“العملاق” قصة قصيرة للكاتب المصري جمال زكي مقار

جمال زكي مقار

بدأت الحكاية عندما رمى البحر ذلك الجسد الضخم مع حطام سفينة شراعية متهالكة من طراز تلك السفن التي استخدمت منذ قرون في أزمنة الكشوف الجغرافية الكبرى، زحف الحرافيش إلى الشاطئ بحثا عن أي شيء يأخذونه: ذهبا؛ نحاسا؛ غدارات قديمة؛ خشبا قديما يستوقدون به، وبينما هم في حمية النبش والبحث سمعوا أنينا قويا وهزيما كهزيم الرعد، فانتابهم الرعب، بعضهم جرى مبتعدا ولم يعد، وبعضهم جرى ثم عاد بعد أن أخذه الفضول، والبعض شله الرعب فتجمد في مكانه، ثم هدأ الأنين، فعادوا يواصلون النبش، وبينما هم يفعلون وجدوا ذراعا آدميا كنير الثور طولا، وحين جذبوها في عنف اندفع صوت ألم جبار خلخل الهواء من حولهم وأصم أذانهم، فزعوا وتراجعوا، ثم عاودوا رفع أنقاض السفينة، وكلما رفعوا جزءا كلما انكشف جزء آخر من جسد كائن بشري عملاق يتجاوز طوله قامة ثمانية رجال فارعي الطول؛ يستلقي على ظهره وجسده كله مغطى بالطحالب، وهناك حلزونات تلتصق بجلده الأزرق زرقة غميقة من جراء البرد القارس الذي ضربه طيلة ليالي طفوه وصراعه مع أمواج البحر العاتية.

ثم جاءت شمس شتائية نيئة فشلت في أن تسحب نفسها من بين السحب الثقيلة، أعقبتها ريح قوية أزاحت بكفها العملاقة السحب بعيدا، لتفسح للشمس كي تطل وتلثم جسد الرجل العملاق بشفتين محمومتين وتبث فيه الدفء والحياة، حتى أفاق وفتح عينيه وبدأ اللون الأزرق ينسحب عن جسده وتورد جلده بدماء ساخنة حارة، فتأوه آهة مدوية، وحين رفع رأسه وأدار عينيه في الجمع المتحلق حوله؛ أُخذ الناس وفتحوا أفواههم دهشة، تساءلوا:

– من أين جاء هذا الكائن؟

لكن أحدا منهم لم يحر جوابا فقط عادوا يتبادلون نظرات الدهشة، صاح واحد منهم:

– من أنت أيها المخلوق العجيب؟

لم يرد الرجل، بل اعتدل وتمطى وأدار فيهم البصر ثم أصدر صوتا كالزئير فهاجت الجموع وراحت تجري هربا.

نهض العملاق ونفض الرمال بيديه و أزاح الطحالب والحلزونات العالقة عن جسده وبدأ يتحرك ماشيا نحو المدينة.

***

ترامى الخبر إلى سلطات المدينة، وسأل آمرها معاونه:

– أ حقا ما يشاع؟

فأجابه الرجل:

– إنه صحيح يا سيدي، لقد أرسلت العيون وتسقطت الأخبار، والرجل الآن في طريقه إلى الميدان الكبير، ومن خلفه جموع من ألوف مؤلفة، وأنا في انتظار أوامركم.

– في انتظار أوامري أيها الأبله المعتوه؟! ارسل على الفور كتيبة من الجند لتمسك بذلك المخلوق وتكبله قبل أن يحدث دمارا في البلد.

– أوامر يا فندم، أوامر؛ علم وينفذ.

في التو والساعة أُرسلت كتيبة من الجند المدججين بالسلاح، استطاعت بعد جهد أن تسقط الرجل وتكبل يديه وقدميه بمقابض من حديد.

ووصلت الأخبار إلى العاصمة في أرجل حمامات من الزاجل، وأمر الملك أن يؤتى بالعملاق إلى العاصمة، لينظر في أمره.

***

سرى الخبر في طول البلاد وعرضها، الجالسون في المقاهي قلبوا صفحات الجرائد بحثا عن متابعة التغطية المدعومة بالصور وأحاديث المسئولين، وامتد النقاش إلى مكاتب الحكومة والأشغال العامة، ولم يخل الأمر من جدل ما بين مصدق ومكذب يرى الأمر كله إشاعات مغرضة، الغرض منها إحداث بلبلة تهدد أمن وسلام البلد؛ مما أفضى إلى مشادات كلامية، انتهى بعضها إلى مشاجرات حامية.

