“تقاعد” قصة قصيرة للكاتب العُماني محمود الرحبي

محمود الرحبي

في الليل تتهاطل الأفكار كهدير بحر مظلم بلا مرسى.

تتدفق أنفاسه في تجاور مع الفوضى التي تحتدم في رأسه وهو يتحفز ليكشف ما تخبئ له المفاجأة في ظرف أصفر؛ واجهته مزدانة بصورة لجانب من جبال مطرح، تعلوها قلاع سمراء، نصفها مخفي في الظلام. كما يبدو من الوهج الدائري المنعكس من صفحة البحر أن الصورة التقطت في مساء كان فيه القمر بدرا.

تأمل، كذلك، طابع البريد المرسوم عليه وجه السفير أحمد بن النعمان الكعبي، أول سفير عربي إلى واشنطن في زمن السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي، عراب الإمبراطورية التي كانت أصداؤها تتنادى في كامل المحيط الهندي ويشمل امتدادها أطرافا من الهند وإيران وإفريقيا. وكان ضمن عطايا الملك السعيد للرئيس الأمريكي مارتن فان بورين سيفٌ مذهّب وجوادان عربيان أصيلان، حملها سفيره ابن النعمان في أحد أيام 1840 ضمن ما حمل على ظهر السفينة سلطانة. وكان ذلك السيف وذانك الجوادان يكتنفان رسالة رمزية تشير سهام معانيهما إلى ما تبقى للعرب من قوة.

وحين تلمس الظرف الأصفر وأحس بأن ما بداخله ثقيل؛ تساءل عما يحمل من معنى.

– إلى ماذا يرمز هذا الظرف الثقيل الذي بلا مرسل؟

وهنا تفجّر سؤال صعب:

– هل يحمل قنبلة؟

ثم ما لبث أن طرد الخاطر الأسود من رأسه، متحسسا بحذر وبطرف عصاه، عظام الظرف، حين تنبّه إلى أن تجويف هيكله شبيه بتجويف سفينة. فهل هي لعبة طفل وصلتني عن طريق الخطأ؟ ولكن عنواني واضح عليها وضوح شمس النهار! هل يجب عليّ فتحه؟ كم من الرسائل مرّت في حياتي؟ المئات، وبأحجام وأوزان متفاوتة، هل من فرق بينها وبين هذه الرسالة؟

ثم قلب الطرد على ظهره، وكأنما ليتثبت، للمرة الأخيرة، من وجود عنوان أو أي إشارة تدله على مرسله. ورغم ذلك لم يستعجل الفتح. لم يعد يفعل ذلك الآن، إذ غدا لديه وقت كاف لكل شيء؛ حتى لتأمل اللازمن في ساعة الحائط أمامه، والتي تزحف عقاربها ببطء ثقيل. وهاتف منزله الثابت الذي كان يرن بمجرد أن ينظر إليه، بدا وكأنه صامت منذ دهر. وتلك الألقاب التي تجعل اسمه متأخرا في الترتيب، لم يعد لها الآن أي وزن.

أعاد قلب الظرف على وجهه مرة أخرى، حيث الصورة المبتسمة للسفير والشطر الجبلي من شاطئ مطرح. تأمل طويلا، وبشيء من الحلم الممزوج بالسكينة، السجون البرتغالية العتيدة المعلقة فوق الجبال وحجارتها المنداة بالغروب.

ثم حسم أمره، في نهاية المطاف، وقرر أن يستعين بسكين لفتح المظروف.

تحرك الظرف إلى طرف الطاولة دون أن يسقط، بعد أن لكزه بعصاه وهو ينهض إلى المطبخ. ثم ظهر وفي يده سكين، قرب الظرف بعصاه. شق طرفه بحذر. واصل القص وهو يدلي عينيه إلى جوفه. كانت صدمته لا توصف حين رآه فارغا.

 

mmrh20[email protected]