توماس مولمان: أعلّق لساني بين صفّي أسناني، وأعضُّ

 

ثمان قصائد ترجمها عن الهولندية: عماد فؤاد

thomas3-1
توماس مولمان

 

 

ابدأ جيداً

 

انظر كيف تتألّق كلماتها

تأمّل كيف تتجعّد زوايا فمها

وكيف تحظى بنعومة خلف أسنانها

 

راقب كلّ ضحكة غالية تنطلق من فمها

دون أن ترمش مرّة واحدة

ولا تنسى لحظة

متى ما تكلمتْ أو صمتت

 

خذ الوقت الكافي لتنظر إليها مليّاً

لتنحني أمامها بهدوء،

خذ أيضاً معك أحجاراً كافية

لتضعها داخل الكيس

لتضمن أنك لن تطفو أبدًا

من الغرق في حبِّها.

من مجموعة “الصَّبي السَّائل”، 2005.

 

رجل الحائط

 

بالطبع لديكَ أناسٌ يصنعون كل شيء:

أرضيّات، أبواب، نوافذ، أسقف، إلى آخره

لكن رجلاً من أربعة جدران

وبلا مأوى؟

 

أخذتْ كل ما كان يملكه صباحاً

وخلّفتْه وراءها هنا

كي يكون شاهداً عليها،

رآها تنكمش بالقرب من السياج

الذي لم يتفتّت بعد

الذي لم يصدأ

فيتهاوى صدأه فوق العشب

العشب الذي يجب أن يجزّ، بالقرب من النّهر

وهكذا، يحسب كم تبقّى من الزمن

ليختفي جثمانها نهائياً

حينها سعل بشدة

وحاول

أن يستسلم متقبّلاً

موتها.

 

من مجموعة “الصَّبي السَّائل”، 2005.

 

 

ينام الناس في كلّ مكان

 

تهاوا في المكان الذي وقفوا فيه ذات يوم

جباههم مضغوطة على أذرعهم

وجوههم ناحية الأرض، وتنفسّوا بهدوء.

فوق الأرض، تحت أغطية دافئة

وسقوف صلبة، زحفوا تجاه بعضهم البعض،

والتفوا على أنفسهم

بينما يتفتّح العالم مثل يدٍ

بينما الأصابع تبحث عن أصابع

وأصابع أخرى عن أصابع أخرى..

في الوقت الذي تهدهد فيه الأسماك البحر ليغفو

تهدهد السفن حمولتها أيضاً

الراديو هو الآخر كان يهدهد الأب،

كمنشفة ناعمة كان الأب يهدهد الأم،

والمصابيح تهدهد الليل

لماذا تسهر، لماذا يجب أن يحرسنا أحدهم

لماذا يجب أن يوجد أحد أصلاً؟!

 

من مجموعة “صنابير مفتوحة”، 2009

 

محطّة “مومو

 

ليست موجودة على الخارطة،

لكن يجب أن يحمل كلّ شيء اسماً

تماماً

مثل الفتى الصغير ذو الوجه الجدّي

سحب تذكرة من معطف مراقب القطار الذي يرتديه

ومنحها لي.

 

محطّة جديدة،

وما من أحد على الرّصيف دون تذكرة

ولا أحد جوار “مومو”

أو جواري

سألته متى يتوقّع وصول القطار

لكنّه رفع كتفيه:

آخر مرة جاء القطار فيها

كانت منذ ثلاث سنين

حينها

كانت هناك لا تزال قضبان.

 

من مجموعة “الصَّبي السَّائل”، 2005.

 

صنابير مفتوحة

 

للمرَّة الأولى منذ جلوسه هنا

يرفع راحتيه عن عينيه

يلملم بحافة كُمِّه الأيمن

حبّات العرق عن جبينه المبلّل

 

تكسَّرت تجعيدة على جبينه كموجة

حيث الماء في الخارج والضّوء في الداخل

قطعة نقدٍ في ذاكرته

يطلّ عليها من غرفته

 

للمرّة الأولى منذ جلوسه هنا

تبحث الأشكال المتحرّرة عن جلدها

ترجع من جديد رويداً رويداً

كخزانة أو كحقيبة أو كركبة

 

للمرّة الأولى يحصى عدد الثقوب

التي من خلالها أخرج الرباط من أسفل إلى أعلى

حيث يعثر طرف الخيط

على طرفه الآخر.

 

من مجموعة “صنابير مفتوحة”، 2009.

 

 

لسان

 

ليست أبداً كلمة واحدة تلك التي تقارب الحياة

هناك الكثير من الكلمات، العديد من الوجوه

مشوّهة أو مجزّأة، مع شعيرات نابتة

أو مع مكياج خفيف، بشعر

أو بقبّعة

لا تتناسب وأيّ شيء.

