الوكيل في كوريا، الذي أوصى لابنتي بمدرسة صينية، ولي بدليل يرافقني، قد أكد لي أن بإمكاني استئجار شقة في سحابة ثلاثة أيام. وبعد بضعة أيام، قُبلت ابنتي في المدرسة التي اخترناها. وفي الواقع، كاد بحثي عن الشقة ينتهي قبل أن يبدأ. وكان دليلي رجلاً كفؤاً يعرف ماذا يفعل. فقد أراني شقّة فيها بضعة أبواب وحوض ومغسلة وجدران اسمنتية. انتابني ذعر شديد إلى حدّ أنني رجوته أن يبرم العقد بسرعة، عندما رأيت أن جدران الشقّة الأخرى التي رأيناها مطلية جيداً، والأرضية خشبية، والأهم من كل ذلك، مؤثثة بالكامل. لذلك حزمت حقيبتي وانتقلت إليها من غرفتي في الفندق في اليوم التالي. وكان المستأجرون السابقون قد تركوا كلّ شيء في الشقة سليماً – أدوات المطبخ، وملاءات السرير، ومقياس درجة الحرارة على الحائط، وأصص الزرع على الشرفة. وبعد يومين انتقلت ابنتي إلى بيت الطلبة في المدرسة.

كنت قد قررت أن أدع ابنتي تقيم في بيت الطلبة، فقد كانت من ذلك النوع من الفتيات اللاتي تسحرهن الفكرة الرومانسية عن الحياة في مدرسة داخلية، مقارنة بالحياة الكئيبة التي تعيشها الأميرة الصغيرة الخيالية في غرفتها العلوية الضيقة. وعلى الرغم من حالة بيت الطلبة المتداعية، فقد أصرّت على الإقامة فيها. وأصرّت على البقاء فيها، على الرغم من أنّ المدرسة كانت قريبة من البناية التي نقيم فيها. وبتمثيل دور الأمّ اللطيفة، لكن الصارمة، انتزعتُ منها وعداً بأن تمكث في بيت الطلبة لشهر واحد فقط. لكنني تأثرت في سريرتي بمجرى الأحداث هذا. واعتبرت ذلك هدية، لأنني مُنحت شهراً من الحرية، شهراً أتمكن فيه من ترك دور الزوجة والأمّ، لأنني كنت أحلم بأن أنام كالموتى من دون أن تراودني أفكار مزعجة عن أيّ شيء أو عن أي شخص.

لذلك، لم أكن في عجلة لأقبل اقتراح دليلي بمساعدتي في العثور على مدبرة منزل يمكنني التواصل معها، أو معلّمة لتترجم لي. ولمّا لم أكن مستعجلة، فقد أعطاني رقم هاتفه، وقال إن بإمكاني الاتصال به عندما أشعر بأنني مستعدّة لذلك. وعندما اتّصلت به على الرقم الذي أعطاني إياه، علمت أنه سافر إلى كوريا لمدّة شهر. وتبين لي أن النوم كالأموات، كما خيّل إليّ، أمر مراوغ كذلك. فعندما كنت أصعد إلى السرير وحدي في شقّة لا يشاركني فيها أحد، لم يكن يغمض لي جفن لا في الليل ولا في النهار. ففي الليل، كان يخيّل إليّ أن قطع الأثاث تهمس لي، تقاسمني حكاياتها بنبرات واطئة، لأن أشخاصاً آخرين كانوا يمتلكونها قبل أن تصبح لي. فأستلقي على هذا السرير الذي أظلّ صاحية فيه، السرير الذي ربما كان أحدهم قد مارس عليه الجنس، أو أراق عليه دم، أو ربما مات عليه.

وبدلاً من أن أستلقي لأطارد النوم، كنت أخرج وأتسكع لتزجية الوقت. ويوماً بعد يوم، كنت أمشي لمدة ساعة إلى شارع كوريا وأتسكّع فيه بضع ساعات ثم أعود أدراجي إلى البيت. وذات يوم صادفت تشيه-غوم في أحد مخازن البقالة الكورية. فقد كنت أقلّب البضائع المصفوفة على الرفوف، عندما أحسست بنقرة خفيفة من أصابعها على كتفي. لم أر تلك النظرة القلقة التي كنت رأيتها في عينيها عندما زارتني في غرفتي في الفندق. بل حيّتني وقد أنارت وجهها الخجول ابتسامة واسعة أطلقت فيّ فيضاً جميلاً من المشاعر. ربما أحسست بالسعادة لأني رأيت شخصاً أعرفه في هذا الشطر من العالم.

في عصر ذلك اليوم، ظلت تشيه-غوم ترافقني طوال فترة تسوقي. وأشارت إليّ بأنّني أستطيع أن أشتري هذا أو ذاك بسعر أرخص في الأسواق الصينية المفتوحة. وعندما امتلأت سلة التسوّق وثقلت، تقدمت نحوي من الوراء دون أن ألاحظها وحملت السلة عنّي. ربما كان ذلك بسبب زوال التوتّر الذي انتابني في الفندق، ذلك التوتّر الذي نشأ عندما انتقلت النقود مني إليها والتوتّر الذي أحدثته فيّ اللغة الكورية التي نطقتها تشيه-غوم والتي بدا لي أنها تحسنت اليوم، مع أنها كانت لا تزال، بلا ريب، ركيكة كما كانت في ذلك اليوم. ثم أشارت إلى كعكة سمك رفعتها بيدها وسألتني ماذا يسمونها باللغة الكورية. وعندما أجبتها، قالت: “ألا تُسمى eodaeng؟” لعلها تقصدodaeng، لكن لم تكن لديّ الرغبة في تصويبها. فمن ناحية، ماذا يهم أن تنقل المعنى إلى آخرين، ومن ناحية أخرى، لم أشأ أن أثير مشكلة أنها أخطأت في نطق كلمة لأنها يجب أن تواجه حواجز اللغة البسيطة في المستقبل. لكن، بعد كل ما قيل، ألا يخُتزل كلّ شيء باللغة؟ لم أجد الكلمات المناسبة للتعبير عن ذلك.

كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما خرجنا من المخزن. ثم لفتت انتباهي اللافتة الصفراء المألوفة لمطاعم ماكدونالد. ولما كنت أبدي حذراً من تناول الطعام الصيني الغريب، حتى برفقة تشيه-غوم التي كانت تصحبني لتترجم لي، ولما كان الوقت لا يزال مبكّراً على تناول طعام العشاء، فقد سألتها هل تمانع في تناول هامبرغر. قالت لي إنهم يطلقون على كلمة هامبرغر في الصين اسم “هانبوا”، ويطلقون على ماكدونالد اسم “مايدنغالو”، لأنه قلما تجد الكلمات الأجنبية طريقها إلى اللغة الأمّ، ولا يفهم الناس كلمة “كولا” إلا بعد لفظها بلوي اللسان “كيلي”، وتلفظ عبارة البطاطا المقلية “شوتيا”. ولا يوجد فرق إن لفظتها ماكدونالد أو مايدنغالو. وبسرعة وببساطة، مخيّلة معلّبة – النهاية تكمن في الرأسمالية – بدأت ماكدونالد تظهر في الشوارع الصينية.

