جمال مقار عن “ليلة في حياة عبد التواب توتو” للكاتب المصري محمد توفيق

 

البحث عن العالم المفقود في رواية

 

الكاتب المصري محمد توفيق

أكثر ما يشد انتباه المرء حين يمسك بكتاب بين يديه هو: العنوان، لأن العنوان يمثل وعدا غامضا بالإشباع المعرفي، أما بالنسبة للروايات فإن دائرة الوعد تتسع لتشمل ذلك الوعد بالإشباع من جماليات اللغة المستخدمة باعتبارها الأداة الأساسية التي ستدفع العمل للصعود أو الانهيار، بل وبما هي موسيقى مصاحبة للعمل، ثم براعة المؤلف في استخدام تكنيك أو تكنيكات متعددة، وصرامته في إتباع منهج من مناهج الكتابة الروائية، وتمكنه في رسم الشخصيات والغوص في أعماقها بحثا عن كشف مكنوناتها النفسية وملامحها الحسية، أضف إلى ذلك تصوير الأمكنة بما تشمله من قصور أو جحور أو تلال أو غابات أو أنهار ومتابعة الأحداث بمستوياتها الشخصية والعامة والقومية، وإيجاد الرابط بينها وبين تطور الرواية وتفاعل الشخوص معها ومواطن الصراع التي تدفع العمل .

   ولطالما خدعتنا العناوين وربما جعلتنا نحجم عن اقتناء عمل قد يحمل الكثير لنا، هذا ما حدث معي عندما رأيت في دار الثقافة الجديدة رواية (ليلة في حياة عبد التواب توتو) فأحجمت عن شرائها، ثم انتهى إلي خبر أهمية هذه الرواية، وحين أخذت أتلمس الطريق بين دفتيها، بدأت أدرك كم كنت مخطئا، وإنني أمام رواية ضخمة وروائي أريب، فالعنوان المعلق على الغلاف لم يأت به الكاتب عبثا، بل هو يتلاعب بالألفاظ لعبا جميلا ، هذا اللعب الجميل يأتي على منحيين، الأول: هو المجانسة اللفظية بين كلمة (ليلة) كاسم امرأة ، سنراها تشكل محورا هاما في الرواية في تحولاتها الإنسانية التي جاءت نتيجة تفاعلات عميقة بين البشر والسياسات التي تفرض عليهم من قبل حكام طغاة؛ فالفتاة التي تنتمي مع جيل بأكمله إلى ظاهرة الهيبي ستنتهي يوما إلى فتاة منتقبة ناقمة على مجتمع تراه كافرا، بالإضافة إلى كونها ستظل بطول الرواية وعرضها تمثل (بالتعبير المسرحي العقدة المسيطرة) لبطل الرواية عبد التواب توتو حيث قام بعملية إعلاء نفسي لها؛ وضعتها كمثال للحب الخالد الذي لا يُطال كما أنه لا ينتهي.

أما المنحى الآخر: فهو يرتبط بتكنيك السرد الأساسي لهذه الرواية ، وهو تكنيك تتواشج فيه روابط كثيرة، منها أن العمل كله يتم من خلال حالة من التذكر يقوم بها توتو وهو يقضي إجازة في قرية سياحية بالغردقة تصادف أن يكون أول أيامها هو يوم 6 أكتوبر1981، حيث اُغتيل السادات، هنا تصبح ليلة (ليلة ً) انفتح فيها باب لفيض من الذكريات، ليظل الخيال يدفق بصور الأحداث؛ كأن سدا كان يحتجز شلالا خلفه قد انهار، ليضرب ويحفر ويرسم ويجترح المستحيل ليجسم عوالم كانت مكبوتة داخله وآن لها أن تصعد إلى السطح وترى الحياة وتخلد في كتاب، وسينتج عن هذا التكنيك الأساسي عدد من الطرائق الفنية منها ما سأسميه أسلوب القطع غير المكتمل، حيث تترك دائرة المشهد مفتوحة لتظل تدفق بالتساؤل دون إجابات، وسيمتد الفصل الأول بطول الرواية عن طريق أسلوب القطع غير المتوازي؛ ليظل يطل على القارئ في الفصول الأخرى، حتى يعود ليتمثل بمعطيات القرية السياحية ممتزجة بحالة من التهويم في الفصل الرابع والعشرين مؤذنا بانتهاء العمل، بل إن الأمر يمتد بالكاتب إلى استخدام تقنيات سينمائية في الأساس مثلما فعل في الفصل الثالث والعشرين المعنون باسم (حاييم وايزمان) باستخدام لعبة الأوسيليتر ليقف بالأضواء الملونة هنا ههنا.