وكان على وزارة الأمن الداخلي أن تصدر بيانا يشير إلى أن الأمر تحت السيطرة، بينما أذاع الراديو بيان القصر الملكي الذي يحث المواطنين على الهدوء وعدم استباق الأحداث ونبذ الإشاعات.

***

وعلى الجانب الآخر كانت النسوة في البيوت يتناولن الأحاديث حول الأمر في الهواتف وعبر شرفات ونوافذ البيوت، وبعضهن تغامز على قوة وفحولة العملاق، وتبادلن النكات، وإحداهن تمطت وهي تقف في النافذة لتغيظ جارتها الوحيدة سليطة اللسان، وقالت لجارة أخرى:

– عملاق من وأنا عندي أبو أحمد؛ اسم الله عليه؟

حملقت الجارة في دهشة وغيظ، ولم تقل شيئا، ثم أغلقت نافذتها وانصرفت للبكاء.

بينما كان الأطفال في شوارع المناطق الشعبية يتمثلون الموضوع في هيئة مسرحية يتخيرون أقوى واحد منهم ويربطونه بحبال أخذت من مناشر الغسيل، ويبدأون في ضربه بمساطرهم ضربا خفيفا وهم يستجوبونه:

– من أي بلاد الله أنت أيها المخلوق؟ هه؛ انطق؟

يتصنع الصغير الذي أحكم وثاقه العجز عن الكلام ويخرج أصواتا غاضبة مزمجرة، يضحك الصغار ويعاودون ضربه وسبه قبل أن يسألوه:

– هل هبطت من السماء أم صعدت من البحر؟

يدير الصغير رأسه يمينا وشمالا ويتلوى بجسده محاولا التملص من القيد الذي أحكم حول جسده، وعندما يفشل يرميهم بسباب مقذع، فينفجرون في الضحك ويكررون اللعبة.

***

على أثر ذلك تحركت فرقة من البحرية الملكية إلى الثغر لتأمين نقل العملاق من البحر إلى النهر وصولا إلى العاصمة، هناك وجدت العملاق مثبتا بأوتاد ضخمة إلى الأرض فاستخدمت روافع ضخمة رفعت جسده وأنزلته على ظهر سفينة حربية ليُشد إلى سلاسل غليظة قوية وهو يجأر في غضب وثورة.

عندما وصلت السفينة إلى مجرى النهر زحفت جماهير غفيرة وتزاحمت على ضفتيه وأخذت تهتف وهي وترميه بحبات الطماطم، ليصدر ذلك الصوت الجبار؛ فينفجروا في الضحك، مما جعل رحلته مرارا ما بعده مرار.

***

قبل انتهاء الرحلة بيومين؛ جمع الملك أعضاء مجلس الحكم ليشاورهم في الأمر وماذا هم فاعلون إزاء ذلك الكائن العجيب، أخذوا يتحادثون حول ذلك الموضوع الملغز، لكن الملك لم يجد إجابات عند مستشاريه، كان الجميع في جهل مكين، وحين يسأل الملك أي واحد منهم يبدأ يثأثئ ويفأفئ ثم يصمت وهو يبسط كفيه ويمط بوزه.ويدير رأسه بحثا عن مفر.

يومها داعب الملك لحيته مفكرا ثم قال:

– لا يهمنا من يكون ذلك الكائن، ولا من أين جاء، ولما كان أبي قد أوصاني قائلا: عليك أن تجد في كل موقف ـ مهما كان شأنه من الخير أو الشرـ جانبا مفيدا، أصبح ما يهمنا الآن هو كيف نستفيد منه، أ محق أنا؟

هز الجميع رؤوسهم، وتصايحوا:

– معك كل حق؛ بل الحق فيما تقول واضح كالشمس.