كان المحل يشبه المحلات الموجودة في كوريا تماماً، ومثلها فهي تعجّ بالشباب. ومثل خالة ترافق ابنة أختها الشابة، تبعتُ تشيه-غوم لنجلس إلى طاولة فارغة. وطاردت رائحة الهامبرغر المألوفة ورائحة المقالي الرائحة الغريبة المنبعثة من الشارع، فهدأ الاضطراب في معدتي. وطلبت تشيه-غوم بعض المقالي وعلبة كولا، ولم تقبل دعوتي لها لتناول ساندويتشة هامبرغر، لأن أباها ينتظرنا على العشاء. لم تكن لديّ شهية لتناول الطعام، فقد رحت أرشف من علبة الكولا وأحدّق من النافذة إلى الشارع وقد بدأ الظلام يخيّم وبدأت الحياة تدبّ في أضواء النيون، الواحد تلو الآخر. وسرعان ما غلّف الظلام كلّ شيء أجنبي في الشارع.

كانت تشيه-غوم قد عادت مع أبيها بعد أن تركت العمل في المصنع استعداداً للسفر. وعندما سألتها ما هي الأشياء التي يرغب شخص صيني كوري أن يشتريها من محل صاحبه شخص كوري، قالت إنها ذهبت إلى المحل لصرافة بعض النقود الكورية التي كان خطيبها قد أعطاها لها بعد قدومه إلى الصين. وكانت تشيه-غوم قد قررت في البداية أن تحتفظ بالنقود حتى تعود إلى كوريا، ثم قالت إنها غيّرت رأيها، وصرفتها باليوان، وستمنحها الآن إلى أبيها، الذي يعيش وحيداً تقريباً، وقالت: “إنه يحتاجها أكثر”. ورمتني بنظرة جديّة. كان يبدو أنها تريد أن تحصل على موافقتي.

“إنك ابنة صالحة”.

“أبي ليس على ما يرام، فقد أصيبت ساقه في حادث سيارة، وهو لا يرى في إحدى عينيه… هذه”، قالت ذلك، وأشارت إلى عينها اليسرى. مشوشة، نظرت إلى عينيها مباشرة، شاعرة بأن ما كانت تشير إليه لم تكن عينها، بل اللون الداكن القابع وراءها. وبينما تابعت تشيه-غوم حديثها، تبعت نظرتي الإصبع الذي استعملته للإشارة إلى عينها، والذي راحت تستخدمه الآن لالتقاط قطع البطاطا المقلية.

ثم قالت: “لقد رأى أبي عندما كان طفلاً رجلاً يموت”، وأضافت، “ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يستطيع أن يرى. ومن حسن حظه أنه شاهده بعينه اليسرى، لأنه لو رآه بعينيه كلتيهما، لأصب Xiazi  “شازي”. هل تعرفين ماذا تعني شازي؟”

“شازي؟” تساءلت، عندما كوّرت تشيه-غوم يديها فوق عينيها، وأدركت أنها ربما كانت تقصد “أعمى”. كانت هناك بقعة حمراء من صلصلة البندورة على ظاهر يدها. ميدانغلاو، صلصلة البندورة، صينية كورية، رجل نصف أعمى، وأنا –  بدا كأنه ألقي بنا جميعاً معاً بالصدفة، مثل طاولة ذات أرقام عشوائية.

فعندما كان في الثامنة من عمره، أي منذ قرابة 50 سنة، رأى رجلاً ينفذ فيه حكم الإعدام. ففي بقعة غير بعيدة من قريته، كانت فرقة إعدام تتهيأ لتنفيذ حكم الإعدام بأحد المجرمين. وتجمهر عدد كبير من الناس الذين أثاروا سحابة كثيفة من الغبار حجبت الرؤية عن المكان الذي سينفذ فيه الإعدام. كان الجو حاراً، وكانت أشعة الشمس شديدة السطوع، وكان الناس يقفون على أطراف أصابعهم، يتدافعون للحصول على مكان يرون فيه بشكل أفضل. هذا كان ما سيراه فتى في الثامنة من عمره، وعلى الرغم من تعابير أمّه الغاضبة التي طلبت منه أن يعود إلى البيت، فقد تبعها، وراح يمطّ رقبته ليرى ما يمكنه أن يراه من وراء وركها. كان السجين الذي عُصبت عيناه، وقُيِّدت يداه وراء ظهره، واقفاً أمام حفرة. وكان الفتى يسمع الكبار يتهامسون. وبعد أطلقت النار على السجين، قيل إن الجنود سيتوجّهون إلى بيته لمطالبة أسرته بتسديد ثمن الطلقات التي قُتل بها. حتى أن السجين لم يكن يستحقّ ثمن الطلقات التي قتل بها لأنه ارتكب هذه الجريمة الشنيعة. ولعل الكبار اختلقوا هذه الحكاية لبثّ الخوف في نفوس الأطفال الذين تجاسروا على المجيء لمشاهدة عملية الإعدام، لكن والد تشيه غوم كان لا يزال يصدّقها بعد مرور خمسين سنة. كما أُجبر السجين على أن يحفر بيده الحفرة التي أصبحت قبره، وتقول القصّة إنهم أردوه قتيلاً، وتركوا وراءهم جثّة عليها دين. ولم يعرف والد تشيه-غوم ما هي الجريمة التي كان قد ارتكبها ذلك الرجل. لكن كل ما علق بذاكرته خلال هذه السنوات هو ثمن الطلقات الذي كان الرجل مديناً به… كان ذلك كلّ شيء.

وفي يوم تنفيذ الإعدام، كان الفتى خائفاً، لكن فضوله غلب عليه. وقد تجمهر في المكان حشد كبير من الناس، فحشر نفسه في الفراغ بين أرداف الكبار، وتمكّن من رؤية كلّ ما حدث. جرى كلّ شيء بسرعة، فقد انطلقت بضع طلقات، وسقط السجين في الحفرة مثل فزّاعة مصنوعة من القشّ. انتهى كلّ شيء في ومضة عين. وحلّ صمت مطبق وسط سحابة الغبار المتصاعدة، وكسر هذا الصمت العميق صوت الطلقات، وانبعث عمود متموّج من دخان البارود. وبعد مرور خمسين سنة على هذه الحادثة، لا يزال والد تشيه-غوم يتذكّر تلك الرائحة التي فغمت أنفه. رائحة البارود… أو رائحة الموت، أو رائحة الصدمة التي تملكت الأشخاص الذين كانوا لا يزالون واقفين.

***

انتهى ذلك اليوم في شارع كوريا بدعوة وجّهتها لي تشيه-غوم لمشاركتها هي وأبيها طعام العشاء. وراحت تبحث عن الكلمات الصحيحة عندما نهضنا عن الطاولة التي كنا نجلس إليها في مطعم ماكدونالد، وبذلت جهداً لكي تبدو مبتهجة عندما سألتني هل أريد أن ألبي دعوتها.