***

عود على بدء :

لكنه لما كان من المقطوع به عدم إمكانية تناول عمل بالفحص والدرس والمناقشة إلا بعد الانتهاء من قراءته كاملا، وعندما نكون قد انتهينا من قراءة (ليلة في حياة عبد التواب توتو) سنتوقف قليلا لنرى العمل كله بفصوله الأربعة والعشرين في مشهدية واحدة كأنه لوحة واسعة احتوت عوالم عديدة، هذه الفصول قسمت على نحو شبه عادل، ليضم كل فصل منها ما بين خمس عشرة إلى خمس وعشرين صفحة، كلها حملت بجانب الترقيم عنوانا في رأي أن بعضها ليس ذي بال في كثير من الأحيان، سوى أن الاسم الذي حمله العنوان ورد داخل الفصل دون إشارات  أو دور محدد(كأنك بالكاتب يعرف أنك تعرف من هو/ هي صاحب العنوان) ومع ذلك تلعب عناوين الفصول بما هي عليه دورا في الكشف عن ثقافة واسعة متعددة المصادر شرقا وغربا.

   بل ستتيح لنا القراءة الكاملة للعمل القدرة على استشفاف طريقة البناء، حيث سيقفز فور الانتهاء إلى ذهن القارئ أن خلف هذا العمل مهندسا بناءً، يدرك كيف يضع أساسا لبنائه بما يحتمل ثقل الأدوار التالية عليه، وفي تقديري أنه إذا كان الفصل الأول المعنون ب (هنري ماتيس) وهو رسام فرنسي ولد في عام 1861 ينتمي إلى المدرسة التأثيرية التي تهتم باللوحة ككل ولا تعطي هما للتفاصيل، وإليه تعزى المدرسة الوحشية أو الوحوشية؛ هذا الفصل هو الفصل الحاكم للعمل كله، ربما أراد الكاتب من هذا العنوان أن يهيئ لنا الأرضية التي سيعمل عليها لرسم لوحته الضخمة، ولا يغيب عن بال الكاتب أن يذكرك به من فصل لآخر بإطلالة عليه مستخدما ما سبق أن أشرنا إليه من أسلوب القطع غير المتوازي.

ويتأكد نفس المعنى في الفصلين التاليين وهما: الحب في المعدية،  وفنسنت فان جوخ.

حيث تتأسس العلاقات العائلية بناء على الفصل الثاني وتبدأ في الكشف عن أبعادها الإنسانية والعائلية والاجتماعية، لتمهد للعمل أن ينطلق انطلاقا كبيرا، وسيكون مفتتح الفصل الثاني ص 22:

– ولدت صافيناز هانم الوكيل مع أول شعاع غاضب متمرد لشمس القرن العشرين ….. إلخ

وسيكون ذلك إيذانا وتمهيدا لرواية من الروايات الكبرى ملحمية الطابع مثل(الحرب والسلام، وثلاثية نجيب محفوظ، ومائة عام من العزلة)التي يمثل تتبع التاريخ العائلي فيها أساسا قويا للعمل ككل، لأنه بامتداد الفصل سنرى مشهدا كبيرا يضم وجوه الأجداد ممن ينتمون إلى الارستقراطية المصرية بطابعها الإقطاعي؛ وثرائها الواسع؛ ونزوات أفرادها؛ التي ستغير من المسارات الطبيعية للعلاقات العائلية، حيث تزوج مصطفى باشا عدلي من صافيناز وأنجب منها خمسة أولاد وبنتا واحدة ، لكنه  بعد اثنتي عشرة سنة في عام 1930  اتبع (مصطفى باشا عدلي) نزوة من نزواته؛ هنا ينكسر النسق الطبيعي الحاكم للعلاقات الاجتماعية بتقاليدها الصارمة المفروضة على حياة طبقة ملاك الأرض بصفتهم أسيادا للناس، التي تفرض عليهم الزواج من بنات طبقتهم الاجتماعية، سنراه هو من  تجاوز الستين يتزوج من فتاة صغيرة لم تتجاوز الخمسة عشر من عمرها ؛هي (أمينة) ابنة (أبي الغيط) الخولي أو ناظر زراعة العزبة الكبيرة الممتدة على ألف وخمسمائة فدانا مقابل مهر عشرة أفدنة مُنحت للأب، ثم لا يلبث أن يموت بعد أن أنجب منها ابنين (نازلي واسماعيل) لينشأ بذلك صراع على التركة ينتهي بأن تنال (صافيناز الوكيل) ضرة أمينة هي وأبناؤها نصيب الأسد من التركة (حوالي الثلثين) لكن ما تبقى كان كافيا لينقل أمينة من طبقة فلاحي الأرض إلى طبقة الملاك هي وابنيها، بينما سيلعب أبوها دور النذل عندما يستولي على جزء آخر من الثروة مقابل أن يسمح لأمينة بالزواج من شاب معدم هو أبو النجا، لتنجب منه بدورها ثلاث بنات هن (نبيهة ونديمة ونبوية) والأولى ستكون أم عبد التواب توتو فيما بعد بمصادفات قدرية.

