“الفستق البرّي” نص للشاعرة الانكليزية ليندا فرانس – ترجمة خالد الجبيلي

ليندا فرانس

في العام 2018 شاركت الشاعرة ليندا فرانس في برنامج “الطائر” للتعاون الإبداعي بين جامعة درم البريطانية والأردن. وهذا نص كتبته الشاعرة أثناء اشتراكها في برنامج “الطائر”

 

عندما تطأ قدما أحدنا خارج عتبة بيته، يمكننا أن نتأكد من أننا سنجد ما نتوقّع أن نجده، وأن نرى ما اعتدنا على رؤيته. أما أنا، فإن المشهد الذي يستقبلني وينبسط أمامي فهو هكتارات من الأرض المزروعة، توجد فيها أحياناً أغنام أو أبقار، وفي أحيان أخرى لا يوجد فيها شيء. لقد استوعبت هذا المكان، وربّما استوعبني هو أيضاً. فأنا أعرف أين يمكنني أن أتأقلم داخل بيئته الريفية المتغيرة ببطء. إن السفر إلى بلد جديد – لا بل إلى قارة جديدة – له باب مختلف، والمشهد الذي لا يمكن تخيّله، ما هو إلاّ خطوة إلى المجهول. لا يمكن التسليم بشيء، إذ تُمنح الفرصة حتى تولد من جديد، لنعود إلى هذا العالم ثانية، تضيّق عينيك من شدّة نور الشمس، تتناهى إليك أصوات لا تعرف من أين تنبعث. لكلّ شيء ردة فعل – كرّ وفرّ. المفاجأة دواء جيّد للكاتب، المتعطش لرؤية انطباعات جديدة، والتعبير عن آراء حول عالمنا المضطرب المتشابك.

لقد عرفت غيرترود بيل ذلك عندما بدأت رحلتها الاستكشافية عبر سوريا عام 1905، وكتبت عنها بأسلوب شاعري مرهف في كتابها “الصحراء والزرع”:

إلى الذين تربوا ونشأوا في نظام اجتماعي راق فإن لحظات قليلة مفعمة بالبهجة قد تأتيهم كتلك التي تقف عند عتبة رحلة في البرية. فتُفتح أبواب الحديقة المغلقة، وتُنزل السلسلة عند مدخل الحديقة. وإذا تطلعت حولك بحذر ثم مضيت إلى الأمام، انظر! فإنك ترى أمامك العالم اللا متناه. عالم المغامرات، ظلام تتخلله عواصف شديدة، ألق في ضياء شمس مبهر، سؤال لم يجب عليه أحد، وشكّ دامغ، يتوارى في ثنية كلّ تلّة. ويتعين عليك أن تمضي إليها وحدك، من دون جحافل الأصدقاء الذي يسيرون في ممرات حدائق الورد، مجرداً من القماش الأرجوانيّ الناعم الذي يعيق حركة ذراع المحارب، بلا حماية، أعزل، من دون أي شيء. وسوف يُسمع صوت الريح بدلاً من أصوات المستشارين، وستصبح لمسة المطر ووخزة الصقيع مهاميز أحدّ من أيّ مديح أو لوم، وستتكلم الضرورة بسطوة لا تعرفها تلك الحكمة المستعارة التي يطيعها الرجال أو يرفضونها بمحض إرادتهم. لذلك تظل الحديقة مغلقة، ومثل الرجل في حكايات الجن، فإنك تشعر بالأطواق المثبتّة حول قلبك تتكسّر وأنت تلج الدرب الممتدّ عبر الكتف المدوّر للأرض.

حتى عندما غادرت منزلي، ووطأت قدماي عتبة بيتي في الثالثة والنصف صباحاً، رأيتُ حقلي من جديد – سماء الليل مرصعة بالنجوم، جرافة تحملني وتقلّني إلى مطار نيوكاسل لأستقلّ الطائرة في الصباح الباكر إلى باريس، المرحلة الأولى من رحلتي. لقد بدأ المجهول ينثر سحره المعتم.

قبل أن أبدأ رحلتي هذه، كنت قد تناقشت مع عدة أشخاص يعرفون الأردن وأشخاص قرأوا عنه أيضاً، لكنني كنتُ أدرك بأنني لم أتمكن من التغلغل في غشاء الكلمات التي تصف ذلك البلد. فقد بدا أشبه بواجهة بلد حدودي – كلّ شيء فيه يبدو منظماً، لكن ليس فيه بعد ثالث، أو عمق، ومن المؤكد فهو ليس مكان يمكنني أن أعيش فيه، حتى لو مؤقتاً.