“سيذبح أبي كلباً هذه الليلة”، قالت، “فهو يجيد طهي لحم الكلاب. إنه أفضل شخص يحضرّها في قريتنا! ألن تشاركينا طعام العشاء؟”

يا إلهي… انثالت الكلمات من فمي عندما فهمت قصدها. فهذا الرجل المشلول الساق، الذي لا يرى بإحدى عينيه، والذي كاد أن يصبح “شازي”عندما رأى فرقة الإعدام تعدم السجين… تدعوني تشيه-غوم لزيارتها في بيتها لتناول لحم كلب يطهيه هو. لحم كلب!

“يريد أبي أن تخبريه عن أمّي”، أضافت تشيه-غوم، عندما أحسّت بالضيق الذي انتابني. فقد كانت أمّها قد غادرت إلى كوريا قبل ستّ سنوات، ولم يرها والداها منذ ذلك الحين، والأهم من ذلك، أنهما لم يقيما في البيت نفسه، طوال تلك الفترة.

ومع أنني لم أكد أعرف شيئاً عن أمّ تشيه-غوم، والنذر اليسير الذي عرفته عنها، كان من أمّي. “حتى العشب لا يمكن أن ينمو تحت قدمي امرأة ماكرة كهذه…” بهذه الكلمات وصفتها لي أمّي. والأسوأ من ذلك، أنني لم أكن أعرف أمّ تشيه-غوم من بين النساء الصينيات الكوريات اللاتي يعملن في مطعم أمّي. وفي الواقع، كان لديّ انطباع بأنها جاءت من يان بيان حتى ذلك اليوم الذي ذهبت فيه لأودّع أمي قبل مغادرتي إلى كوريا. وعندما دسّت في يدي النقود التي سأعطيها لابنتها، قالت إن المدينة التي سأتوجه إليها هي مسقط رأسها. وكنت أظن أنّ مسقط رأس جميع الصينيين الكوريين الذين يعيشون في كوريا هو يان بيان، وعندها فقط عرفت أنه توجد قرية صينية كورية تعيش فيها 1500 عائلة على أطراف المدينة التي سأذهب إليها.

ما الذي يمكنني أن أحكيه له عن زوجته وعن حياتها في كوريا؟ لكني لم أرفض الدعوة. فقد كنت أرغب في رؤية هذا الرجل ولو لمرة واحدة – هذا الرجل الذي كاد يفقد بصره تماماً عندما رأى رجلاً يُعدم… والذي يحمل، منذ ذلك الحين، روح رجل ميت. لكن من هو الشخص الذي كنت أريد أن ألتقي به حقاً، والد تشيه-غوم أم الروح الميتة؟

استقللنا الحافلة المتوجهة إلى قرية تشيه-غوم على أطراف المدينة. ورأيت عدداً من المسجونين متجمهرين وسط الطريق، بين المشاة والدراجات. كان السجناء حليقي الرؤوس، يرتدون أردية صفراء، ويهوون بمطارقهم الثقيلة لإزالة الزفت القديم بغية تعبيد طريق جديد فوقه. بدا لي أنهم يشيّدون مدينة جديدة كاملة بعد أن هدموا كلّ شيء قديم فيها، كأنّ كلّ شيء موجود عند كلّ ناصية في المدينة يُهدَّم ويبنى من جديد، يوماً بعد يوم.

أما التنمية الحضرية التي أمكنني رؤيتها من نافذة الحافلة ونحن نبتعد عن وسط المدينة، فقد خيّل إليّ أننا نعود عشر سنين إلى الوراء. فقد اختفى عقد كامل من الزمن من هذا المكان الذي يوجد فيه موقف للحافلات، وحلّت ناطحات سحاب وشوارع عريضة محل البيوت القديمة التي كانت قائمة، تليها لوحات إعلانات مكتوبة باللغة الكورية، التي تختلف كثيراً عن اللوحات التي رأيتها في شوارع كوريا. وسرعان ما ظهرت مجموعات من البيوت المشيدة بالآجر الأحمر في القرية الزراعية التي تعيش فيها تشيه-غوم ووالدها.

ازدانت سماء المساء بلون الشمس المائلة إلى الغروب والحقول الذهبية الدافئة بالوهج الذي غمرني. وبدت حقول الرزّ الممتدة على مدى البصر، تتخللها بقع عارية لا تزيد مساحتها عن شبر هنا وهناك في البقع المحصودة. وفي هذه البقع الفارغة، كانت تتكدس حزم أعواد الرزّ، حيث كان المزارعون، الذين كانوا أشبه بفزّاعات، يواصلون حصادهم مع حلول الظلام. ولفت نظري وميض ضوء ذاوِ في السماء، ورأيت منجلاً في يد مزارع. وبدا أنه من المستحيل أن يغطّي منجل وحيد حقلاً  كاملاً، بيد أن حزماً أنيقة من سوق الرزّ كانت مكدّسة وراءه في صفوف منتظمة، كما لو كانت في إحدى قصص الجنيات.

ذهبت تشيه-غوم لإحضار والدها الذي كان قد خرج ليذبح كلباً لجارهما، فانتهزت الفرصة لأجول في البيت الذي يوجد فيه مطبخ محصور بين غرفتين. لم يكن بيتهما يشبه البيوت الصينية التقليدية التي رأيتها في الأفلام، ولاسيما الأرضية التي بدت لي مرتفعة قليلاً، عندما تفحصتها. وعلى الفور أدركت أنه مشيّد على الطراز الكوري التقليدي، الذي ستخدم فيه نظام الأوندول. فقد غمرني دفء جهاز التسخين الذي تستخدم فيه أنابيب ممتدة تحت الأرضية، وبدأت أشعر أننا ربما كنّا حقاً شعباً واحداً. وبالطريقة الصينية المعتادة، يُعلّق في النافذة الحرف الصيني الأحمر الذي يشير إلى السعادة رأسا على عقب، وتُعقد عقدة صينية تزيينية على الجدار. وضمن هذا الخليط بين الأجنبي والمألوف، كان يوجد سروال رجل معلّقاً على خطّاف، وقد انتفخت إحدى ركبتيه.

لم تمض فترة طويلة حتى تناهى إليّ صوت خطوات منتظمة، وأخرى غير منتظمة. لا بد أن الخطوات المنتظمة هي خطوات تشيه-غوم، أما الخطوات غير المنظمة، فلا بد أنها خطوات والدها، لأنها تدلّ على خطوات شخص يميل إلى أحد الجانبين، ثمّ يترنّح إلى الأمام. حبستُ أنفاسي وأنا أحدّق في الظلام إلى الطرف الآخر من النافذة. وكان يسير خلف تشيه-غوم رجل يترنح إلى الأمام والوراء في نصف قوس مثل بندول مكسور… يعرج، ويعرج. رمشت عيناي، وبذلت جهداً حتى أتمكن، في عمق الظلام، أن أرى ما بدا ظلّاً يسير وراء الرجل الأعرج، كما ورد في الأسطورة القديمة التي تروي قصة رجل علق ظلّه في ظهره، ولازمه طوال حياته. ربما لم تكن تلك سوى خدعة لعبتها عيناي في ضوء المصباح المرتعش.

