“الناجي” قصيدة للشاعر العراقي عدنان عادل

عدنان عادل

كان عليَّ أن أُمارس الحُبَّ مع الموتى

لأنجو:

عندما شاهدتُ التراب ينبض بأحياءٍ تحته،

والبحر يمدُّ موجة لقيطة لالتهام غريق أعزل.

عندما شاهدتُ نهراً تشوى الأجساد عليه

وعلى ضفتيه يقام زفاف،

وجثة مرميّة على الطريق

يغرز المارين في ثقوبها أزهاراً للذكرى.

عندما شاهدتُ قرية كاملة

أُناسها تأكل النابالم وتتغَوّط مظاريف الطلقات،

ومقبرة قريبة يتخاصم أمواتها على شِبرٍ من المكان.

عندما شاهدتُ دجاجات تُغتصب

على أيدي مكبوتين يتحضَّرون للآخرة بالصلوات

ويُسَبّحون باسم بالله بمسابح خرزاتها من حلمات أثداء النساء.

وديَكة تُدهن شروجها بزيت عباد الشمس

فتظل رؤوسها تبحث عن الشمس

وصياحاتها المكتومة تفلت منها تباعا،

تغادرها كهواء فاسد طلباً للنجدة.

ثم تنال دجاجة جائزة نوبل للسلام

إرضاءً للديكة

ولمحو شعور بالذَّنب

أصابَ الموادَ الأوليةِ للماكينةِ الامبريالية.

عندما شاهدتُ إبهاماً

طاح فوق طاولة الدومينو،

فتلقّفه النادل وضمه في جيبه كهدية لابنه العزيز.

تمَلّك الحسّد الآخر وخرج إلى الرصيف المجاور

يبحث عن إصبع لابنه المُدَلَّل.

عندما شاهدتُ الليلَ يَفتحُ باباً ولا يدخل منه سوى الخَوف

فتخرج الروح من النافذة ولا تعود

كعادة الأرواح الحالمة.

لكن لا بأس إن كان في النهار من يمارس الحب مع الموتى.

عندما شاهدتُ رجلاً

ينوي قذف ابنه من جسر على نهر سيروان

لأن زنبوراً ظهرَ في الأفق حاملاً قنابل ذكية تلّسع فقط من نُحِب.

وثوّريٌّ مغبون يدفن سلاحه باكياً

على سفح جبلٍ في بنجوين.

عندما شاهدتُ الله في مارس من عام 1991

يحطم رؤوس الهاربين من الموت بحبات بَرَد

صُنعت خصيصاً لهذا الغرض.

وفي 2003 كان يبتسم بخبثٍ

صُنع أيضاً خصيصاً لهذا الغرض.

عندما شاهدتُ امرأة مُقرّفصة

تُرضع طفلها بيدٍ

وبالأخرى تحّشر رأس بَصّلة يابسة في مهبلها درءاً للاغتصاب،

فتخضرّ البَصلة هناك بأمان

ويتكاثر الشَّجن بين العائلة.

عندما شاهدتُ في أعياد رأس السنة

عَقدَ قِران الكذب بالأنانية،

في حفل زفاف صاخب وسرّي للغاية.

كانت أوروبا الغربية حاضرة بين المدعوين تقرع الكؤوس مع ملثّمين غرباء،

وأمريكا تطبخ على حطب الشرق الأوسط.

” رائحة الطبخ الزكية هذه تكفي لإشباع جياع أفريقيا”،

قالت مغناج دولة متصابية

وتهالكتْ، بحجة أن الديمقراطية لا تستوجب الاستحواذ على الكراسي،

جالسةً على قضيب لاجئ سقط من المدخنة وتاه بين المدعوين

مستجدياً أوراقاً تثبت أرضيتهُ.

مَلَّ الاستجداء وأخذ يعرض قضيبه الأرضي المُحترم للمساومة.

وآخر سقط من السماء وتدحرج في المدخنة مقلداً صاحبه،

لكن قضيبه الهزيل لم يفِ بالغرض.

رجع خائباً إلى المدخنة شاردُ الذهنِ كمن ينتظر الوَحّي.

نزلَ عليه وَحّيٌ متقاعد أعّوَر ونصحه بأن يُمثّل دورَ المثّلي.

لكنهم كَذّبوه.

تربّعَ في المدخَنة وفكر جدياً في الصعود إلى من حيث سقط،

فنزل عليه الوَحي ثانية.

قَبِلَ مُجبراً أن يُوُشَمَ على ذراعه صليب، آملأً الخلاص.

لكن الصليب بإرادة الله انعَقَف، فانهالت عليه الشتائم من كل صوب

وأعادوه إلى المدخنة.

ملَّ من نفسهِ ومَلَّ من الانتظار نفسَه.

كمحاولة أخيرة بائسة،

زَوَّر قضيبه مستعيناً بقضيب صاحبه ذو الحظ السعيد،

تزاحمت عليه الدُوَل.

انتهزت الفرصة دولة في العقد السابع من عمرها،

وعرَّشَت فوق قضيبه بسلاسة

مُشتَرطة عليه بلطف أن تُجرى التحقيقات الروتينية اللازمة

لإثبات خلو أداته من أيّ عيب.

وكان هو تحت مؤخرة الدولة يبتسم.

أذّكرُ كل هذا بالتفصيل

لأنني كنتُ حاضراً بين المدعوين كمترجم اجتماعي،

مشتركاً في جريمة غير منظّمة وقعتْ في حفل مُنظّم.

كان الجاني شبحاً والضحية أصبحت كذلك.

والناجي أنا.

كنتُ الوحيد من بين أقراني

ممن يجيد ممارسة الحُبَّ مع الموتى دون بكاء.

موتى لم تكن لهم حياة هنا ولا هناك،

موتى كانوا بحاجة إلى الحُبّ فقط.

كنتُ أعشق ملّمسهم الناعم

ولامبالاتهم الصارمة، أعشق أعينهم التي من حجر.

كانوا كثيرين، كثيرين جداً إلى حدّ

اضطررتُ حينها إلى الاستعانة بأُيور صناعية،

ولم أكن ابكي لعطب أصاب مياهيَّ الجوفية.

 

 

14.04.2019

آخلادخوري- يونان

 

[email protected]