“بوب مارلي” قصة قصيرة للكاتب العُماني محمود الرحبي

محمود الرحبي

إلى/ عبدالعزيز أمزيان

 

كان يشُقّ طريقَه باندفاعِ مَن يسابق ذيلَ الريحِ حين هجمتْ على رأسه فكرةٌ وثبتته مكانه:

– لماذا لا أَحلِقُ شَعرَ رأسي كاملاً حدَّ الفروة؟

لم يكن من قبلُ يفكر في أمرِ شعره، ليس فقط لأنه يمتلك أطولَ خصلاتٍ عرفها حيُّ اليوسفية الشعبي – تمتد كهربائيا، من عُروقِ الرأسِ أسلاكٌ سوداءُ مجعدة- إنما لأسباب أخرى..

اسمُه يوسف وله تقاسيمُ سُحنةِ بوب مارلي. وكأنه يحمل صورةً معلقة لمارلي أمام وجهه. وهكذا، صار كلُّ من يراه يتذكّرُ فوراً بوب الجامايكي، ملِكَ الرّيغي ومُريدَ الراستا والحفيدَ الخفيَ لهيلاسي لاسي.. وذلك لأنّ الشّبَهَ صارخٌ إلى الدرجة التي يمكن أن يُعيد فيها الزمنُ نفسَه في لحظة.

بُوشْعابطْ بالنسبة لمن لا يعرفه -أو لمن لا يعرف بوب مارلي- وخاصة أقاربه وجيرانه. ولكنّ اسمَه بوب راسخٌ بالنسبة إلى الشباب، طالما ظلّ محافظا على التقاربِ بين الأسطورةِ والواقع؛ أسطورةِ مارلي، الذي يُجّلّه أكثرَ متعاطو القنّب الهندي، الذين تُشكّل أغاني “Buffalo Soldier” و”No Woman No Cry” سلوى وحدتِهم، وواقعِ يوسفَ، العاطلِ، الذي وجد أخيرا ما يمكن أن يجعل لحياتَه معنى وانتباها.

وهناك كذلك من لا يَحفَل به. فلا توجد قيمةٌ كبيرة في أن يشبه الحيّ الميت، خاصة إنْ كان بلا مواهبَ تُخفي قبح هيئته. لم يُجرّبْ “يوسف” أو “بوب حي اليوسفية” الحشيش، لا. لا. غيرُ صحيح؛ جرّبه ولكنْ لم يستسغْه. حاول مرارا أن يُثبت الأسطورة في واقعه ولكنه كان يظلّ مرفوعاً عن الأرض تماماً ما أن يرتشفَ جُرْعاتِ الدخانِ الأولى من السيجارةِ المحشوَّة. يظل منزوياً في ظل جدار لا أثر له حتى في نفسه.. لذلك قرّر هجْرَ الحشيش نهائيا. هكذا وقف فجأةً في طريقه الأفقي وهو يسابق ذيلَ الرّيحِ وقرر ألا يدخن غير المارلبورو، بدون إضافات، مكتفياً ببوب مارلي بلا حشيش. ولأنّ أهلَه ميسورُو الحال تقريبا ويّخصّص له أبوه مصروفه الشهري، فإن أمْرَ السجائر ليس متعبا. أبوه، الذي يدير شركةً فرنسية لبيع الأجبانِ، لم يعدْ يعترضُ على حياةِ ولده طالما أنه متوحّدٌ مع أوهامِه ولا يجلب له المشاكلَ والبوليس. شرع كذلك يحفظ عدّةَ أغانٍ لمارلي دون أن يُجيد ترويضَ مخارجِ حروفِها الجامايكية، باستثناءِ الأصواتِ التي يشترك فيها الجميعُ بِيضاًن وسُودانً:

– يويويو يوييويو يويويوييوي ييوي ييويه.. يويويو يوييويو يويويو ييوي ييويه.

يرطنُ بها بينه وبين نفسه ويتوقف فورا إذا سمعه أحدٌ. لم تكن إذن أغاني بوب مارلي ما دفعَه ليتشبّهَ به، إنما كان كل ذلك بدافع من الصّدفةِ البحتِ. ذاتَ يوم وهو يمشي أفقيا، محاذياً ذيلَ الريح، تَذكّرَ حديثا دار بينه وبين حلاقٍ شاب:

– هل تعرف بوب مارلي؟

– سمعتُ عنه من أبي.