‘الأردن’، البلد الذي يقبع في مخيلتي حتى الآن، هو أردن مليء بالفستق البرّي والرمان والتين – مكان يشبه حديقة مغلقة في نشيد الأنشاد لسليمان – وكان كل ما آمله هو مكان خصب يسود فيه السلم والأمان، مع أنّه محاط ببلدان في نزاع مع نفسها وفيما بينها. إن تحويل وجهتي إلى حديقة، لعلها حديقة توراتية، ما هي إلاّ محاولة مبكّرة للافتتان، محاولة لأن أقيم جسراً بين العوالم المعروفة والعوالم غير المعروفة. حقاً لا أعرف. فقد كان يتملكني شعور بالتوتر من الاستشراق، قلقة لأن أجعل حديقتي تبدو شديدة الغرابة. حتى عبارة “الشرق الأوسط” مسألة فيها نظر – وسط ماذا؟ وعندما كنت في زيارة لأستراليا منذ بضع سنوات، اكتشفت بكل تواضع أنّ ما نطلق عليه “الشرق الأقصى” هو “الشمال الأدنى” بالنسبة لهم. وعلى الرغم من أن عبارة “المشرق” تبدو قديمة، فربما فقد تكون مصطلحاً أفضل – فهي مستمدة من الكلمة الفرنسية lever- التي تعني المكان الذي تشرق منه الشمس.

إن السفر طوال النهار والوصول في عتمة الليل اشبه بأن تكون معصوب العينين، تدور حول نفسك بسرعة، في مكان لا تعرفه، ثم تُنزع العصابة عن عينيك ويُطلب منك أن تجد طريقك إلى البيت. فما أن حطت الطائرة، حتى استطعت أن أرى “مطار الملكة عالية”، المتلألئ بالأضواء، يصعد ويهبط، الذي صُمّم سقفه المتموّج ليذكر بخيام البدو في الصحراء. وفي منتصف الليل تقريباً، بدأت أدرك أن رجلاً لم ألتق به من قبل قط، لا يتكلّم كلمة إنكليزية واحدة كان يقود السيارة التي أوصلتني على يمين الطريق السريع ذي الممرات الثلاثة، وكنّا نمرّ من جانب لافتات ضخمة كُتبت عليها عبارات بلغة لا أستطيع أن أقرأها، حتى وصلنا إلى شارع في مدينة لا أعرف فيها شيئاً. نزلت من سيارة الأجرة وتعثرت قدمي فوقعت على الفور من على الرصيف الذي لم أتوقّع أن يكون أعلى من الطريق بقدمين تقريباً. لماذا أنا؟ كان عقلي نصف نائم، ولم تكن ساقاي تعرفان أين هما.

أدخلت الرقم السري على قفل باب البناية، ثمّ أدخلت رقماً آخر على الباب الجانبي، وفي محاولتي الثالثة، افتح يا سمسم. وبدا لي أن جميع سكان البناية لا يزالون في أسرّتهم – وهو المكان الذي كنتُ متّوجهة إليه مباشرة، مع أنّ كلّ ذلك لم يكن يبدو منطقياً – لا الأرضية المبلطة بالرخام، ولا مفاتيح الإضاءة الآلية، ولا المصعد المزعج الذي تعكس المرآة فيه صورة امرأة من المؤكد أنها تكبرني بكثير، وغرفتي في الطابق العلوي (F5) شديدة الحرارة والغريبة، والقوابس الكهربائية المعقدة، والمروحة التي لم أتمكن من تشغيلها مهما ضغطت على أزرارها الكثيرة. لكنّي كنت أريد الأفقية أكثر من أي شيء آخر في العالم كله. وبعد عشر دقائق من اجتيازي العتبة، غبت عن الوعي. وحتى الساعة الرابعة والنصف تقريباً عندما أيقظني صوت رجل، صوت المؤذن الذي يدعو إلى الصلاة – ‘الله أكبر…الله أكبر، حيّ على الصلاة … الصلاة خير من النوم’. ولما كنت كافرة، فقد انقلبت على جانبي، وعدت لأغطّ في النوم. لقد نسيت أن أضع مسجداً في حديقتي.