   هكذا يؤسس الفصل للامتدادات العائلية الطبيعية التي ستظل الرواية تتابعها من فصل لفصل في موازاة مع العالم الأساسي الآخر أو العالم الاجتماعي الموضوعي الذي سيشتمل على قيام ثورة 1952 وتحديد الملكيات الزراعية وبروز الضباط كطبقة اجتماعية متميزة ووارثة حتى لبعض قصور الطبقة الارستقراطية الإقطاعية التي فر بعض أبنائها من مصر إلى الخارج عقب قيام الثورة، هذا في جانب وعلى الجانب الآخر نرى التزاوج وعلاقات المصاهرة بين الطبقتين في إحدى صوره حين يتزوج الضابط عبد النبي مبروك من نبيهة ابنة مصطفى باشا عدلي.

أما الفصل الثالث المعنون ب (فنسنت فان جوخ) الذي لا يقل أهمية عن الفصل السابق في وضع الأسس الهيكلية لهذا البناء الروائي ، فهو الذي يبدأ في كشف مكنونات الحياة في مصر في سبعينيات القرن الفائت، أو قل في عقد السبعينيات الذي يمثل عقدا مفصليا في تغير وجه الحياة في مصر سياسيا واجتماعيا

تدخل بنا الرواية إلى الفصل ليقف عند بداية أحداثه في 3 يناير1973، حيث تضج وتعج الجامعات المصرية بالتيارات الثورية وبالغضب انعكاسا لحالة السخط الشعبي من تأخر السادات في استعادة الأرض بالحرب كما وعد حين صرح أن عام 1971 هو عام الحسم، ثم انتهى العام فانفجرت مظاهرات ضخمة عمت كل جامعات مصر كان ذلك في فبراير 1972، حين اندلعت مظاهرات كبرى شكلت علامة فارقة في تاريخ الحركة الطلابية، وامتدت في مظاهرات أقل قوة منها في سنوات 1973 و1975 تمهيدا لروح ثورية ستعبر عن نفسها على نحو شعبي في انتفاضة يناير1977 .

لكن الأساس هنا لا يتعلق بهذه المظاهرات، بل يجيء على مستويين، في المستوى الأول يعرض لأهم الظواهر الشبابية التي اجتاحت العالم آنذاك وكان لمصر حظ منها، وهي ظاهرة الخنافس التي عبر عنها بالبيتلزمانيا (الهوس بالخنافس) وهم فريق روك ظهرت في مطلع الستينيات في مقاطعة ليفربول وأصبح من الشهرة والمكانة ما جعل كثيرا من البلدان تظهر فيها فرق تتشبه بهم وتشير الرواية إلى فرقتين مصريتين هما (لو بتي شا) و (البلاك كوتس).

وتبع تلك الظاهرة ظاهرة أخطر وأهم هي ظاهرة الهيبيز، التي كان أول ظهور لها في أمريكا في الستينيات كحركة تمرد شبابية اعتراضا على الحرب بعامة وحرب فيتنام على وجه الخصوص ، ومنها انتشرت في جميع أنحاء العالم، وكلتاهما شكلتا وعي طبقات عريضة من الشباب، وجاءتا رفضا وتمردا على كل القيم القديمة التي دفعت الحضارة الإنسانية في طريق الحروب مرة أخرى، كأن الساسة لم يعوا درس الحرب العالمية الثانية في شيء، وكأن الحرب الثانية لم تقع ولم يُقتل ما يزيد عن خمسين مليونا من جرائها .

