“بيروتشيما” قصيدة للشاعر اللبناني عبده وازن

 

نسيم البحر يهبّ على مرفأ بيروت

ينسلّ بين الخرائب حاملاً إليها قليلاً من ملح

يتهادى فوق حطام المعدن والألمنيوم

بين بقايا جدران ومخازن

جرّدتها النار من روحها.

نسيم البحر يهبّ عالياً قليلاً

يتوه بين أطلال الجميزة ومار مخايل

بين أحياء الأشرفية

يصعد الأدراج الحجر القديمة

ثمّ ينحسر حزيناً

مثل بيروت التي فقدت

وجهها الأزرق للحين

التي فقدت عينيها

لحظةَ انبثق الشهب الاحمر

وهبّ الدخان الأبيض ثمّ البرتقالي ثمّ الأسود.

راحت المدينة تتساقط بجدرانها وسطوحها القرميد

وفي الفضاء ترتسم نبتة فطر ضخمة

من غمام النيترات والامونيوم

ماحيةً وجه السماء

ماحيةً خط الأفق عند الغروب.

كانت الشمس تنحني فوق سرير الشفق

عندما أيقظها صوت مدوّ

اخترق هالتها الكئيبة

صفحة البحر كانت تتراخى بدفء متوسطيّ

عندما تدافعت أمواجها إلى الوراء

مراكب انقلبت وبواخر تحطّمت صورايها

رفوف نوارس تناثرت في الهواء

أسماك طارت ثم سقطت

عمال المرفأ حملهم الدويّ إلى اليمّ فغرقوا

وبعيداً قليلاً كان يشيع الدم البرتقالي.

السادسة إلا ربعاً

كانت الأحياء والأرصفة تسترجع هدوءها

كعادتها عند المغيب

البيوت تتهيأ لموائد المساء

من المطابخ تفوح روائح مأكولات بيتية

وفي الكنائس توقد شموع

مزروعة في رمل الصندوق الأجوف

كانت الأشرفية والجميزة وكلّ أحيائهما

تشهد حركة المبيت الخافت

إيقاع العودة إلى المنازل أو الخروج لنزهات صغيرة

اليمام يطير ثم يحطّ على شجرات الزنزلخت

وصوت أذان العصر يتناهى من جامع بيضون.

السادسة إلا ثوانيَ

التمعت السماء وأبرقت

ثم دوّى انفجار

الغيوم المتجمّعة فوق المرفأ غطّاها دخان

ثم انبثقت ألسنة جحيم

الأرض كأنما انشقّت

كأنّ زلزالاً أطبق على وجهها

رعد وبرق ومطرمن النيترات

مطر من الأمونيوم

مطر من زجاج

من نثرات زجاج

من شظايا زجاج

أبنية وبيوت تتهاوى

سقوف تتطاير في الهواء

شرفات تتداعى بحجارتها

نوافذ ودربزينات تتساقط على سطوح السيارات

على الأرصفة تنهار واجهاتُ محالّ

وابوابُ دكاكين

صفائح تنك ترتطم بالشجر

قنانٍ وزجاجات تتكسّر في حانات ومقاهي

غبار يتهادى كالغمام

غبار ودخان وعويل

غبار وصراخ

ركام فوق ركام فوق ركام

ركام فوق بشر فوق ركام

صفارات تنطلق في البعيد

في القريب الذي أضحى بعيداً

في الفراغ المملوء ضوضاء

في الضوضاء التي تهبّ منها أرواح

اجساد وبقايا اجساد

أشلاء وأحذية وقمصان

أطياف مطعونة في الصميم.

هيروشيما هيروشيما

بيروت بيروتشيما

هيروشيبيروت

أنتم لم تروا ما رأيتموه

لم تسمعوا ما سمعتم

كأنّ الكارثة لم تعبر من هنا

كأنّ الفاجعة لم تقع هنا

ما حصل كأنّما في كابوس

في لحظة كابوس كأنّه الأبد.

