“الغرباءُ في مرآةِ المكان” قصيدة للشاعر العُماني سيف الرحبي

سيف الرحبي كيكا 16
سيف الرحبي

في البلاد التي تبني فيها العصافير أعشاشَها ، على أعمدة الكهرباء والأسلاكِ، بلاد الوحدة والنأي المظلم ، التقى الغرباء السورّيون ، في المكان المزدحم الذي لا يتسّع لأنّة جريح أو صرخة مستغيث…
آه ؛ أنت وليد … نعم نعم ، لقد كنا معاً في ستينيّات القرن الماضي، في بلغاريا … أنتِ خوله خانم ، نور الدين مكسيم ، وأنت بسّام ، أين سميح ، مضى زمن ومجازر ..
كيف حال والدتك لقد مضى نصف قرن لم أرها في المدينة،
التي أضحتْ يباباً وأضحى أهلُها ارتحلوا أو أُبيدوا …في غسق الأضواء لا يكاد حديث السورّين يُسمع بين الباعة الأنيقين والضجيج..
وحدَها عصافير الدويّ تخبط أجنحتهَا في السقف ؛ وطيور سوداء ، تحتشد حول الجُثث المتفسّخة التي يحفرها في مرآةِ المكانِ حيالُ الغرباء.
***
حين يحسّ بإشراق الفرح الغامض ؛ يهرع باحثاً عن السبب : إنه الضيف الوحيد الذي لن يحييه مرتين.
***
القهوة الأكثر مرارةً
من أرواحنا
هي التي تلعب دائماً
بطولةَ الصباح.
***
يحملون الأيام الثقيلةَ
يجرجرونها كسلاسل السجين
هي التي حملتْهم عبرَ غابات عصيّةٍ
وجبالٍ تسرح في أمدائها
أحلامُ الوعول
***
ينام في قلب موجةٍ عارمةٍ من سُكرْ الحياة ليصحو على لهبِ الفجائع والحروب.
***
خذيني أيتها الموجة (التي تدحرج خاصرتَها منذ طرواده) خذيني بعيداً بعيداً عن هول هذه المذبحة.
***
أيتها اليمامةُ
تُؤْنسين أسيرَ الروم
تربكين أعمى المعرّةِ
ليصلَ إلى وحدة الأضداد
وتشربين من النبع ببراءة طفلٍ
على وتَرِ الطمأنينة والنوم..
مُستجابة صلواتكِ لأطفالِ المحارق والمُدن المحاصرة.
يا مُطلقاً يسبح في الفضاء على شكل طائرٍ ويمامة.
***
ما حاجتي إلى دعوةِ الماضي
وهو يجثم أمامي مقابرَ تتطايرُ منها الأشلاءُ والأشباح؟
***
تتوسّلُ الضحيّة للقاتل
أن يمهلها هنيهةً بحجم دعاءٍ أو صرخةٍ،
لكنه أرتأى الإسراع في إنجاز مهمّته المقدسّة.
***
كم أنتِ طويلة أيتها الظلْمةُ العربيّة
طويلة وغليظة
أطولَ من الزمن
أكثر طولاً من الزمنِ والجبال
***
كان يحفر في الغياب
كان الغياب يحفر في قلبهِ وفي رئتيه، من فرط القهوة والذكرى
من فرط عويل الغائبين ، أولئك الذين خلّفهم وراءه أطفالاً ضعفاء في جَلبة المجزرة.
***
كانت البواخر تعبر المضائق باتجاه برمودا ، البواخر التي تحمل الجرحى والمُهجّرين .
كان يرقب المشهد ، كان كمن يرقب المشهد والضَبابَ، كانت البواخر التي تُبحر في أعماقِه وحناياه.
***
لحظة الوداع العصّية حتى على الدمع والآلهة
يخاتل المترحّل اللحظةَ المرتجفةَ بالزوغان والهواجس ، وهو يقترب من مركبة الرحيل ، التي لا تكاد تمضي على حافة بحرٍ أو صحراء، إلاّ وتغرق في لَهب الظنون والعاصفة..
سيترك الأهل والديارَ محمولاً على حلم الطيور المهاجرة ، التي تعود دوماً إلى مواطن أسلافها الأولى.
***
المرأة النائمة على الكرسّي في بهو الفندق :أي هناءةٍ تجرفها في هذه الإستراحة العابرة؟

 

شاعر عُماني، رئيس تحرير الفصلية الثقافية “نزوى”
[email protected]