حدث كلّ ذلك في لحظة. فلم يعد يرى في عينه اليسرى في ذات اللحظة التي رأى فيها الرجل يموت. على الأقل، هذا ما قاله. فعندما بدأ القرويّون يعودون إلى بيوتهم بعد تنفيذ الإعدام، سار الفتى وراءهم. كان يبكي، لكنّه أحسّ أنّ الدمع يذرف من عين واحدة فقط. سرت قشعريرة في جسده، لكن أحداً لم يكترث بسؤاله عن سبب حزنه أو عن سبب بكائه. فقد كان الكبار يسيرون، حابسين أنفاسهم، غير مصدقين أنهم عائدون إلى بيوتهم، وأنهم لا يزالون في عداد الأحياء. ثمّ، وبلمح البصر، تبدى لهم أنّهم لم يكونوا هؤلاء الأشخاص الذين ظلوا أحياء، بل مجرد خيالات. وكما لو أنّهم سمعوا جرس إنذار، أخذوا يغذون الخطى غير آبهين بوجود الآخرين، وقد تملّكهم شعور لا يطاق من القلق.

سار الفتى، الذي كان يبكي بعين واحدة فقط، وحيداً بعد أن لم يعره أحد من الكبار أي اهتمام.كان متأكداً من أن العين التي لم يعد يرى بها هي العين التي رأت عملية الإعدام، مع أن أحداً لم يقل له ذلك، ولا بد أن العين السليمة هي العين التي كانت تضغط على أرداف الكبار الذين حجبوا عنه الرؤية. لقد توقّفت عينه اليسرى عن ذرف الدموع عندما رأت الموت، ولم يتضح لي هل أدرك ذلك فوراً، أم في فترة لاحقة خلال السنوات الخمسين التي تلت تلك الحادثة. لكن لا شكّ أنه كان يعرف أنّ العين التي لم تعد تذرف الدموع لن ترى ثانية، أو أنها لن تتذكّر شيئاً سوى موت ذلك الرجل. وفي السنوات التي تلت ذلك، رأت عينه السليمة مشاهد أشدّ فظاعة من عملية الإعدام تلك التي أعمت عينه اليسرى. فقد شهدت فظائع يمكنها أن تجعل كلّ ما رأته العين التي عميت، أمراً تافهاً.

“لا بد أنني فقدت عينيّ كلتيهما في ذلك الحين، منذ أمد بعيد… ثمّ لم أعد أرى شيئاً”.

بعد أن ذبح والد تشيه-غوم الكلب لجاره، شرب حتى سكر، وراح يكرّر كلماته ببطء، مرات عديدة، كأن عملية الإعدام قد جرت البارحة. كان تماماً كما أخبرتني أمّ تشيه-غوم عنه.

“لم يعد يرى بعينه لأنها أصيبت بمرض”، قالت تشيه-غوم، “إذ يقول الناس إن وباءً انتشر في تلك السنة”. من الواضح أنها كانت مستاءة من والدها السكران، وانزعجت لأنه لم يسأل عن زوجته. فقد كانا يعيشان منفصلين منذ ستّ سنوات، لأن زوجته غادرت إلى كوريا لتعمل وتجمع رسوم دراسة ابنهما في الجامعة. ولم ترجع البتة، لا عندما فقد زوجها ساقه، ولا عندما مات ابنهما في حادث سيارة. كان كلّ ما حكاه والد تشيه-غوم هو ذكريات طفولته، كأن لم يكن لزوجته وجود.

“كانت تلك المرة الأولى والوحيدة التي رأيت فيها رجلاً يموت في لحظة. أما عندما مات ابني، فقد كان أمراً فظيعاً. إذ كان غارقاً في الدم، وكانت أطرافه تتدلى باسترخاء. لقد عانى طويلاً قبل أن يموت. ولا أزال أسمعه يقول: “أبي، إني أتألم كثيراً، الألم شديد”، وكنت أقول له إنّ الألم سيتوقف قريباً، لكنّه لم يتوقف. ظلّ يتألم طويلاً. كان يجب أن يتوقف الألم”.

“كفى، أرجوك. لقد سئمت من ذلك”، انفجرت تشيه-غوم غاضبة، غبر عابئة بوجودي إلى جانبها. وعندما بذلت جهداً لتتمالك نفسها، أخذت نفساً عميقاً، وراحت تلهث بشدة. ثم قالت بصوت مسموع: “أريد أن أعيش بهناء! أريد أن أعيش حياة سعيدة”.

رمقها والد تشيه-غوم بنظرة ساهمة، وهزّ رأسه بسأم. لقد جعلته الساق المتصلبة الممدودة أمامه يبدو ضعيفاً، وظلّ يتكلم كأنه يدمدم لنفسه.

“نعم، هذا صحيح. فأنا لم أعترض على زواج ابنتي. يبدو أن ذاك الرجل الذي سيصبح صهري… ذاك الرجل الذي لا  يصغرني إلا باثنتي عشرة سنة، هو شخص لم ير أشياء لا يفترض أن يراها. فأنا أعرف من وجه الشخص إن كان قد رأى أكثر مما ينبغي أن يراه، لذلك لم أعترض. بالطبع لم أعترض. لكن المسكينة… تشيه-غوم لا تعرف ماذا يمكن لعينيَّ القديرتين أن ترياه. فهي لا تفهم أنّ هناك شيئاً أسوأ من الموت… العيش. يجب على هذه العين أن ترى كلّ هذه الأشياء التي لا تطاق… كلها، ببطء ولفترة طويلة … مثل عظام الكلب التي تغلي في قدر على نار هادئة حتى ينسلخ اللحم عن العظم، حتى يجف النخاع … لفترة طويلة جداً…يجب أن تراقب كلّ هذه الأشياء مرات ومرات”.

أحكمت تشيه-غوم قبضتيها، وكانت على وشك أن تصرخ في وجه أبيها، عندما أدار رأسه والتفت إليّ، وقال: “أظن أنك تفهمين قصدي… كما تعرفين…”

لم تكن لديّ وسيلة أعرف من خلالها هل كان ينظر إليّ بالعين التي تقبع فيها روح الرجل الميت، أم بالعين التي أُجبرت على رؤية كلّ الأشياء التي لا يمكن تحمّلها. سرت رعشة في جسدي كله. تنهّدت تشيه-غوم، وفتحت قبضتيها واعتذرت عن سلوك أبيها، وقالت: “أرجوك، فقد ثمل أبي. إنه يهذر هذا الكلام للجميع عندما يسرف في الشراب”.

هل تقول الصدق؟ هل حقاً يكرّر الكلمات التي رددها مئات المرات من قبل؟ كلمات يقولها للجميع؟ في تلك الليلة، كتبتُ رسالة طويلة إلى زوجي. لم تكن الرسالة الأولى. فقد دأبت على الكتابة له كلّ يوم تقريباً، بالطريقة القديمة، باستخدام قلم حبر وليس بالبريد الإلكتروني. وضعت ورقة بيضاء على طاولتي. وما إن بدأت بالكتابة حتى جفّ الحبر تحت ريشة القلم، لكني لم أعبأ بذلك وواصلت الكتابة. كنت أنوي أن أدوّن ما جرى لي في ذلك اليوم، لكنّي، أثناء الكتابة، عندما وصلت إلى السطر الذي تشكلت فيه بقعة حبر، وجدت نفسي أغرق في مشاعر رقيقة.