هيروشيما بيروتشيما

المستشفيات تلفظ أحشاءها

مستشفيات الساحل والضواحي

تقذف أشباه بشر

لم تبق أسرة فيها

لم يبق شاش ومصل ومطهرات

الأروقة تلطخت بالدم

حافات الأدراج تعلوها آثار أيد

جرحى يموتون في الهواء الطلق

جرحى ينوحون في الهواء الطلق

يحملون جروحهم بحثاً عن فراش

عن ممرضة أو طبيب

جرحى آخرون ما زالوا على أرض المرفأ

في المنازل والغرف

في السيارات

جرحى ماتوا للحين

انفقأت عيونهم

انفلجت رؤوسهم

صدورهم انفتحت كعلب كرتون

جرحى تدلّوا من النوافذ

رافعين أيدياً مدماة

يستغيثون بأصوات خفيضة

الفتاة ألكسندرا ماتت تحت لوح الزجاج

الفتاة بيسان سقطت تحت سقف التنك في الكرنتينا

أطفال ولدوا للتوّ غطّى الدم والغبار وجوههم

في المرفأ عمال قضوا تحت جدران الإهراءات

تحت وابل حبات القمح

الحبات الصفر التي تناثرت في شلال النيترات

تحت الركام قتلى وجرحى ومفقودون

يبحث عنهم رجال الدفاع المدني والصليب الاحمر

كنيسة القديس الناسك انطونيوس طار سقفها القرميد

يسوع على الصليب ينظر إلى السماء المكشوفة

بعينين حمراوين

مقابر كنيسة القديس متري هبطت قبابها

شواهد ضرائح عائلات بيروت تكسّرت

الموتى الراقدون استيقظوا لحظة ثمّ رقدوا

أيقونات سقطت ارضا وصلبان

كاهن كنيسة مار ميخائيل هرب من أمام المذبح

كادت تسقط عليه الثريا المضاءة.

نسيم البحريهبّ على مرفأ بيروت

الشمس رقدت في البحر عند خطّ الشفق

خيوط الظلام تنسلّ بين الخرائب

النجوم بدأت تتلألأ بنور شاحب

القمر هلال متضائل

لا يكاد نوره البرتقالي يضيء صفحة الخراب

المفقودون ما برحوا تحت الركام

بين أتلال القمح

داخل العنابر المتداعية

بين الحرائق التي أُخمدت

وما زالت تنفث دخاناً أبيض.

فيروز تغني “لبيروت منديل العيون”

سمعنا الأغنية في قلب الحرب الأهلية وبكينا

نسمعها اليوم ولا نبكي

لم يجف الدمع في عيوننا

لكنّ مآقينا تحجرت.

أعطيناك بيروت كل شيء

أعطيتنا كل شيء

سيدة الدنيا أو خيمة المشردين

نجمة الضالين ومنارة التائهين ليلاً في المتوسط

صنوبرة الصحراء ومطر اليباب

زهرة الأسى وتابوت العصور

وردة الشرق وأمّ الشرائع

أعطيناك أسماءنا وزنابقنا

وهبناك أعمارنا وما سوف يأتي

من ساحتك خرجنا بلا رايات

مطعونين بخناجر بغيضة

مهزومين كأشباح لياليك.

بيروت بيريت

بيريتيس بيريتوس

بيروتا بيرووة باروت

كأنّ قدرك أن تواجهي الموت

بعينين بارقتين

عقداً تلو عقد

قرناً تلو قرن

كأنّ تاريخك موت وموت

طائر الفينيق سقط عند شاطئك

وسيزيف تهاوى عند أسفل أهراءت قمحك.

نسيم البحر يهبّ في الفجر فوق الخرائب

سرب يمام يحلّق حائراً فوق حطام المرفأ

بكاء ما برح صداه يتردّد في الأفق

راسماً فوق بيروت قوس قزح رمادياً

أمهات وأرامل ينحن وما من عزاء

الجراح مفتوحة والعيون متورّمة

شقيقات يبكين أشقاء

آباء يبكون أبناء

أبناء يبكون آباء

نسوة باكيات ينحنين

مثل صفصفات باكيات

فوق حطام بشر ومدينة.

نسيم البحر يهب فوق أشلاء

تبحث عن اصحابها

فوق أناس فُقدوا تحت دفق الحجارة

يعبر بدفئه بين الاحياء المكشوفة

بين الأبنية والبيوت التي طارت سقوفها.

الأشرفية لم تنم ولا الجميزة

لم ينم أحد هنا

سهروا جميعاً تحت ضوء القمر

منتظرين شروق شمس آب

ليبدأوا نهاراً أولّ من شقائهم

نهارا أولّ من روزنامة الأسى

من ساعة جدار تتدلّى على بقايا جدار.

 

شاعر لبناني

[email protected]