بعد فترة من إقامتي، كتبتُ رسالة إلى نفسي – أين هو الشعر هنا؟ إنه سؤال كبير، في الحقيقة سؤال يصمّ الآذان. لقد وجدت قليلاً من الفستق البرّي – شجرة يقارب عمرها 500 سنة، ذات لحاء متشقق وثمارها مليئة بالعقد. وكانت بعض الأصناف الأجدّ والأكثر صحّة التي صادفتها تحمل ثماراً. كان أطيب فستق ذقته في حياتي – كان طعم حبات التوت الصغيرة الوردية حادّة في فمي، حمض التينيك – منعشة قليلاً في يوم حار، لكنها طعمها لم يكن حلواً أو لذيذاً. لم تكن متوقعة، لكنها أصلية تماماً. ومثل الأردن، فإنها كما هي – مميّزة، ثابتة، لذيذة. وما كدت أتذوّقها حتى عرفت أن فيها مثل “الأردن الذي في مخيّلتي” بذور رمان بيرسيفوني – وحتى تناول حفنة منها يعني أنّ عليّ أن أعود. فقد تغلغل البلد وثماره تحت بشرتي، وأنه لا يوجد أمامي من خيار سوى أن أعود وأستمر في دفع كلّ شيء لا أعرفه عن العالم وعن نفسي إلى أقصى حد. أين هو الشعر هنا؟ إنه في كل مكان – ما دمتَ يقظاً ومنتبهاً لكي تسمعه وعندما تكون مستعدّاً، مثل غيرترود بيل قبلك، حتى تشعر بالأطواق المثبّتة حول قلبك تتكسر وأنت تلج الدرب الذي يمتد عبر الكتف المدوّر للأرض.

 

عن الشاعرة ليندا فرانس

ولدت الشاعرة البريطانية ليندا فرانس في وولسيند في نيوكاسل ضمن منطقة تاين، وتعيشُ الآن بالقرب من هادريانز وول بالقرب من كوربريدج في نورثمبرلاند. نشرت ثمان مجموعات شعرية:

1- “نخب نادي الكتكات”، دار بلوداكس 2005، وهي سيرة ذاتية شعرية تعكس حياة الكاتبة الرحالة السيدة ماري وورتلي مونتاغو من القرن الثامن عشر.

2- ” كتاب الأيام” وهي مجموعة انفرادية في سنوية الرنغا الشعرية، دار سموك ستاك 2009.

3- “أنت هي” دار نشر آرك 2016

4- “قراءة الزهور” نشر دار ARC 2016.

5- كما قامت ليندا فرانس بتحرير المختارات الشعرية المعنونة “قصائد ستين امرأة” صدرت عن دار بلوداكس 1993، وهو كتاب شعريّ حاصل على توصية شعرية خاصة من جمعية الكتاب.

حصلت ليندا العديد من الزمالات والإقامات خلال تاريخها الطويل في النشر، بما في ذلك في الحديقة النباتية بجامعة نيوكاسل ، موربانك ، في شهر 11عام 2010، ومعهد الدراسات المتقدمة بجامعة درم في عام 2013، بالإضافة إلى العمل بانتظام على التعاون متعدد التخصصات مع الفنانين، الموسيقيين والعلماء والكتاب الآخرين. فاز شعرها بالعديد من الجوائز، من ضمنها قصيدتها “بيرنارد وسيرنتذيه” حيث حصلت على جائزة جمعية الشعر الوطنية لمسابقة الشعر.

قامت ليندا بتدريس الكتابة الإبداعية في جامعة نيوكاسل منذ نشأتِها، وتقوم حالياً بالتحضير للدكتوراه في مجال الكتابة الإبداعية حول إبداع المرأة الفيكتورية فيما يتعلق بالعالم الطبيعي والمناظر الطبيعية لنورثومبريا، حيث تركز على موقع ناشونال تراست التّابع لآلن بانكس، قرب قرية باردون ميل.

وفي العام 2018 شاركت الشاعرة ليندا فرانس في برنامج “الطائر” للتعاون الإبداعي بين جامعة درم البريطانية والأردن. وهذا نص كتبته الشاعرة أثناء اشتراكها في برنامج “الطائر”.

والجدير بالذكر، تقام في مدينة درام مساء يوم 19 حزيران (يونيو) أمسية أدبية تجمع بين الشاعرة ليندا فرانس والشاعر نوري الجراح، في الحفل السنوي لمنحة بانيبال للكاتب الزائر. والدعوة