أرجو أن تفهموا السبب الذي دعاني إلى أن أروي لكم هذه الحكاية الكئيبة. في الواقع، ربما كنتم تظنون أنني لم أكن أريد أن أحكي قصّته، بل قصّتي. في ذلك المساء، عندما عدت إلى البيت بعد أن استمعت إلى قصّته، سرعان ما غططت في النوم، لكن لفترة قصيرة، وحلمت بأنني أنا هو ذلك الفتى الذي لم يتجاوز الثامنة من العمر، والذي رأى عملية الإعدام. وبدلاً من أن يدفعني حب الفضول، أحسست بأنني أختنق – فقد كنت أنا من أعدمته فرقة الإعدام. وعندما انهمر الرصاص، سقطتُ في الحفرة، وشققتُ طريقي عبر سحابة الغبار حتى أنظر إلى الداخل. كنت تستلقي هناك وعيناك مفتوحتان على وسعيهما، عينان مليئتان بالخوف. وعلى نحو غريب، أتذكّر أنني نظرتُ إليك وقد وضعت إحدى يديّ على عيني. وعلى الرغم من أن عينيكَ كانتا مفتوحتين على وسعيهما، كنتَ تبدو منهكاً، كأنك تقول إن الطريق إلى الموت طويل ومضن. وفي حلمي قلت لك: ارقد الآن بسلام. أرجو أن تكون دافئاً في تلك الحفرة. وأُهيل التراب على جسدك المتعب، وعيناك لا تزالان مفتوحتين على وسعيهما. كنت آمل أن تشكرني، ولو في الحلم. لكنّك، أنت الذي كنت منهكاً، لم تفكّر حتى بشكري…

لم أرسل الرسالة التي طالما أجّلتها إلا بعد أن اتصلت بي تشيه-غوم وقالت إنها أصبحت مستعدّة للسفر إلى كوريا. وعندما كنت متوجهة إلى مكتب البريد، أخبرتُ معلّمتي أن تشيه-غوم ستسافر قريباً. وعلى الرغم من أن تشيه-غوم هي التي عرّفتني على المعلّمة، فلم تلتقِ المرأتان من قبل. فقد كان أحد الأصدقاء أعطى تشيه-غوم اسم المعلّمة، لذلك، كان كلّ ما كانت تعرفه معلّمتي عن تشيه-غوم هو أنها ستغادر قريباً. وعندما سرنا معاً، أخبرتها بأنها حددت موعد مغادرتها، وأضفت: “فإذا أنجبت طفلاً، فإنه سيحمل الجنسية الكورية”. أسرعت معلّمتي الخطى فجأة، وبدا أنها انزعجت مما قلته.

قالت: “أنا لست مقتنعة بفكرة أرض الأجداد أو بالجنسية، فالذين يحلمون بالذهاب إلى كوريا لا يؤمنون إلا بشيء واحد وهو المال. لا أعرف ماذا سيقول آباؤنا وأجدادنا، لكنّهم أصبحوا طاعنين في السنّ. والشباب هم الذين يؤمنون بالمال. لا نستطيع أن نتوقّع الكثير من الصين؛ وهنا أيضا، لا يستطيع الناس أن يعتمدوا على أيّ شيء سوى المال. لكنّ إيماننا بكوريا أقل. الجميع يقولون ذلك”.

لعلها كانت تحسد تشيه-غوم لأنها ستسبقها إلى كوريا. وكما قالت لي، فإن النقود هي الشيء الوحيد الذي تؤمن به أيضاً، والنقود التي تؤمن بها موجودة في كوريا.

كانت الرسالة التي كنت أزمع إرسالها إلى زوجي قصيرة لم أذكر فيها مواضيع كالموت أو الذاكرة. “لم تصل النقود بعد. أرجو إرسالها في الموعد المحدد”. لكن على الرغم من مضي عشرة أيام على كتابتي هذين السطرين، لم تصلني النقود. وعلى الرغم من أنّني لم أكن بحاجة إليها مباشرة، فقد انتابتني رغبة ملحّة في أن أقسو عليه.

اضطربت أصابعي التي علقت بها كمية من الصمغ، عندما حاولت أن ألصق الطابع على المغلف. عندما مسحت أصابعي من الغراء اللاصق، قلت لنفسي إن ذلك لم يكن سوى تدفق شيء من الأدرينالين. فلم نصبح مطلقين بعد، ولا يعلم أحد بأنني انفصلت عنه. لقد غيّرت مسار حياتي قبل أن يلاحظ ذلك أحد، قبل أن تكبر ابنتي لتعرف أنّ حياتها كانت تسير في طريق الفشل.

قلت لأمّي وأشقائي وأصدقائي إن الحياة في الصين ستجعل ابنتي مواطنة عالمية، لأنها ستتعلّم  اللغتين الصينية والإنكليزية في مدرستها الدولية الجديدة. وقلت لهم إننا، أنا وزوجي، مستعدان للتضحية من أجل مستقبلها، حتى إننا قلنا على سبيل المزاح أن الوقت قد حان لكي نستمتع بلمّ الشمل العاطفي بعد انقضاء فترة طويلة على انفصالنا، واشتياق أحدنا للآخر، لأننا سنعيش معاً إلى الأبد. لم يبد أحد قلقه، ربما لأن حفنة من الأصدقاء تمكنوا من تحقيق هروبهم العظيم. وعلى الرغم من القلق الذي كان يعتريني، فقد تماديت في هذه المزحة، مع أنني كنت أخشى دائماً ألاّ يروق ذلك للآخرين. وفي فترة ما، شعرت أنا نفسي بأنني أصدق قصّتي. وفي الأيام الأخيرة، وقبل أن أغادر، كدت أنسى الفرق الكبير بيني وبين زوجي. ووجدت نفسي قلقة كيف سيتدبّر أموره بدوننا. فلعلي كنت سأتخلى عن الخطة بذريعة الإذعان لرغباته، لو أنه قال: “لا تذهبي” أو “هل عليك حقاً أن تذهبي؟” ربما… لكن كان كلّ ما قاله: “لماذا الصين؟”

نطق هذه الكلمات، لكن لم تكن في صوته نبرة استفهام، وكان من الواضح لي أنه لم يكن يتوقّع رداً.

لماذا الصين؟ سألني آخرون هذا السؤال عدة مرات، وكنت أجيبهم في كلّ مرة الرد نفسه: “إن القرن الحادي والعشرين هو قرن الصين”. وأجابت إحدى المتهكمات: “لن تتمكني من اللحاق بالأغنياء الذين يستطيعون إرسال أولادهم إلى الولايات المتحدة أو كندا”. إنها محقة طبعاً. فهذه هي الحقيقة الصارخة. لكني لم أكن أعبأ بذلك. لم أكن أعبأ إن كنت سأسافر إلى الولايات المتحدة أو إلى الصين أو إلى بلد غير معروف في أفريقيا، طالما أصبحت ممثلة في مسرحية لا يوجد فيه دور لزوج أو لأب.

