جبار ياسين قصيدة “ذكريات ذكريات”

مِن خمرِ بغدادَ شرِبتُ ما يكفي بقيةَ عُمري
عرفتُ بنات المدينةِ في شبابي
ومازلتُ أَذكرُ دفءَ أثدائِهنَ
وزُرقةَ الحَلَماتِ الكبيرةِ
وعطرَ شعورِهِنَ في ليالي الصّيفِ
وطعمَ القُبلةِ الأولى
تحتَ عريشةٍ في ” حُلْم ليلةِ صيفِ “.

أذكرُ شارعَ بيتِنا في المساءِ
مرورَ الصّبايا متلفتاتٍ
خلفهُنَ يبقى عطرٌ مُشمشٌ سَقاهُ غرينُ دجلة
رائحةُ النّسيمِ العذيبي وزهرةُ الشّبوي
مواء القِططِ
زقزقةُ العصافيرِ بينَ أغصانِ شجرِ الحورِ
وعطرِ زهرةِ القدّاحِ
في اللّيلِ كُنتُ أعُدَّ النّجومَ
أعرفُ الميزانَ
بنات نعشٍ
كلبَ الرُّعاةِ
ونجمةَ الصُّبحِ الأخيرةِ
أُقبّلُها كُلَّ فجرٍ وأنامُ.
كانَ ذلكَ في الماضي

بعدَ سنواتٍ طويلةٍ
أمامَ البحرِ في البلدِ الغريبِ
كُنتُ أُداعبُ موجةً
أعُدُّ ثنياتِ ثوبها المتموجِ
أراها تتحطّمُ على حجرِ السّاحلِ
ثمّ تعودُ أقوى
يتطايرُ البحرُ رذاذاً
في كُلِّ قطرةٍ تلمعُ نجمةٌ
خلفها البحر في زُرقةٍ أبديةٍ
وفي الغروبِ تشتعلُ السّماءِ
قبلَ أنْ تعكِسَ مراياها
مَشهدُ اليومِ في سماءٍ بلونِ الكُحلِ
كأنَّ النّجومَ التي ولدت طِوالَ النّهارِ،
تواصلُ دربَها للسّماءِ
خفيةً عنّا.
أقولُ لنفسي: كٌنتُ
وأحيانا ما أزالُ
لكنّ يوماً سيأتي
حينَ يحلُّ الصّمتُ
لنْ أقولَ فيهِ شيئاً
وتبقى النّجومُ، في غيابي
تواصلُ مِعراجها للسّماءِ
لعلّ أمرءا آخرَ سيأخذُ، يوماً، طريقي
ويمرُّ على نفسِ الخُطى
سيصلُ البحرَ ويجلسُ على صخرةٍ
يرى البحرَ يخبزُ النّجمَ
في كُلِّ لحظةٍ
ويرى الغروبَ
الأُفقَ مشتعلٌ وخلفَ الجبالِ سحابةٌ من نارٍ
ربما سَيُذكّرني
بينما أنا تائهٌ في مروجِ الجحيمِ.
أذكرُ
سحابةً مرّت ذاتَ يومٍ
كُنتُ طفلاً فتخيلتُها ضعنَ اِبلٍ تسيرُ
ثمّ رأيتُها ثوراً يحرثُ الأرضَ
ثمّ غابت في شقوقٍ خلفَ محراثِ السّماءِ.
وأذكرُ
حقلاً مِن البرسيمِ
وقامةَ اِمرأةٍ مِن سوادٍ
تمضي الى الأفقِ، يتبعُها كلبُها
وزهرةَ البرسيمِ زرقاءَ، تتمايلُ معَ الرّيحِ
وعلى اليمينِ قريةٌ مِنْ طينٍ
سقوفُ بيوتِها أعلامُ حدادٍ
وكان الشّهرُ عاشوراء
” والرّيحُ تصهلُ في الظّهيرةِ “
وصوتُ مذياعٍ بعيدٍ
كتابي تحتَ رأسي
وكنتُ أنامُ على العُشبِ
أحلمُ بالبناتِ.
ذكرياتٌ هي الدّنيا
نعيشُ كي نجمعَها زاداً لذاكرةِ الكهولةِ
مَنْ لا ذكرياتٍ لهُ لا مستقبلَ لهُ
والحلْمُ وشيعةُ ذكرياتٍ، ليس إلا
كُلُّ ذكرى كوكبٍ مِن نارٍ لا يُطفئها الماء
ولو سُكِبَ البحرُ عليها
ذكرياتٌ هي الدّنيا والباقي هباء.