“العقرب” قصّة قصيرة للكاتب التونسي كمال الهلالي

إلى الذكرى النبيلة لأبي، المكّي بن عماره الهلالي

كمال الهلالي

يرقد أبي الآن في مقبرة الجناح الأخضر بالقيروان. لا أعرف ماذا حصل مع جسده؟ هل تحلّل تماما أم أنّ عظامه لا تزال تضيء، لوحدها في ظلمات وعي الروح الكبير؟ أية كائنات تشاركه وحدته الآن؟

ربما ترقد معه في حرارة القبر، غير العميق، حلازين صغيرة متحجّرةـ هوامٌ بلا اسمـ نملٌ نشطٌ يسعى في مسالكهـ قشرة صفراء في تجاويفها سلاسل عظمية لكائن يغرس يديه في الأرض بهيئة قوسين .

***

حين بدأ مرض الزهايمر البغيض يأكل من خلايا دماغ أبي، كان يلبث في الغرفة الكبيرة مستغرقا في ذاكرته التي كانت تشتغل بحركة ذاتية: صورة تستدعي أخرى وحدث يستدعي آخر. ويبدو أنّ الأحداث المرتبطة بشيخوخته وكهولته المتأخرّة قد التهمها النسيان ولا تملك سطوع أحداث الطفولة والشباب الأول.

قبل أن يبدأ الزهايمر يقرضُ من ذاكرة أبي، كان يفيق مرتعبا من حلم يبدو أنّه صاحبه طيلة حياته: امرأة مفرطة الجمال تقترب منه بحسّ خلاخيلها، فلا يقدر على احتمال فتنتها المُغوية، فيستيقظ مرتعبا من فرط جلالها. كان يُصارع جمالا فات عن حدّهـ كمن يصارع إلها بدويّا يعرفه ولا يعرفه في خلاء روحه.

***

يعضّ على أظافره ويتكلّم وحده في غياهب نفسه . طوال أكثر من ساعة، أو لعلّه الوقت الحقيقي الذي استغرقه الحدث، كان يسترجع بصوت هادئ مشهدا معجزا : ناقة تلد في الخلاء وتضع صغيرها على الأرض دون عون من أحد .

الناقة تنتحي ركنا قصيّا عن القطيع وجلبة الناس. تدفع بحركة من عضلات بطنها بالجنين المتخبّط في غلافه اللزج . في عُسر يخرج كيس الدم والمخاط ويسقطـ من عل، في الأرض. في عسر يقوم ولد الناقة من الأرض وينتصب مرتجفا بعد أن مزّق الغشاء الملفوف على رأسه بحثا عن هواء يتنفّسهـ وسريعا ما بدأ لسانٌ أموميٌّ يلحس وبره الناعم الخارج في التوّ من مصنع الروح الكبير، ومن أحسن من الروح الكبير صبغةً.

****

يسرق قطاع طرق بعير عمّي “علي” . لم يعرف أفراد الحرس الوطني السارق وقيل لعمّي علي أن ينسى الأمر ولكنّ أبي يذهب إلى بيت لصّ مواشي معروف ويطلب معونته، سُدى . قال له لم يسرق البعير جماعتي. وعليك أن تنسى الأمر. وكذلك، حدث الأمر نفسه مع جماعة الحرس الوطني الكسالى وغير الراغبين في مقارعة لصوص بذيئين.

لم يستسلم أبي . يذرع الأسواق باحثا عن بعير يعرف عاداته ورائحة عرقه، بعير له نفس إيقاع خطوته الرخو. يذهب إلى براري بعيدة ويتعرّف على البعير الذي كان يسرح مع قطيع من الجِمال في ريف من أرياف العلاء. يعود أبي إلى جماعة الحرس الوطني ويجبرهم على مصاحبته للعودة به وسط غيظ اللصوص وجماعة الحرس الذين خدش غلظتهم الحمقاء.