في رأي أن ظاهرة الهيبيز كانت أكثر تأثيرا – لا أعني إيجابا أو سلبا – لكن ما أعنيه هو أن الأنظمة الديكتاتورية أدركت أن الظاهرة تحمل لحد ما طابعا يساريا ذا صياغة عصرية، لذلك تلقفتها تلك الأنظمة لتقديمها للشباب كبديل أكثر نعومة من التنظيمات اليسارية في الأربعينيات والخمسينيات بصبغتها الماركسية ورجالها الدوجمائيين شديدي الصلابة من المفكرين المهندسين والأطباء ومدرسي الرياضيات والكيميائيين؛ الذين استلزم تدجينهم عمليات واسعة قامت بها الأنظمة ومنها النظام المصري من اعتقال وتعذيب وسجن بل قتل أحيانا، هكذا سمح النظام في مصر بانتشار ظاهرة الهيبي في الجامعات والحلقات الثقافية ليمتص الطاقة الثورية ويوجهها للتفجر في نواح سلوكية تبتعد عن مطالبته بنصيب من كعكة السلطة أو بإقامة ديمقراطيات تعددية الطابع تسمح بتداول السلطة، حتى وقعت نكسة 1967، فأصبح من المحتم أن يتخذ الغضب لدي الشباب طابعا سياسيا، فتتفجر مظاهرات الجامعة في 1968 و1972 و 1973 و1975 ثم تنهض انتفاضة يناير 1977.

   السادات الذي تنبه مبكرا من خلال مجموعة من الأشخاص منهم موسى صبري؛ وأنيس منصور؛ وعثمان أحمد عثمان إلى خطورة اليسار المصري، سنراه يبدأ في عملية إطلاق لقيادات وكوادر الإخوان المسلمين في عام 1972، وسيسمح في عام 1975 بعودة مجلة الدعوة للظهور، ثم بدء ظهور الكوادر الدينية بلحاها وجلاليبها وشباشبها في الجامعات المصرية، لتقوم بعمليات صدام مع كوادر اليسار، وستختفي (بتعبير الرواية) مجلات الحائط ، ليحل محلها حلقات الدرس والنقاش في مساجد الكليات.

لكن ما يهمنا هنا بالنسبة لذلك الفصل من الرواية هو أنه الفصل الذي سيخرج فيه عبد التواب توتو من شرنقته الأسرية ليشتبك مع الحياة الحقيقية التي يعيشها أبناء جيله بكل ما لها وما عليها، بل يصبح عضوا فاعلا فيها ، ولأن عملية اكتشاف الذات لا تتم إلا في المحكات الحياتية، ستأخذه تلك المصادفة الفريدة أعني مقابلة توتو بفان جوخ في مظاهرة 3 يناير 1973 إلى أهم محطة في حياته لاكتشاف ذاته، بل إن نفس المصادفة هي التي قادت فنسنت جوخ بينما كان ماضيا في طريقه لشراء مخدرات فوجد نفسه في وسط مظاهرة ضخمة، حُمل فيها على الأكتاف وظل يهتف دون أن يدري ما يقول :

– يللا بينا على المدينة .

وفسر العشرون ألف من الطلبة  النداء على أنه نداء بالاعتصام في المدينة الجامعية، وبمجرد دخول المدينة؛ اكتشف فنسنت أنه قاد الجموع إلى فخ يسهل محاصرته من قوات الأمن، فنزل من على أكتاف حامليه، وتسلل من فتحة في سور المدينة الجامعية، وتبعه هارب آخر هو(عبد التواب توتو)وظل يتبعه مشدودا إليه كأنه المخلص، حتى انتهى بهما الأمر إلى دخول شقة(بيومي أو فنسنت فان جوخ) المعروفة باسم (المنطاد) ليجد فتاة في الثامنة عشر ربيعا هي (ليلة) التي قالت له مباشرة ص50 :

– أنت باين عليك فنان. 