بدوره؛ هز الملك رأسه وغمغم وهمهم ثم وجه كلامه إلى الوزير الأول:

– ألم تفكر يا أبو حمصة في الموضوع؟

وقال الوزير الأول :

– بلى يا سيدي ومولاي، لقد جافاني النوم وبت مسهد العينين ليالي وأنا أفكر، وانتهى بي التفكير إلى أن السماء أرسلت لنا ذلك العملاق هدية مباركة في وقت نحن في أشد الحاجة إلى إعادة جمع شمل القلوب التي شتت الفقر والجوع شملها، بل إنني رأيت فيما يرى النائم رؤية كشفت لي جوانب لم أكن أحلم أن أدركها في يقظتي، ولقد لخصت في ورقة صغيرة برنامجا للاستفادة من هذه العطية، على هذا النحو:

• يقوم قطاع الإعلام ببث برامج تستضيف علماء الأحياء ليوضحوا بلغة علمية كيف استطاعوا بالعلم أن ينتجوا آلافا من ذلك الكائن.

• بينما سيقول رجال الحرب إننا تمكنا من تدريب هؤلاء العماليق على أساليب الحرب الحديثة للقوات الخاصة، فيرهبون الأعداء الذين يتربصون بالبلاد .

• في ذات الوقت يقوم قطاع السياحة بإقامة مبنى زجاجي يوضع فيه العملاق في الميدان أمام المتحف الكبير، فتنشط بذلك السياحة.

كان المجلس يستمع صامتا وعندما انتهى الوزير الأول من الكلام ضجت القاعة بتصفيق حار وهز الملك رأسه رضاء وداعب بكفه شعر لحيته ومسد شعرها الناحل، وقال:

– هذا هو الرأي كل الرأي.

***

هكذا جرت اللعبة؛ برامج في التلفاز تستضيف علماء الأحياء، كان المذيعون يسألون:

– لكن كيف يا دكتور استطعتم إخضاع الخلايا على التكاثر بسرعة تتجاوز قدراتها الطبيعية لتنتج مثل هذا الكائن الجبار؟

فيجيب المسئول:

– هذا سر من أسرار الدولة العليا لا يجب إذاعته على هذا النحو، لكنه من المفيد أن أشير إلى أن النجاح لم يكن في استثارة الخلايا لتضاعف من سرعة نموها بقدر ما كان النجاح في جعلها تنمو نموا متوازنا لتخرج لنا في النهاية كائنا عملاقا متناسق الأبعاد على هذا النحو الذي نراه.

بينما عرض قطاع السياحة برنامجا وثائقيا يصور يوما في حياة العملاق، وينوه إلى أنه سيتم عرضه بمبنى زجاجي أمام المتحف الكبير، عندها انهالت طلبات آلاف من السائحين لزيارة القطر أملا في رؤية هذه المعجزة العلمية، في الوقت ذاته أرسلت مبادرات صلح من الأعداء فيما يشبه التوسل، بينما كان الوزير يمشي كأنه يطير والملك يتعثر خلفه بقدميه الصغيرتين وهو يجهد أن يحاذيه.

***

على وجه السرعة وقفاها أيضا؛ أُقيم البناء الزجاجي، وانتهى العمل به في الوقت المناسب الذي تواكب مع وصول سفينة العملاق إلى الشاطئ المقابل للمتحف الكبير، وتم استئجار رافعة عملاقة من قطاع تأجير المعدات لترفع العملاق من خصلات شعره الغجري، وتمضي به وسط زحام حشود من الجماهير التي عجزت قوات الأمن عن السيطرة عليها، ومضت الرافعة في بطء بالعملاق الذي تأرجح في الهواء وأرسل صيحات غضب هادرة أضحكت الجموع، وظلت الرافعة تزحف حتى وصلت أمام المبنى الزجاجي، فأنزلت العملاق المكبل في منتصف المبنى وسط صرخات وصيحات وشهقات الحشود المتجمهرة التي اخترقها الموكب الملكي والعربات التي أقلت رجالات الدولة، ولما استتب الأمر، خيم صمت مهيب على الموقف ونزل الملك من عربته، تقدم قائد الجيوش من العملاق وصاح فيه:

– أد التحية للملك أيها العملاق.

أدار العملاق النظر في الملك وحاشيته، فرأى مجموعة من الأقزام عند قدميه، عندها جعر جعيرا اهتزت له الأبنية المجاورة، هاجت على إثره الجماهير وهتفت بحياة الملك الذي داعب لحيته ونتف شعرتين رمى بهما في الهواء، وهو يصيح :

– من أمسك منكم بشعرة منها وهب وسام شرف المملكة من الطبقة الأولى.

وبدا عليه السرور وهو يرى الجماهير تتسابق للإمساك بإحدى الشعرتين، فأخذ يلوح بكلتا يديه لهم قبل أن يهم منصرفا.