***

لا أحد يعرف أين يسكن الروح الكبير. هو يتخلّل الأشياء . الأشياء تتحوّل إلى صُور في ذاكرة أبي التي بدأت تخترمُ :

غرغرة الماء في وادي الثماد، ضحك البدويات وهنّ يطرقن الصوف على الأحجار على ضفافهـ خُيلاء أشجار الدفلى وقد علق بها الحلزون بانتظار مطر قادمـ شميم الذئب بحثا عن فرائس منفردة ،تقصّف السنابل تحت النوارجـ دبيب النمل في شجرة الخروب الضخمةـ العرق السائل على جسد أمّي وهي تحلّ حزامها الملوّن وتفكّ قليلا ثوبها في قيلولتها اللوزية، طنين النحل حول القرْبة التي رمت إلى لبنها بأعراف العرعار، طقطقة الحطب تحت القدور، هالة أقمار الصيف الخافية , حمحمة وصهيل أفراس جدّي “عماره” الفارس الذي لم تغلبه سوى امرأة فارسة كانت تغزل الصوف وهما يركضان على فرسين مدرّبين في ساحة عرس من أعراس “جلاصْ”، رائحة الأغنام والماعز في القرّ، حركة جذوع الرجال في أحواض النساء في ليالي “أولاد هلال”، قفزُ ضفادع في الوادي، صليلُ الريح في ” الفلجهْ “، تنفّسُ مطامير القمح والشعير البطئ السريُّ ..

لا أحد يعرف الطرائق الغامضة التي يحنو بها الروح الكبير على الناس الذين يولدون ثمّ يموتون في يقينهم العفوي البريء . وتبْلى أكفانهم البيضاء في القبور التي كانوا يصنعونها من الحجارة والطين والأعواد التي كانت تعْرى سريعا من لحائها الشبيه بلحية الماعز.

***

كانت أمّي تحمل كلّ صباح البقرة الحمراء وعجلتها من بستاننا إلى بستان قريبتها “علجيه”ـ كي تنجو بها من الزيارة المرتقبة لعدل التنفيذ، المكلّف من أحد الدائنين باستخلاص دين من الديون التي تراكمت على والدي بسبب كساد تجارته . وتعود بهما عند الغروب.

كان ثمّة جوّ ثقيل يطغى على البيت. ازداد صمت أبي المهيب. كما ازداد حرج أمّي من علجيه ومن كرمها. كانت تعود مع البقرة وعجلتها وقفاف من الخضر والغلال التي ينتجها بستانها الخصيب الواقع على حافة واد ” مرق الليل “.

عدتُ إلى البيت مساء . وجدتُ أمّي تضحكُ وهي تلقي ببخور ذي عبق ذكيّ في جمْر الكانون المتّقد. روت لي أنّ بهلولا من” أولاد سيدي تليلْ” التقى بأبي وبشّره بمرور الضائقة.

وبهدأة من يروي حادثا بريئاـ حدّثني أبي كيف أنّه حين شقّ ساحة البيت صباحا للذهاب إلى السوقـ التقى عند مدخل الساحة ببهلول من أولاد سيدي تليل .

قال البهلول : أنت تملك برنسين، برنسا قديما وبرنسا جديدا. قال أبي: كذلك. قال البهلول : أريد برنسك القديم. قال أبي انتظر سأجلبك لك. قال البهلول: لا يهمّ كأنّني ألبسه الآن، اذهب وبشّر عجوزك بأنّ الضائقة ستنقشع . انتظر، سأجلب لك البرنس. لا، قال البهلول. مدّ أبي يده إلى جيبه متحسّسا نقوده ولكنّ البهلول حفن من التراب حفنة ووضعها في جيب أبي. قل للعجوز أن تبخّر البيت بهذا البخور، قال البهلول . عليّ أن أذهب إلى جبل” وسلاتْ” فهناك امرأة تنتظر بشارتها. ربي معاكْـ قال أبي. وعاد إلى البيت بحفنة البخور.

استقرّت البقرة وعجلتها بالزريبة ولم يطرق بابنا عدل التنفيذ.

***

في لحظات يلمع وجودٌ كبيرٌ ويكشف عن نفسه كما الصفرة الفاقعة للعقرب في شمس الظهيرة ،لحظات منفلتة حرون مثل الكبش الذي كان أخي “محسن” يركبه عند الغروب وينطر به وسط النعاج التي أزعج والدٌ يحاول تدليل ابنه البكر، نومها في الزريبة.

في لحظات يلمع وجودٌ جليلٌـ يكشف عن نفسه ويضحك .

يضحك أبي ضحكا خافتا وهو يغرق في غياهب نفسه. يتذكّر كيف أجبر جدّي “المختار” خالاتي على الأكل من قصعة الكسكسي التي بال فيها أخي محسن حين كان يحضنه إلى صدره. يسترجع الأيام الهنيئة التي كان يستدعي فيها قريبا بعيدا له كي يشتغل مهرّجا لإبنه البكر.