 (المنطاد) كما تصفه الرواية ص  50و51 :

– كان أول مؤثر اصطدمت به حواسه هو الهواء الراكد، هيئ لتوتو أن أحدا لم يفتح نافذة في هذا المكان لعدة اشهر – كان في الواقع مخطئا في استنتاجه – حيث إن أحدا  لم يقرب النوافذ لأكثر من عام ونصف، فامتزجت فيه رائحة السجائر والأتربة وأنفاس البشر وعرقهم لتكون غشاء لاصقا يحيط بكل شيء .

  لم يستطع من أول وهلة تمييز مدى الفوضى والقذارة اللتين يتفجر بهما المنطاد، أعقاب السجائر المبذورة في كل مكان؛ الرسومات المتقنة التي امتزجت مع نقوش عشوائية وبقع من القذارة تغطي كل شبر من الحوائط، وزجاجات النبيذ الفارغة ملقاة في كل جانب وأشلاء علب السجائر الممزقة المكورة………

حالة الصدمة هذه أخذت بنفس عبد التواب توتو فعجز عن استيعاب خصائص المكان وطبيعة قاطنيه، وخاصة فان جوخ الذي سنقف عنده لنتبين طبيعة تلك الشخصية ومنطادها العجيب يمثلان معا انعكاسا جيدا ليس فقط لطبيعة الأشياء المحيطة بل لكثير من المعطيات الحياتية والنفسية منها: الطبيعة الفارغة للأشخاص من أمثاله، فنسنت فان جوخ هو بيومي الذي كره اسمه الأصلي وجد في مسماه الجديد الذي أطلقه عليه شيبس مبتغاه النهائي من المجد تشبها بذلك الفنان العظيم، لكننا سنرى المفارقة واضحة حيث لا يحمل بيومي عن فان جوخ غير غرابته الإنسانية ملبسا ومسلكا، و لم يشر النص من قريب أو بعيد إلى لوحة واحدة أنتجها ذلك البيومي أو أي إضافة لأساليب الفن التشكيلي، فقط خواء وشخص ضائع وشخصية حتى الرواية لم تقف عندها كثيرا ولم تكملها إلا بإشارات سريعة غامضة في الفصل المتعلق بالمصائر وتجميع النهايات(الفصل الثالث والعشرون المعنون ب محمد عبد السلام فرج) حيث انتهى به الأمر إلى إدمان البرشام والدخول في متاهة نهائية لا خروج له منها، هذه الشخصية التي لا تحمل من الفنان سوى نرجسيته تتحدث عنها الرواية في ص45:

– هي الفترة التي رأى فان جوخ الدنيا من خلال الألوان البهيجة: البمبي والبنفسجي واللبني؛ وشبه نفسه ببيكاسو في مرحلته الوردية، رغم إنه لم يكن بعد أمسك بريشة الرسام بين أصابعه ولم يتصور أنه سيمسكها يوما .

أما المنطاد، فحقيقة الأمر أنه كان هناك عشرات المناطيد في القاهرة تشبهه كظاهرة اجتماعية ارتبطت بظواهر اجتماعية أخرى منها تعيينات الموظفين في محافظات غير محافظاتهم، وقبول الطلبة من الأقاليم في جامعتي القاهرة وعين شمس بحسب التنسيق، ومنها أيضا وهو الأهم والأخطر سهولة استئجار شقة بدون خلوات أو مقدمات خشية من أن تطال يد القانون المالك أو صاحب العقار، تلك المناطيد أطلق عليها أصحابها ومرتادوها أسماء رمزية مثل: السفينة، وأبوللو، والعبارة، وكلها كانت تشبه المنطاد أو العوامة، ومع ذلك لم تتناولها أعمال أدبية على الرغم من تردد الفنانين والصحافيين عليها ذلك باستثناء ثرثرة فوق النيل وهذا العمل الذي بين أيدينا.

وبامتداد الأحداث ستتكون شخصية(عبد التواب توتو) نتيجة لتفاعله مع بقية أعضاء المنطاد وسيخرج من حالة الهيولى (المادة الأولى الغامضة) غير محددة المعالم ليصبح شخصية ذات ملامح، يقع في حب ليلة، لكنه ذلك الحب الخالد الذي لا يتحقق إلا في المثال الباقي دائما والمقيم أبدا داخل النفس دون أن يكتمل في علاقة جسدانية أو نفسية، وبمضي الوقت يصبح هيبي كاملا يطلق شعره ليرتمي على كتفيه بطريقة بوهيمية ويلبس كما يلبس الهيبي .