لماذا الصين؟ السؤال الذي لم يسأله زوجي حقاً يختلف عن السؤال الذي طرحه أقراني المتعجرفين، الذين كان هدفهم السخرية مني. فعندما كنّا لا نزال طلاباً في الجامعة، عندما كان الشباب – الذي كانت ناره تتأجج بالآمال والمعتقدات – يفوق التطبيقات العملية في حياتنا، درسنا معاً تاريخ الثورة الصينية سرّاً، في غرفة كنت تحتاج إلى كلمة سرّ للدخول إليها، لأن الصين آنذاك كانت فاكهة محرّمة. وللحظة، وكأنه تذكّر تلك الأيام، رمقني بعينين مليئتين بالأسئلة وبإشارة تشي بالانزعاج. لكن بالسرعة التي حدثت فيها، تلاشى إبداؤه النادر للعاطفة. وقلت: “لم أكن لأختار الصين، لكنك لا تستطيع أن تدفع نفقات إقامتنا في مكان آخر”. عندها تراجع إلى حقيقته… حقيقة تخلو من الذكريات.

عندما يكون صاحياً، كان يمضي جلّ وقته خارج البيت. فقد كان يخرج إلى عمله قبل موعد الإفطار ويعود إلى البيت عند ساعات الفجر الأولى وسرعان ما يغط في النوم. كان يعمل في معظم عطل نهاية الأسبوع، وعندما لا يكون في المكتب، فقد كان يعمل عملاً له صلة بعمله. وخلال تلك السنوات، لم أتمكن من أن أتبادل معه أكثر من بضع كلمات، لأنني قلما كنت أراه مستيقظاً. ونصحني بعض أصدقاء أن أبحث إن كان على علاقة بامرأة أخرى، لكني أعرف أنه لا توجد امرأة في حياته. حتى لو كان مرتبطاً بامرأة أخرى، فإني أشكّ في أن لديه الوقت الكافي ليعبّر لها عن حبه. فقد كان يسحره شيء آخر غير  النساء.

أردت، بل وحاولت أن أفهمه. فخلال ثلاث سنوات كاملة، عرضت عليه المجلة التي كان يعمل فيها العودة إلى العمل، فلم يكن يعمل في ذلك الحين، ولم يكن يكسب شيئاً. وكنا نتدبر أمورنا بالمبلغ القليل الذي كنت أكسبه من عملي في الترجمة بالإضافة إلى المبلغ الذي كان يعطيه له والده. وخلال تلك السنوات التي حاولت فيها أن أفهمه، لم يكن السبب غضبه، بل إحساسه بالمهانة. ربما لم تكن أمامه خيارات أخرى. فعندما ترك العمل كان في منتصف الثلاثينات من العمر، وعندما عثر على عمل آخر كان قد تجاوز الأربعين، ولم يعد يستطيع أن يتحمّل تلقي رسالة إقالة أخرى، أو أن يرغم على ترك العمل. إذ إن بطالة زوجي طوال ثلاث سنوات، حوّلته من رجل حازم ذي مزاج ناري، يعتبر نفسه فوضوياً عندما يسكر، وطاف أرجاء العالم من خلال الكتب، إلى رجل قانع، راض بأن يحافظ على كرسي المكتب دافئاً.

وعندما عاد إلى العمل، بذلت ما بوسعي لأفهم حقيقة ما يجري، ووافقت على ترجمة كتاب سيء، لنتمكن فقط من توفير النقود التي كان قد بدأ يجلبها إلى البيت ثانية. وحرصت على تخزين الأدوية الشرقية في كلّ ربيع وخريف لتقوية نظام مناعته. ومرت سنة، ثمّ سنتان، ثمّ خمس سنوات، هكذا، وكنت أنا، لا هو، من يعاني من المهانة وأصبحت أكثر خنوعاً. ومرت أيام كان ينظر فيها إليّ بتعابير مندهشة كأنه لم يعد يعرفني. من هي هذه المرأة؟ كان السؤال في عينيه يطلق لحظة قصيرة من الاضطراب، لكن عندما كانت تزول، يكون قد فقد أيّ رغبة في معرفتها. حسناً… ليست هي فقط، بل هو أيضاً. وبدا أن المواضيع الوحيدة التي بدأت تثير اهتمامه تنحصر في معرفة رصيد حساباته المصرفية والراتب التقاعدي الذي سيتقاضاه عندما يحال على التقاعد. وكان يعمل بجدّ لكي يحصل على ترقية، لكنه لم يكن يبالي بسؤال نفسه لماذا. وبدا أنه لم يعد هناك شيء نريد أن نتحدث عنه.

وذات مرة، في تلك الأيام، رنّ الهاتف بعد منتصف الليل. فقد اتصل أحد الزملاء ليخبرني بأنه يرافق زوجي السكران إلى البيت في سيارة أجرة بعد أن غاب عن الوعي، تركت رفيقه الذي لم يكن يعرف ماذا يفعل، لأنه كان يبدو عليه السكر أيضاً، وهرعت إلى الشارع الحالك الظلمة، فوجدتهما في حانة صغيرة على قارعة الطريق، وقد اصطفت أمامهما زجاجات جديدة. كان زوجي ينشج، وقد أسند رأسه إلى الطاولة.

لم يكن رفيقه قادراً على الجلوس باستقامة لشدة سكره، لكنّه تمكن من إفهامي، متوسلاً، “ليكن عندك قلب. فالمرء يكسب رزقه في حفرة من الخراء في هذا البلد… إنك تعرفين هذا الخراء. إن الحياة كلها خراء”.

أمسكت لساني وشبكت ذراعيَّ تحت ذراعيْ زوجي. كان كل ذلك يجري في الحيّ الذي نقيم فيه، وكنت أرى وجوهاً مألوفة تراقبنا. لم تكن عيون جيراني المحدّقة هي التي أزعجتني بقدر ما أزعجتني عدم مقدرتي على فهم سبب بكائه. أحسست بأنني محطمة لأنني أدركت، مهما طالت سنوات حياتي، أنني لن أتمكن من فهم سبب ذلك. وما زاد في انزعاجي أنه لم يكن يعرف أيضاً سبب بكائه. فقد بدا هذا الرجل المتوسط العمر، الذي كان يبكي، والذي لم يكن قادراً على السيطرة على نفسه، والذي دفن رأسه بين يديه، مثيراً للشفقة – زوجي. لو كان قد أعلمني لشاركته في البكاء.

لكن في تلك اللحظة بالذات، عندما حشرت ذراعيّ تحت إبطيه لأرفعه إلى الأعلى، دفعني بقوة يبعدني عنه، كأنه يبعد شيئاً بغيضاً. وراح يكيل لي الشتائم، ووقعت على الأرض.

“أيتها العاهرة، ألم أطلب منك أن تمصّيه؟ ألا تجرئين على فتح ساقيك القذرتين. هيا مصّيه”. تابع صراخه، “لا يمكنني أن أجعله ينتصب. عليه اللّعنة، لقد مضى على ذلك وقت طويل. إنه لا ينتصب… لم يخطر ببالي قط أن الأمر سينتهي به هكذا. لكنّ… هذا كلّ شيء”.