 

في كلّ وجه علبة من الجلد

في كلّ علبة تُفتح يمكن أن يكون هناك كنز

من لحم ودم

حيث يمكن للمزاعم أن تولد،

كلّ نقيض بنفس قوة  النّقيض الآخر

حيث وباختصار

تستطيع كلّ كلمة

أن تنال حياتها الخاصة.

 

أما زلت تفهمني حين ألثغ في الكلام

أما زلت تفهمني حين أعلّق لساني بين صفّي أسناني..

وأعضُّ

ما من وجه يجعل الوجوه الأخرى فائضة عن الحاجة

ما من كلمة تكتفي بنفسها، هنالك الكثير من الكلمات

خاصة تلك التي لا تملك شيئاً من المعنى:

لا أحد يمكن أن يوجد

في اللغة وحدها.

 

من مجموعة “المكان الذي نعيش فيه”، 2013

 

 

(4)

 

غمرت المواعيد أنحاء العالم

وانتشرت كالنباتات بلا توقّف

ونسجتنا في عالم

من المواعيد

 

كان بإمكاني أن أقول لك إنكِ جميلة

وأن جمالك كان يزداد

كلما قلت لكِ ذلك

 

أوجد فقط

حين تنطقين كلماتك لي

لأنّني من دون كلماتك

لم أكن لأعرف عن وجودي شيئاً

ممتن لكلّ ما أشعر به تجاهكِ

وبفضل المواعيد التي وجدتْ

 

كلّ هذا أستطيع أن أقوله لكِ

لكن إلى متى سأظلّ أقولُ

لا أعرف.

 

من مجموعة “المكان الذي نعيش فيه”، 2013

 

 

إنَّه الرجل

 

يطوي مراكباً من أحلامه

ينفخ برقّة كي لا يوقظ أحداً

مالئاً أشرعتها الورقية بالهواء

ليرقبها وهي تبحر في عرض البحر

رويداً رويداً من النّافذة

 

عندما يشرق الصبح،

يحرص على جعل المصراع ثابتاً في مكانه خارج النّافذة

حرصه على أن تكون الصّور في مكانها من الكادر

وينتظر، حتى يهدأ كلّ شيء

ويبدأ الآخرون في تناول الإفطار

ينصت إلى حديث العقربين طيلة اليوم

ويحرس الشارع حتى يحلّ الظلام

حتى صار كمعطف

على مقاس الممشى والجدران

كمسمار

يعلق به البيت.

 

هو الرجل الذي ليلاً

يفرغ أكياس القمامة

يضع الملاعق في الأدراج

يعلّق المعاطف كبيرها وصغيرها

من مصائرها المخصّصة لذلك

فوق المشاجب.

 

 

من مجموعة “المكان الذي نعيش فيه”، 2013

 

 

 

توماس مولمان   Thomas Möhlmann شاعر هولندي، ولد في مدينة بارن في 18 تشرين الأول (نوفمبر) 1975. درس مولمان الأدب الهولندي المعاصر في أمستردام، ويشرف منذ فترة على تنظيم أمسيات مركز الشعر Perdu أمستردام، وعضو تحرير بمجلة Awater المتخصصة بالشعر، وهو أحد محرري الموقع الألكتروني لمهرجان الشعر العالمي بروتردام، نشر توماس مولمان مجموعته الشعرية الأولى “الصَّبي السَّائل” في العام 2005، والتي نال عنها جائزتين وفي العام 2009 أصدر مجموعته الشعرية الثانية “صنابير مفتوحة”، ثم في العام 2013 أصدر مجموعته الثالثة “المكان الذي نعيش فيه”.

عماد فؤاد، شاعر وكاتب ومترجم مصري من مواليد 22 (تشريت الأول) أكتوبر 1974. تُرجمت قصائده إلى العديد من اللغات، من بينها: الإنجليزيّة والفرنسيّة والهولنديّة والأسبانيّة والألمانيّة والفارسيّة واللاتفيّة والروسيّة والرومانيّة. أصدر حتى الآن خمس مجموعات شعرية، كما أصدر عمله الروائي الأول تحت عنوان “الحالة صفر”، دار ميريت للنشر، القاهرة 2015، وفي مجال الأنطولوجيا أصدر عماد فؤاد “رُعاة ظلال.. حارسو عزلات أيضاً”، الإصدار الأوّل لأنطولوجيا النَّص الشِّعري المصري الجديد، جمعية البيت للثقافة والفنون، الجزائر، 2007. وله قيد النشر: “ذئبٌ.. ونفرش طريقه بالفخاخ”، الإصدار الثّاني لأنطولوجيا النَّص الشِّعري المصري الجديد بين ثلاثة أجيال. لمزيد من المعلومات www.emadfouad.com

 

 

هذه القصائد نشرت في العدد السادس من

مجلة كيكا للأدب العالمي، صييف 2015.

يمكن الحصول على المجلة من الناشر منشورا الجمل، ومن المكتبات