“جاروبا نوشو” قصة قصيرة للكاتب العراقي ميثم سلمان

ميثم سلمان كاتب عراقي كندا
ميثم سلمان Maitham Salman

لو لم ألتق بتافون اليوم لما كنت لأعرف أصل ديانة الـ (تونغاي). هذه الديانة التي سمعت عنها لأول مرة قبل أربع سنوات عندما قتل أحد أتباعها قطة بطريقة وحشية.
التقيت بهذا الرجل في إحدى الحدائق العامة في مدينة أدمنتون الكندية عندما أخذت أبني آدم، ذا الثلاث سنوات، ليلعب بالألعاب الموجودة وسط الحديقة. كان تافون أيضا يصطحب أبنه الذي هو بعمر مقارب لعمر آدم. رجل في بداية الخمسينات من عمره. يضع نظارات طبية كبيرة تحتل مساحة ثلاث أرباع وجهه والباقي عبارة عن منخرين وفم. كان يحمل بيده شعرة قهوائية اللون طويلة وسميكة. قال لي إنها شعرة حصان كان قد جلبها معه من قريته الواقعة في إحدى جزر المحيط الهادي. يضع الشعرة بواحد من مناخيره كل قليل ويدفع رأسه للوراء ثم يعطس عطسة كبيرة.
بدأت الحديث مع تافون عن أجواء الربيع التي نعيشها في المدينة وما شابه من المواضيع العامة فقط لتزكية الوقت. كنت أجاهد لفهم لغته الانكليزية حيث كانت لكنته قوية. ربما أيضاً كانت لكنتي الانكليزية عنده غير واضحة. حيث كل منا يطلب من الآخر أن يعيد العبارة حتى نفهمها جيداً. باح لي بالكثير من معلومات عن حياته دون أن أكلف نفسي بالسؤال عنها. بدا لي رجلاً وحيداً ليس له أصدقاء في هذه المدينة الكندية التي هاجر إليها قبل سبع سنوات.
وبمجرد معرفتي أنه من أتباع ديانة التونغاي أخذتْ قملة الفضول تنهش في رأسي. فقد كنت قبل لقائي بهذا الرجل أبحث عن معلومات بخصوص هذه الديانة التي صارت مشهورة بعد جريمة قتل القطة. لكنني لم أعثر على معلومات كافية عنها، حتى في الأنترنيت. وقعت هذه الحادثة في إحدى المدن الصغيرة الواقعة شرق مقاطعة ألبرتا الكندية. وحينها استهجن بشدة جميع سكان المدينة هذه الجريمة خصوصاً بعد أنتشار فيديو قصير يصور الحادثة المروعة كان قد صوره شاب كندي وهو الشاهد الوحيد. انتشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي بسرعة هائلة. حتى إن البوليس استخدمه في تحقيقاته.
يظهر في الفيديو رجل يهرول في حديقة عامة نحو قطة مرقطة كانت تتبول على شجرة ضخمة أوراقها خضراء كبيرة وثمرها يشبه كرات بنفسجية صغيرة. عندما يصل الرجل للقطة يركلها بقوة وهو يصرخ بأعلى صوته: “جاروبا نوشو”. تطير القطة وترتطم بحاوية أزبال كبيرة قريبة وتسقط على الأرض، والدم يغطيها بالكامل. يسحق الرجل رأس القطة بقدمه وهو مازال يردد: “جاروبا نوشو”. المصور يصرخ بلغة انكليزية: “توقف، توقف. ابن القحبة!”. بعدها يهم القاتل بمغادرة الحديقة مخلفاً وراءه آثار دم قانية اللون على الرصيف وهو يرفع قبضتي يديه للأعلى مردداً نفس العبارة بصوت خشن وعال لا يخلو من فخر وكأنه يتلو دعاء النصر. وهو ماجعلني أحفظها مُذاك اليوم الذي شاهدت فيه الفيديو.
الإعلام الكندي حينها ركز على هذه العبارة كمحاولة لمعرفة دوافع هذا الرجل للقيام بفعلته. وقد تُرجمت العبارة الى اللغة الإنگليزية: “Glory to the God Jarroba”بمساعدة مترجمين من جالية هذا القاتل. يمكن ترجمة هذه العبارة إلى: “المجد للإله جاروبا”.
صار ذكر اسم هذا الإله مثار ريبة بين الناس رغم أنهم لا يعرفون ماهي طبيعة هذه الديانة التي أتى بها وما هي تعاليمه. وحجتهم في انتقاد هذه الديانة هي وقوع جريمة قتل باسم الإله. فمثلاً، في تلك الفترة، لو صرخ رجلٌ بعبارة “جاروبا نوشو” في حافلة مزدحمة بالناس لقفز الناس من الشبابيك، ولسان حالهم يقول: “اللعنة على هذا الخراء جاروبا”.