هذا كلّ شيء. قال تلك الكلمات بوضوح ضوء النهار، لكن ماذا كان يقصد؟ لقد فقد عمله منذ فترة طويلة، ولم يتبق له الآن شيء. لكنّي أدركت أيضاً أنني لم أعرف ماذا كان يعني له كلّ شيء، لذلك كيف يمكنني أن أعرف ماذا تعني لا شيء؟

في لحظة ما في تلك الليلة، وجدت نفسي أقف فوق زوجي، أراقبه وقد غطّ في النوم، وقد دفن أنفه تحت الملاءات الملوّثة بالقيء. في النهاية خطر لي، في تلك الساعة السيئة، أن المشكلة تكمن فيّ، لا فيه. ما الذي كنت أريده منه، ما الذي كنت أريده من حياتي… حياة جديرة بالشوق والاستقرار… على الرغم من أنني لم أستطع أن أجثو على ركبتيّ لإرضائه. وحتى لو كنت أنا المسؤولة، فلن أستطيع أن أغفر له. فلو كان بإمكاني أن أغفر، لجثوت على ركبتيّ أمامه منذ أمد بعيد. وعندما بزغ الفجر، كنت لا أزال واقفة فوق زوجي، لكن نظراتي حطّت في المكان الذي تلتقي فيه درزات بنطاله. لم تكن هناك كلمات يمكنها أن تصف شدة غضبي. فكما قال، كان يعيش مثل كتلة من اللحم الميت منذ أمد بعيد. ويبدو أن هذه الكتلة كانت تعني له كلّ شيء ولا شيء أيضاً.

منذ فترة طويلة، عندما فقد زوجي عمله، كان يزجي وقته في مشاهدة أفلام فيديو عن الطبيعة عندما كان النوم يجافيه، وكنت قلما أشاركه في مشاهدة تلك الأفلام. فقد كنت غارقة في كراهيته لأنه لم يكن يعمل. كنت أرنو إليه ولا أكترث كثيراً بما كان يفعله طوال النهار، حتى لو نهض وخرج من البيت في نفس الوقت من كلّ يوم. لكن كلّ ما كان يفعله هو المكوث في البيت ومشاهدة أفلام على التلفزيون، لا أفلام الجريمة والمطاردة الهوليودية، بل الأفلام الوثائقية المفضّلة لديه عن البقّ والديدان.

ذات مرة، وفي ساعة متأخرة من الليل، شاهدت فيلماً عن بحر متموّج يملأ الشاشة. كانت الكاميرا تقترب وتبتعد، كأنها تبحث عن شيء بلهفة. وكان العنوان المكتوب على غلاف علبة الفيديو “الفراشات في كوريا”. كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، وكان قد ضغط زر الصمت، لذلك التقطت جهاز التحكم عن بعد، ورفعت الصوت، فانطلق صوت يقول بحماسة: “هناك، هناك”. وأسرعت الكاميرا وركّزت العدسة على فراشة تطير فوق سطح البحر الواسع. وعاد صوت الراوي يقول: “ما نراه هو تصوير فراشة جيجو الملكية للمرة الأولى وهي تقوم برحلتها الوحيدة عبر البحر. من الصعب تخيّل أن هذه الفراشة الصغيرة تعبر مئات الكيلومترات في عرض البحر الواسع دون أن تتوقّف لترتاح”.

ضغطتُ الزرّ الصامت باشمئزاز. يا لها من كذبة! فراشة تعبر البحر… مع كلّ الأكاذيب في العالم، فإن الحقيقة الساطعة هي أن الرجل الذي أعيش معه، والد ابنتي، لم يكن إلا طفيلياً تافهاً. وفجأة بدت الكذبة التي تدعى السعادة، التي طالما حلمت بها، تافهة جداً، وبدا أن إمكانية أن أغفر له ولي تفوق قدرتي بكثير.

عندما وصلت إلى الصين لأول مرة كنت أحدق في أي شخص يلوح لي أنه يشبه زوجي. كان يلفت انتباهي المظهر الجانبي لأي رجل، فألتفت إليه لأمعن فيه النظر. كانت الخصلتان على تاج الرأس تشبهان خصلتيه تماماً، كما كان الكتفان مقوسين من العمل في المكتب، ويبدو ردفاه أكثر امتلاء مما ينبغي لردفيّ رجل. وكنت أقول لنفسي إنه ليس هو، وبالرغم من ذلك، فقد كنت أحثّ الخطى وراءه، حتى أنعطف عند ناصية شارع، وأكتشف أنه قد اختفى، أو أنه أصبح رجلاً مختلفاً تماماً.

في أحد تلك الأيام، انعطفت عند ناصية شارع بعد أن فقدته مرة أخرى، ولفتت انتباهي لوحة حمراء فوق واجهة أحد المحلات. فقد كانت لوحات الإعلانات الحمراء شائعة في الصين، وكان ثمة شيء غامض في ذلك. تطلب الأمر وقتاً حتى أدرك أنها صالة وشم. وعلى الرغم من أنه مضى على وجودي في الصين عشرة أيام، فلم أكن أستطيع شراء كيس من الملح من مخزن صيني وحدي، ناهيك عن الدخول إلى صالة وشم، لكن على الرغم من ذلك، فقد قادتني قدماي عبر الباب.

بدأ الظلام يخيّم على المكان، وهاجمت أنفي رائحة لاذعة مثل عطر أو دواء. وعندما اعتادت عيناي على الضوء الخافت، تبيّنت هيئة رجل عجوز يدير الصالة، لكنّي لم أر أي إشارة تدلّ على وجود زوجي أو أي شخص يشبهه. كان الرجل العجوز الذي يرتدي ثياباً صينية تقليدية يجلس وراء طاولة حمراء مستديرة. راح يحدثّني بينما رحت أتفرّج على بعض اللوحات المعلّقة على الجدار خلفه، التي ربما كانت نماذج لتصاميم الوشم، لكنّي لم أفهم ما يقول. كان هناك تنين ونمر وطير يشبه هجيناً بين دجاجة وعنقاء، وبعض الخطوط الصينية… وفراشة.

كانت الفراشة تشبه تعويذة مطلية بالأحمر. اقتربت أكثر لأمعن فيها النظر، فوثب الرجل من على كرسيه، وراح يتمتم في البداية شيئاً غير مفهوم، ثم أخذ يصيح. جازفتُ بالتقدم خطوة أخرى إلى الأمام، وارتعشتُ عندما رأيت قطرات من الماء تتساقط من فوق جناحي الفراشة. ماء بحر. كان جناحا الفراشة المبللان بماء البحر ممزقين. وهيمن على تفكيري تنفّس الحشرة بصعوبة، ورائحة المحلول الملحي الكافي لتحنيط حياة بكاملها.

