“الرجلُ الذي اختارْ” قصة قصيرة للكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن

عبد العزيز بركة ساكن

طرقتُ البابْ. أقصدُ جمعت كل شجاعتي وطرقتُ الباب. كنت أسمع صدى النقرات مرتدًا من الداخل. يبدو أن بالداخلِ قاعةٌ كبيرةٌ فارغةٌ. طرقتُ الباب مرة أخرى وانتظرتُ. سمعتُ وقع خطوات خفيفة تقترب. وفجأة فُتح البابُ. قفزتُ إلى الخلف. قفزت خطوتين شاسعتين إلى الوراء. إن الذي أراه أمامي ليس إنسانا بل ليس مخلوقا أعرفه أو شاهدته أو سمعت به من قبل. لم أقرأ عنه حتى في مجلة الجغرافيا الوطنية التي أتابعها بانتظام. كان يحملق فيَّ بعينين جاحظتين. عيناه كبيرتان لونهما أزرق كالسماء ليس بهما إنسان عين. كانتا فوهتين محشوتين بالأزرق. على رأسه شعرٌ كثيفٌ شديد السواد يتدلى إلى الأرض. أما لونه فلا يمكن تحديده. في لحظات قلائل تحول من الأحمر للأزرق إلى الأبيض ثم إلى اللون الأسود إلى أن أصبح من المستحيل أن أفرق ما بين جسده وشعره. فقط بقيت العينان زرقاوان. يقف الشيءُ على عدة أرجل أو أيادي أو زعانف. لا أستطيع أن أؤكد على ماذا يقف. وكما يُتوقع مني. هربتُ. أطلقتُ ساقي للريح. بأسرع ما استطيع.

عَبَرتُ حُفرةِ مَكبِ النفايات التي نطلق عليها “كوشا حريقا”. مررتُ أمام السلخانة القديمة مثل الرصاصة. لدرجة أنني لم انتبه لرائحة الدم التي تفوح من المذبح القديم المُهمل. كانت تثير غثياني. مررتُ على المقبرة قافزًا فوق شواهد الموتى المصنوعة من الحديد. ثم الخور الصغير الذي يفصل حلة “طارقيلا” عن المقابر ومنازل الجنود حديثة البناء. لم التفت إلى الخلف. إلى أن وصلتُ طريق الأسفلت الذي يمر ما بين كمبو الفُور وحي الصفوة. أخذتُ ألتقط أنفاسي بصعوبة. دقات قلبي متسرعة وعالية. خُيل إليَّ أنني أسمعها بأذني. بينما كنتُ أحسُ بألم في صدرى. جلستُ على الأرض. الوقتُ منتصف النهار. الشمسُ تشعل الجو نارًا. كان المارة ينظرون إلىَّ في استغراب. ربما نتيجة للوضعية الشاذة التي أجلس بها على الأرض والاضطراب الذي يبدو عليَّ. اقترب مني شابان. ساعداني على النهوض. على الرغم من أنني لم أطلب منهما ذلك. قدما لي زجاجة من الماء. احتسيتها بصعوبة. سألاني ما إذا كنتُ أعاني من شيء.

– لا، ولكنني رأيتُ الشيطان.

قال لى أحد الشابين في سُخرية

– ليس هنالك ما يٌسمى بالشيطان. إنها أساطير وخرافات. وإذا كان هنالك واحداً أتمنى أن أراه.

وطلبا مني أن أعود معهما إلى المكان الذي وجدتُ فيه الشيطان. انضم إليهما ثلاثة من الشباب آخرين.

قلت لهم

– الجميع يعرفُ أين بيت شريف. اذهبوا إذا شئتم. لقد وجدتُ الشيطان هنالك. أما أنا فلا أريدُ أن أذهب مرة أخرى.