تبين من خلال اللقاءات الكثيرة مع مواطني هذا القاتل أن هناك ديانة تدعى (تونغاي) تقدس شجرة اسمها (هوساس)، وكان هذا القاتل الذي هاجر تواً إلى كندا قد شاهد تلك القطة وهي تتبول على شجرة ما تشبه بحجمها وأوراقها الخضراء الكبيرة وثمرها البنفسجي إلى حد ما شجرته المقدسة.
سارع معظم أتباع هذه الديانه إلى استنكار الجريمة مؤكدين على حقيقة أن دينهم يدعو للسلام والمحبة ويرفض العنف بشتى أشكاله، وأن هذه الفعلة المشينة ماهي إلا عملٌ فردي لا يمثل جميع أتباع الديانة. وهذا ما أكده أحد أفراد ديانة التونغاي في لقاء تلفزيوني، وطالب حينها أهالي المدينة الكنديين أن يبتعدوا عن التعميم الذي هو مظهر من مظاهر العنصرية وكذلك عدم التمييز ضدهم بسبب هذه الفعلة.
حاولت التعرف على تفاصيل أكثر عن هذه الديانة أو شجرة هوساس المقدسة لكنني لم أفلح، إلى أن التقيت بالسيد تافون اليوم في إحدى حدائق المدينة التي أسكنها منذ عام 2009. سألته بدون تردد عن أصل هذه الديانة.
رد عليّ: ماذا قلت؟
عدت صياغة السؤال بطريقة أخرى مشدداً على مخارج الحروف وأنا أعدل من جلستي على المسطبة الخشبية لمواجهته وكأنني أريد له أن يشاهد فمي وهو يقذف الحروف: “ممكن تحدثني عن ديانة التونغاي؟”
وشنو تعرف عن التونغاي؟
قلت له بشيء من التردد: “أنا أعرف أنكم تقدسون شجرة أسمها هوساس ولا تسمحون لأي كائن المساس بها حتى لو كان قطة.”
هز رأسه وقال: “بالتأكيد أنت تشير لواقعة قتل القطة؟”
 – صحيح.
اسمعني جيداً يا أخي. دعني أحدثك عن ديانتنا شوية.
وهذا هو ما أريده.
قبل ما يقرب الألفين سنة كان مؤسس ديانتنا اسمه تونغة العظيم. هذا الرجل كانت عنده معجزة فهم لغة الشجر.
 – عجييب! وهل الشجر يتكلم؟
 – أليس ورق الشجر يتحرك؟ وعندما يتحرك، ألا يصدر أصواتاً؟…هذه الأصوات هي شفرات سرية من العالم الآخر لا ندركها نحن البشر. مفهوم؟
قلت له مع أبتسامة عريضة للتخفيف من جديته: “لكن يا أخي، هذه الأصوات ليس لها أي معنى. مثلها مثل صوت تساقط المطر مثلا أو صوت الضراط.” وضحكت. حدق في وجهي بصرامة دلالة على عدم استساغته لعبارتي.
ثنى ساقه اليمنى ووضعها على المسطبة ليكون قبالتي مباشرة وبدا عليه الحماس في الحديث محاولاً تفسير ما يريد قوله بجهد عالي. قال بعد أن استنشق كمية من الهواء فارشاً منخريه على وسعهما ومشخصاً بصره في وجهي حتى أوشك بؤبؤا عينيه أن يخرجا من محجريهما: “اسمعني، تأكد أن هذه الاصوات لها معنى. نعم لها معنى. صدقني. وكان تونغة العظيم هو الوحيد القادر على فك هذه الشفرات.” ثم شبك ذراعيه على صدره وأطرق رأسه قائلاً: “كيف لي شرح هذه المعجزة؟ كيف؟ كيف؟”
لم أشأ مجادلته في هذا الأمر فما يهمنى حينها هو التعرف على معتقداته وليس الخوض في نقاش ديني. فقلت له: “يبدو أن السيد تونغة كان شخصاً فريداً من نوعه وربما كان مبعوثاً من كوكب آخر!”
بدا عليه الانشراح وكأنني بعبارتي هذه والتي لم تك أكثر من مجاملة له كنت قد آمنت بديانته وسلمت بما قاله. صفق بيديه وقال بفرح: “نعم. نعم. هو كان المبعوث الأوحد للإله جاروبا يا أخي”.