“هل تريدين وشم فراشة؟” صاح الرجل العجوز، “حسناً. لكنّي يجب أن أحذّرك بأنها خطرة. فإذا وشمت هذه الفراشة، فإنك ستحلّقين فوق البحر طوال عمرك. فقد وشم رجل هذا الوشم على جسده، ثم رأيت ذراعيه وساقيه تعوم في البحر، ثم غمره الماء المالح، وراح يصفق بجناحيه بالرغم من اختفاء جذعه. ثم اختفى الوشم، وتجوّفت البقعة المرسومة فيه. وكان بوسعك رؤية المكان الذي انفصل فيه الجناحان بعد أن طار مسافة طويلة. إن البحر شاسع بالنسبة لفراشة. لم أرغب في أن أرسم له وشم الفراشة. كان كورياً مثلك… الرجل المسكين… في البحر، ولم يتبق شيء من جسمه سوى ذراعيه ورجليه. أين يمكن أن يكون قد ذهب جسمه؟”

بطريقة ما، بعد أن فهمت كلّ كلمة، بعد أن أصبح صوته ناعماً واطئاً، وجدت جسدي كلّه بدأ يرتعش، وراحت قطرات من الماء تتساقط من ذراعيّ وساقيّ، وأحسست أنها تنفصل عني. وكان جسد زوجي ينجرف مع التيار، عيناه مغمضتان بإحكام حتى لا يرى جسده الذي فقد أطرافه.

لم تخابرني تشيه-غوم بعد أن ودعتني، ولعلي لن أراها مرة أخرى. وحتى لو عدت إلى كوريا، فربما لم تعد أمّها تعمل في مطعم أمّي، مع أنني لم أنه عملي معها. أفلم أقل لها: “اذهبي وعيشي حياة رغيدة!” هذه هي المرّة الأخيرة؟ لم أكن متأكدة. لعلي وضعت سماعة الهاتف دون أن أنبس بكلمة واحدة.

وبعد بضعة أيام، سألت معلمتي كيف تقول عبارة “صينية كورية” و “قرية” باللغة الصينية. ثمّ سألتها هل سيفهم سائق سيارة الأجرة إلى أين سأذهب لو طلبت منه أن يقلّني إلى القرية الصينية الكورية. فهمت بوضوح ما أردت أن أفعله، وعرضت أن تأخذني إلى بيت تشيه-غوم لكنّي طلبت منها أن تساعدني فقط في طلب سيارة أجرة. ساومت السائق على أجرة العودة، ثمّ قالت: “رحلة موفقة” وفتحت لي الباب.

استغرقت عودتي إلى القرية 40 دقيقة بعد أن زرت تشيه-غوم. كان بيتها فارغاً، لكن الباب كان منفرجاً، دخلت وتطلعت حولي فرأيت حقيبة كبيرة جديدة. لا بد أنها أنهت حزم حقائبها. انتابتني رغبة مفاجئة في فتحها بقوة، مقتنعة بغرابة، أن تشيه-غوم، التي لم تكن موجودة في هاتين الغرفتين، محشورة في الداخل، عيناها مغلقتان بإحكام مثل شازي Xiazi.

لكني بدلاً من أن أفتح الحقيبة، مددت يدي إلى كتاب ملقى على الطاولة قبالتي. فتحت الصفحة الأولى وقرأت “أنيونغ هيسوي” الكلمة الكورية لكلمة “مرحباً”، وهي أول عبارة نتعلّمها في أيّ دورة لغوية. كانت تشيه-غوم قد كتبت هذه العبارة مرات كثيرة في الهوامش، وهي تتمرّن بخطها الأخرق، تملأ بها صفحة بعد صفحة بخطوط سيئة.

“مرحباً”.

“مرحباً. أنا لي تشيه-غوم”.

“مرحباً. أنا لي تشيه-غوم. أنا كورية”.

غمرت قلبي موجة من الألم. هل كانت كتابتها الخرقاء لعبارة “أنا كورية” أو كلّ تلك “مرحبا”، صفحة بعد صفحة؟ أنيونغ هيسوي، كرّرت تحت أنفاسي. “مرحباً”. “مرحباً، أنا كورية”. أحسست بحفنة من الرمل في فمي لكني ظللت أكرّر هذه الكلمات. “مرحباً، أنا كورية… مرحباً. مرحباً، أنا كورية”، حتى أحسست بجسمي كله يتحول إلى رمل.

جلست أمام غرفة تشيه-غوم، ورحت أنتظر عودتها أو عودة أبيها. مرت عشرون، ثمّ ثلاثون دقيقة، ولم يظهر أي منهما. كانت سيارة الأجرة لا تزال واقفة أمام البيت، لعل السائق قد غفا، وتدلّى رأسه من نافذة السيارة مثل رجل ميت. كان الفصل خريفاً، لكن الريح التي هبت في منتصف النهار كانت حارة ورطبة.

هل كان الطقس رطباً هكذا عندما رأى والد تشيه-غوم الرجل يُعدم؟ نظرت إلى الحقل الصغير المزروع بالخضراوات الذي كنت قد رأيته في مساء ذلك اليوم. استطعت أن أرى جيداً في  العتمة، لكني لم أعد أرى الآن صفوف البصل الأخضر السميكة الجميلة. ربما كانت الرائحة التي لم أتحمّلها هي رائحة البصل الأخضر. ما الذي جعلني أظن أنها رائحة حياة متعبة، رائحة الموت؟

لقد جئت إلى منزل تشيه-غوم بدافع غريزي، لا لأعطيها مغلف النقود لمساعدتها على العودة. نعم، ربما كنت أريد أن أرى والدها مرة أخرى، وأسأله بأي عين رآني في ذلك اليوم، وهل كان يقصدني بكلماته.

نهضت دون أن أتذكر متى لمحت ظلّ رجل يعرج في سيره على الدرب الضيّق بين حقول الرزّ. لعلي لم أقطع كلّ هذه المسافة لألتقي به، بل لأتفادى لقائه. بقيت خمسون دقيقة في بيته. كان ذلك كافياً.

من نافذة سيارة الأجرة، رأيت لوحة حمراء ذكّرتني باللوحة المعلّقة فوق باب صالة الوشم. هبّت ريح شديدة فرفعت ستارة المحل، وكشفت عن هيئة زوجي. أردت أن أطلب من السائق أن يتوقّف، لكنّي لم أجد الكلمات الصحيحة. كانت سيارة الأجرة تسير بأقصى سرعتها، وعرفت أننا كنا في طريقنا إلى البحر، البحر الذي عام فيه زوجي. أردت أن أمسك به مرة أخرى، لأول مرة منذ زمن بعيد، بالرغم من أنه لم يكن سوى جسد بلا ذراعين ولا ساقين حتى يعانقني. كان لا يزال بين ذراعيّ، جسمه الذي أصبح بلا أطراف لا يستطيع أن يوقفني، وبدا أنه يغوص عميقاً في المحلول الملحي.

 

كيم ان سووك، ولدت في كوريا الجنوبية في العام 1963 وهي كاتبة من الجيل 386 (الجيل الذي ولد في الستينات وكان ناشطا سياسيا) بدأت بالكتابة اثناء دراستها الجامعية. وتعتبر من الكاتبات المتميزات اللاتي شكلن ظاهرة نسائية في الأدب الكوري المعاصر. حازت على العديد من الجوائز في بلادها، ترجمت بعض اعمالها الى اللغات العالمية.

هذه القصة نشرت بالانكليزية في مجلة بانيبال،

في الملف الخاص بالادب الكوري

ونشرت الترجمة العربية في مجلة كيكا للأدب العالمي