“القدّيسون” قصة قصيرة للكاتب الإيطالي دينو بوزاتي، ترجمة كمال الهلالي

هذه الترجمة مهداة إلى القدّيس محمد مومن، في عيده، عيد قيامة القدّيسين

دينو بوزاتي

يحيا القدّيسون، كلّ على حدة، في منزل صغير على الشاطئ، ذي شرفة تطل على المحيط. هذا المحيط هو الله.

في الصيف عندما يشتد الحرّ، يرتمون لكي يتبرّدوا في المياه الشّفيفة. هذه المياه هي الله.

باكرا عندما يعرف أن قديسا جديدا سيصل يشرع في بناء منزل صغير آخر. إنّها تكوّن بهذه الشاكلة خطّا ممتدّا على الشاطئ، بالتأكيد لا تنقص المساحة.

القديس قانتسالو، هو أيضا، عندما وصل بعد ترشيحه، وجد منزله مهيأ ومماثلا للمنازل الأخرى، مع الأثاث وأدوات الغسيل والأواني وبعض الكتب الجيّدة وكل ما يلزم. كان هناك أيضا، على جدار، قنّاصة حشرات فاخرة لأن الحشرات في هذه المنطقة كانت كثيرة دون أن تصبح مزعجة.

لم يكن قانتسالو قديسا لامعا. عاش بتواضع كما يليق بقروي وبعد موته حدث أنّ البعض، وهم يتذكرونه، وعوا بالكرامة التي تملأ هذا الإنسان، وتشعّ من حوله على بعد ثلاث أو أربعة أمتار تقريبا. دون إعطاء الأمر كبير أهمية، تم القيام، بالخطوات الأولى من أجل عدّه ضمن الأخيار المكرّمين وتقريبا انقضى دهران منذئذ.

في حضن الكنيسة وبخطى الجرذ الصغيرة نُشرت القضية دون أدنى تعجل. يموت الأساقفة والباباوات، البعض تلو الآخر، ويعوضهم جدد، لكن ملف قانتسالو يمر تقريبا بدفع ذاتي من مكتب إلى آخر دائما إلى أعلى، إلى أعلى. ظلّت رعاية مشوبة متعلقة بهذه الأوراق على نحو ملغز وعجيب. ولا كاهن، وهو يتصفّحها كان يستطيع نكران ذلك. وهذا ما يفسّر عدم طرح القضية، حتى الصباح الذي رفعت فيه صورة القروي (قانتسالو) في إطار من الأشعة الذهبية تماما فوق كنيسة القديس بيير، بينما كان البابا شخصيا ينشد مزمورا يشيد بخصال قانتسالو.

أقيمت احتفالات كبيرة في قريته وتوصل أحد المختصين في التاريخ المحلّي إلى تحديد المنزل أين ولد ومات وعاش قانتسالو والذي حوّل سريعا إلى متحف بسيط. لكن وبما أن لا أحد كان يتذكره، وبما أن كل عائلته قد أفلت، فإنّ شعبية القدّيس الجديد لم تدم إلا أياما قليلة. منذ أحقاب غابرة، كان ثمة قديس آخر يمجد في هذه القرية، القديس ماركولنو، المشهور بأنه صانع معجزات وكان الحجيج يجيئون أحيانا من الأقاصي لتقبيل أيقونته. شيّد مذبح قانتسالو بمحاذاة المزار المهيب للقديس ماركولنو، المكتظ بالنذور والشموع، لكن لا أحد ينتبه إلى القدّيس قانتسالو. لا أحد يقربه ويجثو مصليا. خفت ذكره إلى حد أنه في نهاية مائتي سنة لم يعد يثير الخيال.

برغم كل شيء، فإن قانتسالو، الذي لم يجرؤ أبدا على الحلم بمجد مثيل، سكن منزله الصغير، جالسا، تغمره الشمس في شرفته. وكان يتأمل بسرور بالغ المحيط الهادئ.

في صباح اليوم التالي وبعد أن استيقظ مبكرا شاهد قانتسالو ساعي البريد بزيّه المتميّز يطلّ على الدرّاجة ويدخل للمنزل المجاور حاملا رزمة كبيرة، ثم يمرّ للمنزل التالي لكي يضع رزمة أخرى، وهكذا دواليك، عند كل منزل إلى أن غاب عن نظر قانتسالو، ولا شيء، بالنسبة له.