 – أوكي، وكيف كان يفسر كلام الشجرة؟
 – كان تونغة العظيم يبقى فوق شجرة هوساس العظيمة لأيام عديدة. وبعد نزوله يترجم للناس ما كانت تقوله تلك الشجرة المقدسة. هذه الشجرة كانت نادرة جدا بظلها الوافر وحجمها الهائل وثمرها الذي لا ينضب. مفهوم؟
 – عجيب! وكيف كان تونغة يأكل ويشرب ويذهب للحمام؟
 – اسمع، بما أن تونغة العظيم كان مرسلا من الإله جاروبا المعظم فهو ليس برجل عادي. فقد كانت له معجزات كثيرة ومنها إنه يستطيع العيش لأيام بدون غذاء وشراب ومنطقيا هو لا يحتاج للذهاب إلى الحمام. مفهوم؟
 – وماذا كانت تقول هذه الشجرة؟
 – الشجرة المقدسة كانت تنقل لتونغة العظيم تعاليم الإله وآوامره. الإله كان يأمره بأن يجمع الناس على ديانة التونغاي. وهذه التعاليم نتوارثها شفاها أب عن جد. مفهوم؟
 – طيب وأين هذه الشجرة الآن؟
أخفض حدة صوته وحرك بؤبؤي عينيه يميناً ويساراً قائلاً: “المعجزة بهذه الشجرة يا أخي إنها قد اختفت بعد موت تونغة العظيم. وأجدادنا الأوائل بنوا سوراً عالياً دائري الشكل في ذلك المكان. اسمع، نحن نعتقد أن شجرة هوساس العظيمة ستعود يوماً ما. و، و، ربما ستظهر يوما ما في أي مكان في العالم. وسيعود معها تونغة العظيم ليترجم لنا شفراتها. مفهوم؟”
– ولهذا ظن صاحبكم القاتل أن الشجرة التي تبولت عليها القطعة كانت قد ظهرت للتو في كندا.
تململ في جلسته وتظاهر بأنه يراقب ابنه الذي كان مستمتعاً في لعبه مع ابني آدم ثم قال: “اسمع، هذا مجنون ولا يمثلنا كلنا. ظن القاتل أنه رأى شجرة هاساس المقدسة وقتل القطة لأنها تمس قدسية الشجرة. مفهوم؟” ثم دس شعرة الحصان في أنفه وقبل أن يعطس أخرح منديلاً كان قد اسمرّ لونه الأبيض من كثرة الاستعمال ليغطي به أنفه أثناء العطاس.
كنت أرقب حركاته بهدوء، وبعد أن أنهى تنظيف أنفه دس المنديل مجدداً في جيب بنطاله. قلت له: “لكن هذا لا ينفي حقيقة أن تعاليمكم تنص على قتل كل من يمس هذه الشجرة . تقتلونه وترددون عبارة “جاروبا نوشو” التي عرفها العالم بعد حادثة القتل. فلو كانت هذه الشجرة فعلاً هي شجرتكم المقدسة هل من حقه قتل كل من يمسها؟”.
اسمعني جيدا، رجاءا، نعم هذه تعاليمنا التي توارثناها وهي مقدسة عندنا لكن أغلبنا لا يطبقها. ألا تفهم ما أقول؟
لم أستسغ طريقته بالحديث التي لا تخلو من حدة وتشنج وكأنه يحدث ابنه الصغير خصوصا وهو يكرر كلمتي “اسمع، مفهوم”. مما جعلني أحاججه ليعرف أن ما يقوله مليء بالتناقضات. مددت يدي اليمنى أمام وجهي بعد أن عدلت نظارتي الشمسية وقلت: “عجييييب! أنت تقول إنها تعاليم متوارثة ومقدسة ومع ذلك لا يطبقها الجميع. طيب، لماذا تتوارثون شريعة وتعتبروها مقدسة إذا كانت مرفوضة من أغلبكم؟ “
وقف قبالتي محاولاً شرح فكرته بشيء من التوتر مستعينا بكلتا يديه قائلا: “اسمع، نحن لا نستطيع رفض أي تعاليم مبعوثة من الإله جاروبا لكننا لا نطبق كل ما جاء بها الآن. هذا كل مافي الأمر”.
 – عجيييييييييييب!
بدا تافون كمن يفقد صبره وقال بنبرة توتر: “ألا تقل لي بحق الإله ما يثير عجبك؟ كل ما أقوله هو موجود في كل الديانات؟ مفهوم؟”
وقفت متأهباً للمغادرة ووضعت كلتا يدي في جيبي سترتي الرياضية ثم قلت بهدوء وثقة: “أسمعني جيدا، أنا أتعجب من كلامك يا أخي. أليس الاحتفاظ بهذا النص واعتباره مقدساً يعطي المسوغ لبعض المجانين في ديانتكم لتطبيقه؟ لماذا لاتقولون للعالم إنكم لا تؤمنون بأي فقرة تشجع على العنف في تعاليمكم المتوارثة إن كنتم لا تؤمنون بها حاليا؟ مفهوم؟”
قبل أن أنهي عبارتي كان تافون يحدّق في وجهي ملياً وهو يدس بعصبية شعرة الحصان في منخره الأيمن تارة وفي الأيسر تارة أخرى حتى عطس عطسة كبيرة. حينها لم يستخدم منديله لصد الرذاذ المتطاير من منخريه. كان عليّ التحرك جانباً لتجنب ذلك الرذاذ الرطب حيث كانت عطسته قوية، سمعها كل من كان في الحديقة ثم ألحقها بعبارة “جاروبا نوشو” حتى إن آدم ركض نحوي مفزوعاً. فتلقفته حاملاً أياه إلى صدري وغادرت الحديقة فوراً.

كاتب عراقي مقيم في كندا
[email protected]