***

في لحظات يلمع وجودٌ جميلٌ، يكشف عن نفسه ويلمع لمعانا خافتا مثل لمعة صفرة البرتقال في منقار طائرُ ” السُويدهْ ” وهو يطيرُ فوق الجبل.

سقطت البردعة المحمّلة بالمؤونة إلى “الفلّاقهْ ” في الجبل وانفرطت في الشعْب وسط الغضب الهائج لأبي وهو يحاول أن يجرّ بغلته الفالتة إلى الخلف كي يحمّلها بالمؤونة من جديد. كان يسوطها بضراوة وهو يصيح : ” أدينْ الزبْ”، بينما كان طائر ” السُويده” يطلق صوته الشبيه بجرس مخنوق في صبيحة خريفية لاذعة البرد.

***

طائر “السُويدهْ” ينقر الأرض في ركن بعيد من الحوش. أبي يشدّ قنفذا كان يتهيّأ لذبحه بين رجليه ويغرس عصا في ظهره الشوكيّ ثم يضغط بقوّة. يصرخ القنفذ باكيا وقد بال من الخوف، بينما كان أبي يضحك لأنّ ” سامي” ابن أخي “محمد” كان يضحك من سلوك القنفد.

التراب لا يزال يرشح بماء المطر في البقع التي تتركها حوافر الحيوان. تسكن روح كبيرة في كلّ شيء، كما يسكن النهرُ في سريره والعقربُ في جلدها والدمُ في غلاف الدم.

***

قرّر أبي أن يذهب إلى سوسة بحثا عن عمل ما. في القطار سُرقت أوراقه والمال الذي كان يملكه . عاش أيّاما صعبة ولم يلق شغلا وما يتدبّر به أمرهـ ممّا اضطرّه للعودة إلى ريف “أولاد هلال” فقد عرف أنّ رياح الحظّ ذهبت بعيدا عنه. سيعود ويشتغل في ملك أبيه الفارس، المغرم بأفراسه وأحصنته.

وصل قريبا من الباحة التي بها منزل جدّي “عمارهْ”ـ عند الغسق. لبث خجولا من خيبته ومن “العكْسْ” الذي أصابه. سوّى من التراب الناعم مقعدا وجلس عند سور التين الهنديّ قريبا من شجرة خرّوب عملاقة تشرف على دائرة واسعة صلبة التراب، كانت البغال والأحمرة تدور بها وهي تجرّ النورج تحت السياط لطحن سنابل القمح والشعير في مواسم الحصاد اللاهبة. كان خجولا من العودة محمّلا بخيبته.

انتبه إلى أنّ نبض دواخله متّصل بنبض شجرة الخرّوب، بألوان خيوط الغروبـ بسكينة الأحصنة والأفراس التي خُلعت عنها السروج وتخلّصت من غبار الثنايا، وهي تضرس من مخلاة الشعير التي أنعم بها عليها جدّي، وتنقل أعناقها وتضرب الأرض بنعومة وتعرض نفسها لنسيم صيفي لطيف منفلت من أنفاس الروح الكبير.

نبض هادئ متّصل بالنبض العسلي لقفير من النحل آوى إلى أجباع الجبسـ متّصل بالبرد الطفيف الذي كان يجعل شعر الماعز يرتعش قليلا . نبض متّصل يجعل من الجميع: بدءا من أشجار اليوكالبتوس وانتهاء بالنمل في منازله قلبا واحدا يخفق في جيب من جيوب الله.

لم تكن الخيبة التي أصابت أبي أمرا جللا يدعو إلى الخجل . لذلك كان عليه أن يعود إلى البيت كي يشارك عائلته العشاء وأن يقتسم معهم السعادة المنزلية.

من شقوق سور التين الهندي خرجت عقربٌ تسعى ،بوحي من الروح الكبير الذي لم يحتمل أن يرهق أبي نفسه بسبب سوء حظّ عاثر ،ومسّت مسّا رقيقا يده فغادر سريعا مقعده وصعد إلى البيت.

***

كان “نبيل”، الذي صادقته في أواسط التسعينات،في أيّام العطالة والفشل والخذلان الكبير، من “فريانه” الواقعة بولاية القصرين، مغرما بحكايا الصوفية، وحين سألته عن “أولاد تليلْ” روى لي حكاية مدهشة عن واحد من جماعته.

بلغ به الوجد حدّ أنّه استمع إلى صوت حورية وحين عاد من الآفاق التي كانت تشطح بها روحه، كان كلّما استمع إلى صوت بشريّ، يقيءُ قرفا من بشاعته.

كاتب تونسي

[email protected]