   هكذا أمكن للرواية التأسيس لتصعد بفصولها على نحو واقعي من حيث ارتباط الواقعية بالحس التاريخي وتحقق الإحساس العميق بما هو قومي من وقائع وأحداث كبرى وتفاعل الشخصيات معها بالسلب والإيجاب، بل وارتباط مبناها كله بحالة من الصراع تظل تدفق بها فصول الرواية حتى المنتهى، بينما تظل حالة الصراع قائمة وتأخذ كل المستويات: شخصي صراع توتو مع شيبس على حب ليلة، صراع أمينة مع أبيها أبي الغيط كي تنال حريتها لتتزوج بمن رأته فيه مفتاحا لباب السجن الذي رغب أبو الغيط حبسها خلفه، ثم الصراع السياسي الذي صعد بالضباط الأحرار إلى سدة الحكم، صراع صافيناز هانم الوكيل مع ذاتها والزمن معا بعد الفصل السادس المعنون باسمها(كونشرتو صافيناز هانم)الذي انتهى برؤية معشوقها المثالي(الشاعر محمد توفيق)في أحضان (جليلة) ابنة خالتها، لتضرب حول ذاتها سياجا من الكبرياء الجريح تبقى خلفه عزباء للنهاية، ثم تنقل لنا الرواية صورا من صراع الطلبة مع السلطة الذي شكل مظاهرات ضخمة؛ وصورا أخرى من صراع الأفكار بين الجماعات الإسلامية واليسار المصري الذي قاد(ليلة)إلى الانقلاب على ذاتها والتمرد على أبيها وأمها  ثم انضوائها تحت لواء الجماعات، هذه الحالة من الصراع التي لا تتوقف بعد فصول التأسيس الثلاثة تمتد بطول الرواية، لتأخذ أحيانا شكلا ناعما كتحدي أمينة للأمر الملكي بطلاء السيارات الرولزرويس بطلاء غير اللون الأحمر، ثم تمردها على شكل الحياة الريفية في العزبة من خلال زيارتها للقاهرة وإقامتها في فندق الكونتننتال؛ ثم استئجارها شقة في شبرا لتقيم مع أبنائها فيها.

والكاتب في كل ذلك يبذل جهدا نفسيا وعصبيا خارقا في رسم الشخصيات – أقلت رسما؟ بل نحت الشخصيات؛ والنحت بالكلمات مفهوم آخر غير النحت بالأزميل، حيث النحت بالأزميل ينتهي إلى كيان صامت قيمته في ذاته، أما النحت بالكلمات للشخصيات فينتهي على يد الفنان المبدع الحقيقي إلى إنجاز مثال حي يحمل كل ما يمكن لشخصية أن تحمله من صفات نفسية وطبائع سلوكية، هذا ما سنراه عبر عشرات الشخصيات التي نحتها الكاتب نحتا لتصبح لحما ودما ينطق بالنزوات وبالرغبات وبالحب والكراهية والجشع وادعاء الشجاعة(كما حاول توتو ذلك إبان حرب أكتوبر، لكنه لم يستطع أن يتجاوز حاجز العائلة ونصيحة أبيه حين نهاه عن ذلك قائلا : إن المتطوعين يُلقى بهم في آتون الثغرة .

 فانفتحت أمام عينيه هوة من الثقوب السوداء تبتلع كل من يقترب منها)وستراه يستعيض عن ذلك بقوة الخيال فيرى نفسه بعين الخيال في الاسماعيلية يصيب دبابات الاسرائيليين بقذائف الأر بي جى، أو في السويس يقاوم مع المقاومة الشعبية الباسلة ليحول دون دخول الاسرائيليين المدينة وتتلبسه شخصية أنس مصطفى كامل عبقري العلوم الذي دفعت به إيناس طه نحو التطوع بالفعل في كتائب الدفاع المدني، فكان من المدافعين عن السويس حتى لقى حتفه هناك، يقول وهو في حالة من الذهول والهذيان في ص 131:

– لست أنا الذي يرقد تحت الأنقاض، إنه أنس مصطفى كامل ، إذن أنا حي، بطل وكذلك حي ، بطل حي.. 