أكَّدَ لي أحدهم بأنه قد دخل ذلك البيت من قبل عدة مرات. ولم يصادف شيئاً سوى الاثاث القديم الممزق والحشرات الصغيرة والوطاويط، وبعض القطط الضالة. أصروا علىَّ إصرارا بالغاً على أن أذهب أنا معهم ليبرهنوا لى أنني لستُ إلا كذاب أشر أو خائف موهوم أو عكس ذلك، إذا شاهدوا الشيطان بأم أعينهم. فقبلتُ التحدي ومضيتُ معهم.

البيتُ هادئٌ وصامتٌ كوجه عجوزٍ حزينْ. وهو معروف لكل أهل المدينة الصغيرة. كان يمتلكه المهندس شريف نور الدين. وهو أحد المهندسين الذين أتت بهم شركة تورنو الإيطالية من أجل بناء خزان خشم القربة لتوفير مياه مشروع حلفا الجديدة الزراعي بغرض استيطان النُوبة الذين تم تهجيرهم من مدينة حلفا القديمة، تلك المدينة الأثرية التي أُغرقت بمياه السد العالي. ولكنه لم يعد بعد انتهاء عقد عمله مع شركة تورنو في ديسمبر 1964 إلى مدينة الخرطوم حيث مكان اقامته. بَنى بيتا ريفياً جميلاً وسط غابة صغيرة على شاطئ نهر عطبرة. ليس بعيداً عن موقع الخزان. وأقام مع أسرته الصغيرة فيه إلى بداية الثمانيات من القرن الماضي. وعندما توفي الأب حملت الأم وأبناؤها كل ما هو مفيد وعادوا أدراجهم إلى العاصمة الخرطوم. وتركوا البيت مهجورا. ولكن المخيلة الشعبية استوطنته بما شاءت. أو ربما استوطن نفسه بما شاء. فأمر البيت مربكاً. وكان هذا أحد الأسباب التى دفعتني على الذهاب إليه وطرق بابه.

للدار حديقةٌ كبيرةٌ مهجورةٌ يحيط بها بقايا سور من أشجار الكتر الشوكي. بعضها مات من العطش نتيجة للجاف الذي حل على المنطقة في العام 1986 ثم لم يعد هنالك من يهتم بإعادة صيانة السُور أو زراعة أشجار أخرى. عندما يُهْجَرُ البيتُ فإنه يموتُ من الحَزَنِ وتَهلك أشجارهُ كمداً. فللبيوت أرواح وأحزان ومسرات. وجدنا سيدةً شابة تحتطب على بقايا الشُجيرات الشوكية الجافة. لم أرها في المرة السابقة ولكن الكثير من النساء والأطفال يحتطبون في تلك الحديقة المنسية. فليس ما يدعو للغرابة. ألقينا عليها التحية ومضينا نحو المبنى. طرق أحدُ الشباب الباب. لم يكن هنالك رد. ثم قرر الجميع الولوج مباشرة. حيث أنَّ الباب لم يكن مُغلقا براتج. منذ أن سافرت الأسرة واعتدى لصوص محليين على المنقولات التافهة التي تركتها الأسرة خلفها وهي ليست بذات قيمة لديهم.

