“المعقّدون” مقطع من نوفيلا للكاتب العراقي جليل حيدر

“أنا الخطأ في الصواب”

اكزوبري

 

جليل حيدر

هم القِّلة. دولة القلائل. يبعثرون اليقين. يشتمون ماضي الشتيمة. يحرّفون الصورة المستّتبة المعلنة، صورة الصمود على صخرة الطمأنينة. قلّةٌ صاخبة، بيتهم حانة غاردينيا والمقهى الصغيرة، مقهى ابراهيم، مقهى التجمع الفوضوي والتمرد.، وما كان

لهم واجب سوى العقل والتفّكر والسخرية. فيلسوفهم بنظارته السوداء يقود الدهشة إلى الطرق المفتوحة : الحرية. ولا أمل للممنوع في أحاديث الليل والخمر والتحريض. كانوا “غير شكل” حيث ينظر الطواعيون إليهم بريبة مُعجبة، فذاك القادم المتشبه بأبولينير يسأل ويُحّير بابتسامة تشجع أقرانه القادمين من استثنائية تروتسكي وجدل سارتر ولوكاش وإرنست ماندل، مع جبين ثوريٍ ترصعّه نجمة جيفارا، إلى قصائد طرفة ابن العبد وأدونيس.

كانت هناك “شعر” في بيروت و”غاليري68″ في القاهرة بنت النيل وطه حسين واسماعيل المهدوي (مات أم قُتل؟) شأنه نجيب سرور الجنوني. أماّ فيروز فهي كبد الشاعر المدمّى ينظر إلى القمر.

المعقّدون نبذوا رصيف اليسار المهزوم الخلوق، وهو يزدهي بصحبةٍ جديدة محتفلاً بالعدو القديم

“ومن نكد الدنيا على الحُّر أن يرى

عدواً له مامن صداقته بُدُّ”

لم يكن ذاك يساراً في نظر القلة، كان عبد الودود أو “أحبيني” للسياب، وربما متلازمة استوكهولم. يسارٌ مُروض في حفلة ذئاب. يسارٌ صنّف غارودي كمتذبذب أو مرتّد، وعلي الوردي أرشيفياً أو مُلاّ، وسارتر بورجوازياً عدو الشيوعية بعد كتابه “الأيدي القذرة”، لكن القلة يساريون “غير شكل”. يساريون بعمق طين دجلة، وحفاوة الثورة الطلابية، وعواء آلان غينسبرغ وصرعات السوريالية وانقلاباتها الجمالية.

كانوا وجوديين مستهترين، بل “منايك” بنظر العدو القديم، وطفولة يسارية بازدرائية منظور الحزب المعقّم ضد التغيير والحراك. هؤلاء صدمة كهربائية من نيزك شاذ، أصاب المربوطين إلى ناعور القناعة بمرض الخشية من حوائجهم وذخائرهم التقليدية وتفاصيل مانيكاناتهم المرصوفة في المغازات: مغازة السلام مقلَّم الأظفار، مغازة الصلح مع ضبع الغابة، مغازة هيا نفرح بالأخّوة النائمة في أحراش التآمر حتى صار قاتل الأمس شريكاً في المصير، مصير البلد. ثم انقلبت السفينة وسبحت الكواسج نحو الغرقى، تلتهم النظرية والمصالحة والوعود، بينما عُزفت الموسيقى الجنائزية على قبور الضحايا.

رغم ذلك يرى المعقدون إن مؤمني اليسار المعصوم والفأس على رقابهم، أخوة. أخوة في الألم، إخوة عميان لم ترشدهم النظرية إلى طرق التشاؤم والشك والسؤال. أخوة طرشان تجنبوا الصرخات القادمة، عندما ألهتهم الحفلة عمّا تخفيه الستارة، ستارة المسرحية التي أخرجها الذئب وأُكِلتْ فيها ليلى.

المعقّدون الحالمون في مقهى إبراهيم وحانة غاردينيا ارتكبوا معصية الولد العاق في خروجه من البيت. معصية قولة: لا، وحفنة المعاصي التي ثَوَرّت المحبة والتفكير ملهمةً أعداءها وأصدقاءها بنور بعيد فاضحٍ وصادم. لكن الأحلام انكسرت على ضفة ناتئةٍ مليئة بصيادين محترفين، أخرجوا السمكة الذهبية، وأشعلوا لطبخها النيران. تلك الجماعة، ذلك المجموع النهائي للإصرارعلى الثقة! وبعد سنين يعود اليساري المتفائل إلى حزبه، ويشّد الآخر حزامه في مقعده اليميني الوفير، يتفق هؤلاء يساراً ويميناً على بناء الإشتراكية في البلد حلّاً لخلافاتهم، بينما كان شعب الجبل قد طورد من كهف إلى صخرة خارج الحدود وسُوّي ملفه بكل مراسيم التشييع التقدمية.

إتفقوا علينا إذن!

طريقة استثنائية تلك التي عذبنا فيها حياتنا.

والأحلام؟

 

• مقطع من نوفيلا” ديناميت وطني” تحت الطبع.

شاعر وكاتب عراقي، السويد

[email protected]