أو خذ مثالا آخر للصورة التي رسمت لإيناس طه اليسارية الماركسية الأهلاوية التي تحب لعبة كرة القدم والهيبية أيضا، وهي تتخذ من الشعارات أساسا لكلامها ومن الخطب الرنانة أسلوبا حين تقف في النادي الأهلي وتدعو الشباب للتطوع في فرق الدفاع المدني، وحين يستهزئون بها تسحب توتو من يده وتنصرف عنهم بينما يشيعونها بكلماتهم الساخرة:

– لا صوت يعلو على صوت المعركة

يا أهلا بالمعارك يا بخت من يشارك.

بما جعل توتو يقف عاجزا عن فك شفراتها أمام كل تلك المتناقضات التي اجتمعت في  شخصية واحدة، ويظل كذلك إلى قرب نهاية العمل حين يراها قد التحقت للعمل بمشروع المعونة الأمريكية وأصبحت تتقاضى مرتبا كبيرا بمعايير تلك الأيام (ثمانمائة جنيها) وها هي تنطق بكلمات المديح للأمريكان وتبشر باقتصاديات السوق وأعمال البورصة.

أما أشد ما يثير الإعجاب نحو تلك الملكة القادرة على التقاط العمق النفسي من سلوك الخارجي للشخصية، يتمثل في اللقطة البارعة التي رسم فيها الكاتب اسكتش سريع لعاطف مصطفى عدلي الضابط في الحرس الملكي، في الفصل العاشر المعنون ب (ذهب مع الريح) ص 193:

– أمسك عاطف في يده سلسلة مفاتيح سميكة من الذهب، وأخذ يلفها في الهواء في لعبة عصبية، حتى سئمها فألقى بها غير مبال على المنضدة أمامه، ثم أخرج من جيب سترته علبة سجائر(لاكي سترايك)فرق من سجائرها على أصحابه، ثم وضع واحدة في ركن فمه، وألقى بالعلبة على المنضدة إلى جوار سلسلة المفاتيح، بحث في جيوبه حتى وجد ولاعة ديبون من الذهب أيضا، أشعل بها سيجارتي صاحبيه ثم سيجارته، ثم وضعها بشيء من الرفق فوق علبة السجائر، وأخذ نفسا عميقا، وأخرج الدخان المستهلك ببطء من بين شفتيه المرفوعتين إلى أعلى في اتجاه السماء المرصعة بالنجوم .

وبدلا من أن ينتاب عبد النبي مبروك شعور بالكره والغيرة تجاه ابن الذوات، فإن نظرته سادها الإعجاب .

لكن السخرية تمتد بالموقف في الفصل المعنون بكوميديا سوداء ص 260 حين يقوم (عبد النبي مبروك) ضابط البوليس الحربي في أداء نفس المشهد بل بنفس الكلمات وهو يتحدث إلى الباشا الذي يقوم على حراسته، هنا يبرز الكاتب تلك العنجهية وذلك الصلف والأفعال التافهة اللذين يتملكان الإنسان من جراء امتلاكه للسلطة المطلقة، وخذ لذلك مثالا آخر أشد سخرية وكشفا حين يصف لنا شخصية أحد الضباط القائمين على حماية النظام الجديد فيقول:

– أنور قابيل أقدم بدفعتين أو ثلاث من عبد النبي مبروك ومحسن حلاوة، اشتهر بالشراسة والتهور والافتراء على خلق الله، ووهب خاصية لا يتمتع بها غالبية البشر، غريزة خصصت أساسا لكلاب الحراسة، فلديه القدرة على أن يشتم الضعف فيمن يتعامل معه، فينقض على الفور ناخرا بتلقائية تامة فيما لمواجهه من نقاط قابلة للاختراق.

.. ***

بدءا من الفصل الثاني والعشرين المعنون ب(حلم الهارلي دافيدسون) يبدأ الراوي على مهل في جمع مصائر الشخصيات، فنرى :

– عبد النبي مبروك أحيل إلى المعاش في عام 1970 وهو بعد في سن الخامسة والأربعين بعد أن كان رئيسا لأكبر شركة لإدارة دور السينما في البلاد، فتنحط حالته المادية ويضطر إلى تأجير شقته بعمارة ليبون لملحق بسفارة الكويت والانتقال بعائلته إلى شقة أو جارسونيرة في التوفيقية محتجا بقربها من مدرسة ابنه.

