ثلاثة نصوص من “زمن صغير تحت شمس ثانية” للكاتبة اللبنانية هدى فخر الدين

لا تحسن فيلادلفيا مواجهة الصقيع كغيرها من المدن الأمريكية. تتفاجأ كل سنة بثلج يسقط عليها دون إنذار. فتشيح بوجهها وتترك له أن يبعثرها. فيتمادى الثلج ويتعجرف. لا أحد يرتبه، لا أحد يوجهه، والمدينة تتسع، تتجاوز نفسها وتمسك بأثواب السماء.

*

في حيّنا في غرب فيلادلفيا مقبرة. سياجها حائط حجري ولها بوابة حديدية تظل مفتوحة في كل الأوقات. في بعض الأيام، بعد الشروق بقليل، أربط شريط حذائي الرياضي وأنطلق نحو المقبرة. أسرع في طرقات لم ترتفع العتمة عنها بعد.

أعبر تحت البوابة الحديدية لأركض فوق ممرات ترابية تتلوى بين القبور. لست وحدي هنا. آخرون غيري جاؤوا يتريّضون بين القبور. فالمقبرة كغيرها من المساحات الخضراء، شجر وعشب وتراب يتنهد.

 

أسرع في الجري. لا أعرف ما إذا كنت ألحق بشيء أو أهرب منه. تتتابع على جنبيّ الشواهد: آباء، أبناء، أمهات، أحفاد، أصدقاء. كلمات وأرقام مرصوفة وحيوات كاملة تسقط بين الشقوق.

 

ترتفع الشمس، فأسرع. أخرج من مدخل المقبرة إلى المدينة تصحو متعبة. أْعود إلى البيت وصخب الموتى يتبعني.

*

فيلادلفيا لا تشبه بيروت في الظاهر. ولكن شوارعها المنهكة تذكرني بشوارع منهكة تتلوى دائماً في البال.

 

قبل أن أغادر بيروت بقليل، اكتشفت وجهاً حقيقياً لشارع الحمرا. كان هناك، ولكني لم أنتبه إليه إلا حين نظرت مرة بالمصادفة إلى الأعلى. كنت أمشي نحو الجامعة ولمرة لم أنظر في واجهات المحال ولا في وجوه المارة والمتسكعين على الأرصفة وفي المقاهي، بل نظرت إلى الأعلى. ففوجئت بماض ٍ يقبع هانئاً فوق الشارع، لا يعكّره صخب ولا تقلقه اللحظة الراهنة. وكأن الزمن، بعجرفته، وبركبه الممسوس، لم يمرّ إلا في الشارع، نسي الأدوار العليا من الأبنية. لم ينتبه إلى شرفات حالمة ونوافذ عالية ساهمة، لا تنظر إلى الأسفل بل تنفتح على شارع الحمرا كما يحب الشارع أن يتذكر نفسه.

 

كاتبة لبنانية، تقيم في أميركا

من كتابها الصادر حديثا عن دار النهضة العربية، بيروت، 2019