“بنت العبّارة” قصة قصيرة للكاتبة العراقية ياسمين حنّوش

ياسمين حنّوش

يقال إن الموت غرقاً في المياه العذبة أرحم من الموت غرقاً في المياه المالحة إذ يتم بسرعة عادة.

دقائق كانت لا غير. تمسكتْ آشين بالسياج الحديدي كما أخبرتها الأم بصوت مذعور. شعرت بالأرضية الحديدية تهتز وتنحني من تحتها وبالماء يصعد إلى ركبتيها. كانت أجساد الأطفال والأمهات الأخريات تعتصرها وهي تهرب نحوها في العبّارة التي أخذت تميل وتغطس في النهر. رغم الاحتقان البشري المفاجئ والبلل الصاعد بقيت متمسكة بالسياج بكل ما أوتيت من قوة. أطبقت على عينيها بشدة، علّ السواد يخفف من وقع اللحظة المرعبة. تمنت لو تصم أذنيها بأصابعها كي لا يصلها صراخ الآخرين الذي عزز من ذعرها لكن يديها لم تقويا على إطلاق سراح الحديد الناتئ الذي أخذ بالارتفاع. شعرت بالدنيا تستدير من حولها حتى توقفت لبرهة ثم انقلبت لتغمرها برودة عارمة أعادتها إلى ذلك الانتهاك الأليم. أفاقت منه وهي ترتجف على أرضية اسمنتية رطبة وسط بركة من دم كان لايزال ينز من مهبلها ومخرجها.

أعيدي: أشهد أن لا إله إلا الله وإن محمداً رسول الله

قولي: هذا هو زوجي وولي أمري ومالك عصمتي

قولي: إلى أن تفرقنا الشهادة

هاجمتها المياه الدموية مرة أخرى فجأة. فرضت نفسها عليها بذاك العنف الذي ألفَته في الماضي القريب، الماضي الذي ما كان يفترض أن يعود. جاء الهجوم الوحشي من المنخرين والفم هذه المرة فلم تقوى على مواصلة إغلاق العينين أو التشبث بالقضيب الصدئ. وكما بدأت فجأة، اختفت صرخات الآخرين مع اختناقاتهم فجأة. وبلمح البصر اختفت معهم الأم. رأت البدن الفولاذي الضخم في طريقه ليجثم على جسدها والأجساد الهزيلة الأخرى وكأنه قبة مسجد وجيه الصيدلي تنهار مجدداً فوق رؤوس المصلين إثر القذيفة الداعشية. توقعت هبوط الأضلاع الحديدية باتجاهها فشرعت بالهروب لعلها تفلت من الهيكل الوحشي هذه المرة. انقلب جسم العبّارة بعنف كوّن تياراً شديداً دفع بها إلى الحافة مع العشرات من المنغمرين تحت قبة الموت الوشيك.

كل شيء مر بسرعة الكابوس.

تساوى قدر الذعر من انقطاع الهواء مع الذعر الذي خلفه تواري الأم عن الأنظار. تساوى ألم الحاضر مع آلام الماضي الذي انهمر فجأة مثل شلال عظيم. العتمة التي اشتدت بسرعة لم تسمح باستيعاب مشهد الرعب الذي أصاب النسوة العالقات بالقضبان الحديدية من عباءاتهن الحريرية وفساتين العيد الفضفاضة حتى الرمق الأخير.

تشنجت أوعية جلد آشين إذ لامست مياه آذار البارد ذروة أنفها وهاجمت رئتيها. واصلت الحركة حتى استطاعت أن تتخلص من الجثمان الحديدي وترفع جسدها الصغير إلى سطح دجلة الفائض لتستنشق بعضاً من الهواء مع المياه التي أخذت تخفف من نسبة الدم في عروقها. لامس رأسها الصغير شمس نينوى الرؤوم فشهدت جسدها الصغير يندفع بسرعة مع دفق الماء. لمحت ذلك القرص الكبير يدور لأول مرة. سرت في بدنها رعشة حبور لا إرادي وهي ترى الأطفال في دواليب أعلى القرص. سرى بها التيار نحو غابات السهل التي طالما حلمت بالسير بين فروعها الغضة. جرت بها مياه السد المنسدلة بعيدا عن دولاب الهواء ورجعت بها الذكريات إلى صور متفرقة من ماضيها القصير.