– إنك تشبهُه، بسحنتك الصحراوية. وستشبهه جدا حدَّ التماهي إذا أضفتَ إلى ذلك خصلاتِ شعرٍ طويلة.

هنا بدأ يأخذ طريقَه نحو الإهمال، الذي في حقيقته لا يخلو من اهتمام. عدمُ قطع طريق نمو الشعر ومراقبته أولا بأول. وخلال الانتظار والشغف، كان يوسفُ يبحث في كلِّ مكانٍ عن أخبارِ بوب مارلي. جلس ساعاتٍ طِوالاً في أقبية النّت وهو يستمع ويقرأ. وكان “جوجل” و”يوتيوب” يوفّران كلّ مكتوبٍ ومرئيٍ ومسموع. ولأنه أكملَ بصعوبة مرحلةَ الإعدادية فإنه يستطيع أن يقرأَ بالعربية والقليل بالفرنسية ولا شيء تقريبا بالإنجليزية.

علّق كذلك -في جدران غرفته- صورا لمارلي في مُختلِفِ هيئاتِه، في رحلةِ الانتظارِ البطيئة لنمو الشعر. كان، كلَّ يومين أو ثلاثةٍ، يراقب صورتَه في المرآة فيشعرُ وكأنه يرى مارلي اقترب خطوةً اليه ليعانقه.. إلى أن تَوحَّد به نهائيا حين طالتِ الخصلاتُ، التي ما فتيء يأخذها إلى الحلاق ليعقصَها له إثر كل مرحلة متقدمة من النمو.

كان من قبلُ يزور الحلاقَ بين عدة أيام ليحلقَ له شعرَ رأسه ويشذّبَ زوائد ذقنه، إذ ليوسفَ كذلك ذقنٌ لم يطلقه بعدُ لرياح العبثِ، على غرارِ لحيةِ بوب مارلي المدبَّبةِ.

– عليك ألا تغسلَه. لن ينمو الشعر بالطريقة المطلوبة إلا إذا تركناه شهورا بدون أن يقرَبَه الماءُ.

ظهر، أخيرا، وجهُ بوب مارلي في شوارع الدار البيضاء. ولكنّ مفاجأتَه كانت صادمة، بعدما اكتشفَ أنّ قلةً قليلة فقط من يعرف بوب مارلي. وهذه القلةُ ليست بالضّرورة في صحو دائم وهي تراه، حيث سيكون حضورُه ملتبساً بين الحقيقةِ والغياب.

ارتاد أكثرَ الحانات كثافةً وصخبا ليرى انعكاساً لنجاعةِ ما فعل. كان يجد رفقاءَ ولكنْ ما يلبث أن يطرد حين يُكتشَفُ إفلاسِه من دفع علبة بيرة زائدة. فيشعر حينئذ بأنّ بوب مارلي الذي تَلَبَّسَهُ ضعيفٌ لا بريقَ له. التجأ كذلك إلى المناطقِ التي يرتادها السياحُ اﻷوربيون. وقف أمام أبوابِ المتاحفِ والكنائس مستعرضاً هيئته، فكانوا ينتبهون سريعا إلى الشبه مبتهجين. ولكنْ ما أن يقتربَ منهم محادثا أو مضاحكا حتى يجْفُلوا، لظنهم بأنه ليس سوى دجالٍ أو لصّ. وهكذا فعل في الشواطئ الصيفية، ليكتشف بمرورِ الوقتِ أنه وحيدٌ منبوذ. أمه كذلك خافت من هجومِ الحشراتِ، خاصةً حين أخبرها أبّوه بأنّ الفنانَ الذي يُقلّده ابنُها مات وفي رأسِه مزرعةٌ من القمْل.

لذلك كان قرارُه حاسما لإزالةِ كلِّ أثرٍ لبوب مارلي، حين وقف فجأةً وقرر حلقَ شعر رأسِه حدَّ سطوع الفروة.

– لماذا هذا الاستعجالُ؟ إن حلقتُ لك سيتلاشى كل ما بنيتَ في شهور.

– بوب مارلي غنّى للعالم ومات، أما أنا فلستُ سِوى مسخٍ.

وحين بدأ يتلاشى سريعا أثرُ الفنان في وجهه بادَره الحلاقُ:

– هناك شخصٌ يشبهك تماما وأنت أقرع..

– مَن؟

غاندي.

 

[email protected]