كانت قاعة الاستقبال واسعة جداً ولا يُوجد أثر لأقدام غير تلك التي للقطط حيث تقضي نهارها على شاطئ النهر تُطعم على ما يتركه الصيادون من أحشاء الأسماك وبعض الزواحف الصغيرة التي تعيش على الشاطئ. ثم تعود في المساء للنوم في عرصات الدار. كانت الشبابيك التي هي عبارة شبكة من السيخ مشرعة ايضا. رائحة مخلفات الوطاويط تزكم الأنوف. المكانُ شديد الرطوبة. الضوءُ الذي يتسلل عبر النوافذ كان كافياً من أجل الرؤية. هنالك ثلاث حجرات أخرى تفتح في قاعة الاستقبال. لا تُوجد بها أبواب. وبينما كنا نتجول في صمت عبر القاعة الكبيرة، إذا بنا نسمع صرير بابها وهو يُغلق. هرولنا لفتحه ولكنه ظل صامتا صلدا عصيا على الفتح. ثم أخذت القاعة تضيق تدريجا. ويعمها الظلام. وعلا صياحنا وصراخنا في هلع. ولكن لم يستمر ذلك طويلا. إلى أن فُتح لنا بابٌ في جهة أخرى. غمرنا منه ضوءٌ قويٌ ساطعٌ. هرولنا إلى حيثُ مصدر الضوء عبر الباب. ووجدنا أنفسنا في قاعة أخرى، أصغر حجما من تلك الأولى. بها نوافذٌ عبارة عن شبكة من الحديد. وبمجرد دخولنا قُفل البابُ. وأخذت الغرفة تغرق في الظلام. ثم فُتحت بوابة أخرى لغرفة أضيق. ولكن الملاحظة الغريبة انه كلما دخلنا حجرة، نقصنا واحداً من الشباب. لا ندري كيف. إلى أن أصبحتُ في الغرفة السادسة وحدي. وكنتُ ارتجف من الرُعب. أخذتُ أصرخ وأطلب أن يُفْتَحُ لي الباب. أريد أن أخرج من هنا. وبعد لحظات قصيرات. فُتح الباب. لأجدنني أمام هاوية سحيقة. يصدر من عمقها صوتٌ أشبهُ بغليان المرجل. خلفي بابٌ مغلق. وعلى يمينى تُوجد فسحةٌ خاليةٌ من أي شيء سوى شجرة كتر جافة. وهي أيضا تقبع على حافة الهاوية. على يسارى بعض العُشب الجاف ينمو على شفة الهاوية. حملقتُ فيها. لم أدرك غرارها بناظرى. كانت مظلمة تماماً. خفت أن أسقط فيها فاهلك. لأن رأسي أخذت تدور. لدي رُعب فطري من الأماكن العالية والعميقة. تقهقرتُ للخلف. إلى أن التصق ظهري بالباب المغلق. في تلك اللحظة سمعتُ صوت امرأة. وعندما التفت مذعورا جهة مسرى الصوت، رأيتها. هي نفس المرأة الشابة التي وجدناها في حديقة الدار تحتطب أشجار الكتر الجافة.

قالت لي بصوت ناعم

– هل تريد أن تخرج من هنا؟.

قلت لها بسرعة ودون تفكير، وقد افزعني ظهورها المفاجئ أكثر

– من أنت!

سألتني في برود مرة أخرى

– هل تريد أن تخرج من هنا؟.

عيناها. نعم عيناها. عبارة عن فوهتين زرقاوين. هما نفس عينا المخلوق الذي رأيته في المرة الأولى قبل ساعة من الزمان. يبدو انه قد أُغمي علي. ولكنني عندما عدتُ إلى وعي كانت المرأةُ تقف في نفس مكانها الأول. قريباً من شجرة الكتر. سألتني مرة أخرى بنفس نبرات صوتها ونفس طريقة القول والبرود. كما لو أنها تعيد شريطا مسجلاً.

– هل تريد أن تخرج من هنا؟.

قلت لها كما لو كنت في كابوس

– نعم، أريدُ أن أخرج.

أشارت لي بأصبعها نحو الهاوية. دون أن تنبس. قلت لها

– لا، لن أسقط في الهاوية.

ابتسمتْ. كانت أسنانها أيضا زرقاء. تشع ضوءًا أزرقَ مرعباً. أشارت بإصبعها نحو نفسها. ثم فتحت ذراعيها كما لو تريدني أن أدخل في حضنها. ثم بخطى وئيدة مضت نحوى. في تلك اللحظة بالذات قررتُ أن أسقطَ في الهاوية. تخيرتُ المصير الذي أعرف مآله. وهو الفناء في العدم. خير لي مما لا أعرف أين ينتهي. أغمضتُ عيني بشدة وقفزت في عمق الهاوية. مازلت أمضي بهدوء نحو قاعها السحيق. في ظلامها غير المتناهي. وسط قهقهات ما اسميتها ابنة الشيطان.

 

leogang 7-7-2020

 

[email protected]