– نازلي مصطفى عدلي: تعود إلى شقتها في عمارة ليبون بعد القبض على زوجها محسن حلاوة واكتشاف أن وجوده بالفيللا التي كان يعيش فيها كان عن طريق وضع اليد.

– أما أفراد الكتلة التي شكلت يوما عصبة المنطاد فقد تفرقت بهم السبل :

* الوحش حصل على مبتغاه وامتلك موتوسيكل ماركة هارلي دافيدسون أحدث ذلك له تعويضا نفسيا وجسمانيا.

* توني : أسس فرقة موسيقية في عام 1976 اسماها(واي) وأقام أول حفل لها في النادي الايطالي ولقى نجاحا ساحقا.

* فنسنت فان جوخ: أدخلته مغامرات تلك الأيام مع الحبوب والبرشام مرحلة من اللاوعي شبه الدائم، بينما مات محترقا هو والمنطاد وحملت رفاته لتدفن في بلده المنصورة.

* ليلة: كانت أكثر من عانى من جو الانفتاح نتيجة لابتعاد والدها عن روح العصر وتمسكه بالسلوك المستقيم، ثم انتهى الحال بها إلى أن أصبحت منتقبة وغادرت من البيت نهائيا مهاجرة في سبيل الله نحو مصير غامض بزواجها من أحد أعضاء الجماعات.

* شيبس: ظل يراوح في مكانه بسيارته ال1100 التي تجاوزها الزمن، ولم يرث عن جدته صافيناز هانم سوى ما أوصت به وهو مكتبة مصطفى باشا.

***

ويلجأ الكاتب في الفصلين الثالث والرابع والعشرين إلى كسر النسق الواقعي ويدخل في حالة من التهويم بين اليقظة والنوم ؛ أو كما يقول  الشاعر:

– ما تَطْعَمُ العينُ نوماً غير تهْويمِ وقد هَوَّمنا.

وستعطيه هذه الحالة حرية أكبر ومساحة أوسع لرؤية العالم وهو جالس على مقعده تحت مظلة على البحر لم يغادرها منذ أن عاد إليها بعد الغداء، فيبدأ في استدعاء عوالمه التي عاشها والأشخاص الذين كان يسمع عنهم ولم يقابلهم مثل الأستاذ نوفل أبي ليلة وهو يتحاور في خياله مرة مع مذيع التليفزيون ومرة مع السادات، ليوجه نوفل الإدانة والاتهام إلى ذلك الانفتاح اللعين الذي دمر حياته وحياة ابنته وحياة كثيرين، فلا يسمع سوى صوت السادات:

– أنت نسيت يا نوفل ولا أيه؟ مش عام 80 هو عام الرخاء ؟

فيرد نوفل :

– الرخاء بتاعك ده هو اللي ضيعني وضيع بنتي، ما فيش يوم من عمري إلا ومسكت نفسي فيه عن الغلط وتحملت تمن الشرف وتحملوه أولادي.

حالة من الإدانة وتوجيه الاتهامات للسياسات التي تقود البشر نحو الهاوية الاجتماعية، وستظل حالة الإدانة تتمدد حتى تطال عبد التواب توتو نفسه، فيكشف كيف كون في عامين ثروة ضخمة عبر الغش والسرقة واتباع نصائح رئيس عماله فوزي الحوت(الفلوس يا باشمهندز في المدارس والمستشفيات، يعني ما لهاش صاحب، وبعدين الاستشاريين بيتوصوا في التصميم زيادة، تمن شكاير اسمنت في المتر ليه؟ كفاية اتنين، وست أسياخ ستة لينيا في العمود وكانات كل عشرين سنتي؟ معقولة؟ وبعدين كل توفيره وفيها خيره) .

يظل هكذا حتى يصل إلى الخاتمة ، فيدخل في حوار عبثي مع المخيخ الذي يرد عليه بلغة تقلب الكلمات وتسخر من كل شيء ومن كل شخص يحاول التفسير بل ومن من كتب كتابا مثل هذا الكتاب الذي لن يقرأه أحد إلا ثلاثة: أما موظف انتهى من حل الكلمات المتقاطعة أو واحد لطاشه الشمس وعامل نفسه مثقف أو معتقل مرمي في الحبس الانفرادي.

وكلهم (من وجهة نظر المخيخ) طالع لهم دمل في ط……. 

 

جمال مقار، كاتب مصري، القاهرة

[email protected]