قتال في الشوارع، أصوات قصف تتآتى من بعيد، اختطاف صندوق السيارة الذي يقود إلى اختناقات تماثل ما تمر به الآن، سوق السبايا، تلك الآلام الرهيبة والحشرجات والاختناقات التي تلت السلاسل والصندوق، جوع، ضياع وقتي بعد تحرير المدينة، رجوع راعش إلى أحضان الأم الدافئة، طمأنينة المنزل الصغير الباكي، أول احتفال حقيقي بعيد نوروز كاد يوشك أن يحدث اليوم.

أين أمي؟ يسري الدفق بآشين وتجرفها الصور دون إرادتها إلى هنا وهناك. بلا انقطاع. تتلفت عيناها بحثاً عن أثر للأم. قبل رمقها الأخير تذكرت حلم الليلة الماضية، أجمل حلم كانت قد رأته. كانت تسبح وتسبح في الماء الجاري بسرعة فذة حتى حلّق بها ذراعاها في عرض سماء شاسعة. من هناك كانت تنظر إلى الأرض وسكنتها وكأنهم الدود الأسود الذي ينخر عيون الموتى. علت علواً شاهقاً وصارت عارية كعريها يوم تركت مياه المخاض الحنونة وخرجت إلى يباس هذا العالم القاسي. حلّقت وهي تكركر، كأنها ملاك في رحلة العودة من حيث أتت.

شوفة خير انشالله، كانت الأم قد أجابت بعد أن روت لها آشين الحلم، ثم حثتها على الإسراع لأنهم تأخروا على طقوس العيد ذلك الصباح.

– حان وقت أن نخرج إلى الحياة.

سيحتفلون بأعياد نوروز وكأن شيئاً لم يحصل. سيخرجون إلى الشمس للتمشي في الحدائق وتنشق نسيم الربيع العذب بعد اختباء طال.

– تعفنّا! لكن خلص. الكابوس انتهى!

اليوم هو يوم جديد.

سيمحون آلام الماضي وكأن شيئاً لم يحدث. ستشيد الموصل الحدباء من جديد. سيذهبون بك إلى الجزر السياحية ومدينة الألعاب ويتناولون الفشار وحب الشمس ويشربون السينالكو مثل أيام زمان، أيام ما قبل الحروب التي حلت على الموصل مثل نقاب ثخين خانق وحاصر المدينة طوفان الموت المسعور—بل حتى سيلبسون ملابس العيد البراقة ويتظاهرون بأن المدينة لم تتوقف يوماً عن الاعتراف بهم وبالاحتفال بنوروز—اليوم سيعودون بك يا آشين إلى أجواء السبعينيات الذهبية التي لم تتذوقي منها شيئاً، سينفضون عنك وعن أنفسهم غبار الخوف وسعير الطائفية فتمرحين وتركبين دولاب الهواء وكأنك ولدت لتعيشي مثل باقي أطفال العالم.

– أعدك بحياة أفضل من اليوم فصاعداً يا حبيبة ماما.

– ما هو دولاب الهواء يا ماما؟

– لا تسألي الكثير من الأسئلة يا بنيتي. أصبري حتى نصل أم الربيعين فترين الجنة بعينيك.

دقائق كانت هي لا غير بين الضفة والضفة التي لم تصليها. بين حلم الحياة والموت بنفسه.

لم يمر الكثير من الوقت قبل الانطماس الثاني. اصطدمت مياه دجلة بعينيكِ المرعوبتين. أثارت العصب القحفي الخامس المؤدي إلى قلبكِ الذي ثُقّل بأكثر مما تحمله القلوب البشرية عادة. انسدت مسالك الهواء وانقطع تنفسكِ. اضطرب وعيكِ المنهك حتى فقدتيه. أصيب العصب الحنجري فتشنجت حبالكِ الصوتية. لم تجد تلك الحبال ما تنجده بك من الكوارث التي مرت على غرة كسيل النهر الفائض. تشنجت عضلات جسمك ذي الاثني عشر ربيعاً. توقف معه قلبك معلناً نهاية أخرى من نهايات تيار المصائب الذي يأبى الخمود عن جريانه اللاهث.

طفت بقايا جثتكِ الصغيرة على سطح الماء لتنتشلها في الأسبوع المقبل قوات الإنقاذ الفوري المتأخرة. قالوا إن الموت غرقاً في المياه العذبة أكثر رحمة من الموت غرقاً في المياه المالحة إذ تم بسرعة.

 

من المجموعة القصصية “أطفال الجنة المنكوبة” قيد الانجاز..

كاتبة وأكاديمية عراقية، أميركا

[email protected]