بعد تكرر اللعبة بانتظام في الأيام الموالية وبدافع من فضوله، أشار قانتسالو إلى ساعي البريد بأن يقترب وسأله.

– عذرا، ماذا تحمل كل صباح إلى رفاقي جميعا باستثنائي أنا؟

– البريد، وأنا من يقوم بنقله.

أجاب ساعي البريد وهو ينزع قبّعته باحترام.

– أيّ بريد؟ من يرسله؟

ابتسم الساعي وقام بحركة كما لو أنه يشير إلى أهالي الناحية الأخرى، أولئك ناس العالم القديم.

– عرائض؟

سأل القديس قانتسالو الذي بدأ يفهم.

– نعم عرائض، صلوات، التماسات من كل نوع.

أجاب السّاعي بنبرة لامبالية، كما لوأن الأمر يتعلّق بحماقات، لكي لا يثير حنق القديس الجديد.

– ويصل منها الكثير دائما؟

كان السّاعي سيقول له بأنّ البريد يمرّ بفترة ركود وأنه في أيام الذروة يحمل أضعافه عشرا وعشرين مرة. ولكنه بسبب فكرة أن قانتسالو لم يبارحه الغضب تخلّص بـ “آه، حسب، حسب الأحوال” ووجد حجّة للانصراف. يجب الاعتراف أنه لا أحد، مطلقا كان يتضرع إلى القديس قانتسالو، كما لو انه لا يوجد. ما كان ثمة أدنى رسالة، ما كان ثمة أدنى تذكرة صغيرة، ولا حتى بطاقات بريدية، وهو عندما شاهد كل هذا البريد الموجه إلى زملائه، أوه ! لم يكن حاقدا لانه كان عاجزا عن العواطف الخسيسة، كان يشعر بارتباك وبأسى بالغ للبقاء هنا دون فعل شيء في حين أن الآخرين يرسلون بمجموعة كبيرة من الردود لحرفائهم؛ باختصار كان يملك تقريبا شعورا بأنه يسرق خبزه من القديسين الآخرين (كان خبزا مخصوصا وأفضل قليلا بالمقارنة مع خبز الأخيار البسيطين).

مدفوعا من الحزن، ذهب يتجول قريبا من منزل مجاور، يخرج منه ضجيج معدني لافت.

– أرجوك، عزيزي، ادخل، هذه الأريكة مريحة جدا، اعذرني حتى أكمل عملا صغيرا، أنا على ذمتك بعدها!. قال له باستحباب زميله. بعدها عبر الزميل المذكور إلى غرفة أخرى، حيث انهمك في إملاء حفنة من الرسائل وأوامر شغل مختلفة على سكرتيره،. بسرعة عجيبة، بعدها اندفع السكرتير إلى آلته الكاتبة ثم عاد الجار قريبا من قانتسالو.

– أه! عزيزي، .دون أدنى تنظيم، سيكون مشكلا حقيقيا مع كل هذا البريد الذي يصل! امسك، تعال معي، سأريك صندوق جذاذاتي الجديد ذا البطاقات المثقبّة. باختصار… كان يسلك مع قانتسالو بلطف بالغ.

بالتأكيد لم يكن قانتسالو بحاجة إلى بطاقات مثقبّة ورجع لمنزله يملؤه الأس. فكّر: كيف يعقل أن لا أحد يحتاجني؟ بالتأكيد أستطيع أن أكون نافعا. لو أقوم مثلا بمعجزة صغيرة، فقط لجذب الاهتمام؟

خطر بباله أن يجعل العيون في صورته بكنيسة القرية تتحرك. قدام مذبح القديس قانتسالو، ما كان ثمة أحد لكن الصدفة شاءت أن ماموتنسيا، أحمق القرية، عبر من هناك وشرع في الصياح بمحضر المعجزة وهو يشاهد عيون القديس تتحرّك في الصورة.

في التو، وبسرعة البرق التي وهبوا إياها بسبب وضعهم الاجتماعي مثل لدى قانتسالو اثنان أو ثلاثة من زملائه أفهموه بلطف بالغ أنه من الصالح له أن يلبث مكانه، ليس لأنه قام بفعل خطير ولكن هذا النوع من المعجزات بسبب طيشها لا ينظر إليه بعين الرضا في الأعالي. كانوا يتكلمون دون أدني عدوانية وليس من المستبعد أن هذا النزيل أثار غيظهم لتنفيذه ببساطة وبمثل تلك الأريحية والوثوق معجزة كانت تستدعي بالنسبة لهم جهدا خارقا.