***

في الأسابيع التي تلت، بدأت الصورة تتضح؛ العملاق لا يشبع، جيش بأكمله من الرجال يقوم على إمداده بالطعام والشراب، وإذا تأخر المدد قليلا صاح العملاق صيحاته الرهيبة التي قوضت بعض المباني المجاورة وهددت مبنى المتحف الكبير، وكلما أكل العملاق كلما ازداد طولا وعرضا، وكلما ازداد طولا أصبح من الواجب أن يزيدوا ارتفاع السقالات التي تحوطه لتوصيل الطعام والشراب إلى فمه وإلا جعر شاكيا، بينما كلما ازداد عرضا كان عليهم أن يزيلوا القيود التي تلف رسغيه وكاحليه ورقبته واحدة بعد واحدة ويستبدلوها بأخرى أوسع استدارة وإلا شق جعيره الهواء وارتفع صوته الغريب بالشكوى.

وحين أوشك طول العملاق أن يتجاوز سقف المبنى الزجاجي؛ كان المهندسون قد توصلوا إلى وسائل جبارة لرفع السقف الزجاجي دون أن ينكسر.

***

ولما بدا أن العملاق ينمو طولا وعرضا بلا توقف؛ بدأ الوجه الآخر من حياته في تلك البلاد البعيدة يكشف عن مأساة حقيقية، نشرت فصولها حين قدم وزير التموين تقريرا وافيا لمجلس الوزراء الذي دعي إلى اجتماع عاجل لمناقشة الأمر:

– يستهلك العملاق من الطعام والشراب ما يكفي بلدة بأكملها، ومع كل إشراقة شمس وغروبها يكون قد أتى على:

• خمسة عشر طنا من الطحين .

• وعشرين ألف مترا مكعبا من المياه.

• وخمسة ثيران مسمنة.

• وعشرين رأسا من الغنم.

• وطن ونصف الطن من الأرز المطبوخ.

• وعشرات الأربطة من الجرجير والمقدونس .

• وطنين من الخيار وطنا من القثاء .

إلخ، الأمر الذي يهدد المخزون الاستراتيجي من المواد الغذائية، وبحساب الربح والخسارة من وراء ذلك تبين أن ما أضافه العملاق من إيراد آت من السياحة لا يوازي حجم الإنفاق الهائل من جراء ما يستهلك من أكل وشراب.

بينما قدم رئيس مصلحة المجاري بدوره تقريرا مفزعا:

• الكارثة الكبرى تكمن في إن الأنظار لم تتنبه عند تهيئة الصندوق الزجاجي إلى وجوب تهيئة صرف صحي سليم موصول بالمجاري العمومية في المكان الذي رُبط فيه العملاق، لأنه يدفع بعدة عشرات اللترات من البول على الأرض.

• ويحتاج يوميا إلى نزح وإزالة ما تكوم تحته في هيئة أطنان من الوسخ

نوصي بإقامة مزراب ضخم يصل ما بين العملاق ومجمع الصرف الرئيسي.

فيما قام وزير السياحة متضامنا مع وزير الصحة بإصدار تصريح في غاية الأهمية، يؤكد أن وجود العملاق في الميدان يهدد الصحة العامة بسبب الريح الكريهة التي يقذفها بصوت مدو، كما أن السائحين قد فروا من المدينة كلها، وألغيت آلاف التعاقدات مع الأفواج السياحية.

ورفعت الاستخبارات تقريرا إلى قائد الجيوش الذي رفعه بدوره إلى الملك يفيد أن الأعداء قد كشفوا اللعبة وعادت جيوشهم تتربص الدوائر بالبلاد.

هنا داعب الملك لحيته ونتف خصلة كبيرة منها غضبا، فترك مكانها فراغا داميا مهولا، أدار البصر في من حوله بحثا عن كبش فداء، فخفض الحضور رؤوسهم خوفا، وقبل أن يستدير ليخرج طلب أن يؤتى له بالوزير الأول، فلما جيء به وقف الرجل يرتعد من الخوف ، أشاح عنه الملك بوجهه ثم أمر بأن يُؤخذ ويُلقى به في السجن لحين يفرغ له.

***

وحتى كتابة هذه السطور مازال العملاق يقف في الميدان مكبلا بأطواق من حديد تتسور رقبته ورسغي يديه وكاحلي قدميه.

انتهى

 

القاهرة 25 يوليو 2020

 

[email protected]