من البديهي أن القديس قانتسالو كف عن تحريك عيونه أما ناس القرية الذين هرعوا إلى صياح أحمقهم فقد فحصوا جيدا وطويلا الصورة، ولم يجدوا فيها شيئا خارقا للعادة. فعادوا أدراجهم حزانى ولم يمهلوا ماموتنسيا وأشبعوه ضربا مبرحا بعصى خضراء.

فكّر قانتسالو أن يثير انتباه الناس بمعجزة شاعرية وصغيرة. بين أحجار قبره القديم الذي وقع ترميمه لكرامته، ثم أهمل من جديد. زرع وردة جميلة. لكن القدر شاء أن لا يفوز بفهم الآخرين. القيّم على الضريح الذي لفتت انتباهه هذه الوردة ذهب ليبحث عن الحفار ليوبخه قليلا.

– تستطيع على الأقل العناية بقبر القديس قانتسالو، نعم أم لا؟ الأمر مخجل، أيها الكسول! مررت به ورأيته مجتاحا بأعشاب سيئة.

وهرع الحفار لقلع الوردة العجيبة.

ولكي لا يخيب أيضا، هذه المرة، استنجد قانتسالو بالأقدم من المعجزات: ردّ النظر، في الحال، لأول أعمى مرّ قدام مذبحه.

فشل أيضا هذه المرة. لم يرد في خاطر أحد أن هذه المعجزة من عمل قانتسالو ونسبها الجميع إلى القديس ماركولنو الذي يوجد مذبحه في الجوار. الحماسة كانت كبيرة حتى أن الناس استولوا على أيقونة ماركولنو التي تزن كثيرا، وطافوا بها على الأكتاف في شوارع القرية، وكانت الأجراس في الأثناء تقرع دون توقف. وأصبح مذبح قانتسالو أكثر خلاء ومنسيّا.

قال قنسالو في قرارة نفسه: من الأفضل الخمود، لقد ثبت أن لا أحد يرغب في تذكري. وجلس في شرفته يتأمل المحيط، وهو ما أمده بعزاء وسيع.

كان منهمكا في تأمل الأمواج عندما سمع طرقا على بابه : طق، طق. ذهب ليفتح. بكل بساطة جاء ماركولنو شخصيا ليعتذر.

كان ماركولنو رجلا ساذجا وعجيبا ومفرط الحبور.

– ما الذي نستطيع أن نفعله، عزيزي قانتسالو؟ لم تكن فعلا غلطتي. أنت تعرف، جئت تحديدا لأنني لا أحب أن تتوهم…

– حقا؟ صاح قانتسالو الذي جعلته هذه الزيارة يتماسك من جديد وشرع في الضحك بدوره.

– كما ترى، أنا رجل قذر، وهذا لا يمنعهم من أن يتدافعوا عليّ من الصباح إلى المساء. وأنت، الأكثر قداسة مني يهملك الكل. ولكن لنتعامل بصبر، أخي العزيز، مع مصيبتنا في هذا العالم العفن! قال ماركولنو وكان يربّت على ضلوع قانتسالو وهو يتحدث، بحنان.

– ادخل إذن، سيحل الليل قريبا، والهواء بدأ يبرد، سنشعل النار وستبقى للعشاء.

– بكل سرور، حقيقة، ببالغ سرور. أجاب ماركولنو.

دخلا، قطعا قليلا من الخشب، وأشعلا النار، بصعوبة لأنّ الخشب كان لا يزال مبتلا. لكن ومن فرط النفخ، ارتفعت أخيرا شعلة صغيرة وحلوة. فوضع قانتسالو قدرا ممتلئا بالماء لأجل الحساء على النار، وفي انتظار أن يبدأ في الغليان، جلس الاثنان على المصطبة لتدفأ المفاصل، وللحديث بجدية. بدأ عمود رهيف من الدخان في الارتفاع من المدفأة. هذا الدخان هو أيضا الله.

 

 

العنوان الأصلي : I Santi والترجمة تمّت عن الفرنسية.

 

 

كمال الهلالي، كاتب ومترجم تونسي،

[email protected]