جمال مقار: عن ورشة الزيتون بمناسبة مرور 40 عاما على ميلادها

جمال مقار

(للأشياء أرواحها الخاصة) لا أذكر من قال ذلك، على الأغلب أن العبارة وردت في رواية “مئة عام من العزلة” لجابريل جارثيا ماركيز، كيفما كان؛ يمكننا أن نسحب العبارة على الأماكن لنقل (للأماكن أرواحها الخاصة) وأن نسحب القول أكثر لنقول إن لورشة الزيتون روحها الخاص جدا، روح يتميز بالدفء الإنساني الذي تشع به عندما تحتضن أجساد وأرواح محبيها ومرتاديها أدباء وشعراء ونقادا وفنانين، ومن هذا الدفء الانساني يشيع روح متفائل مرح يقبل على الأشخاص الذين جاءوا للمشاركة سواء بأعمال أدبية أو فكرية للمناقشة؛ أو كانوا المناقشين أنفسهم أو المشاركين بمدخلات تثري النقاش وتضيف رؤى جديدة للعمل، أو حتى من هم مشاركون بالاستماع.

ورشة الزيتون مكان شديد البساطة، هو بالتحديد شقة في بناء يعود ـ ربما ـ إلى الأربعينيات أو الخمسينيات من القرن الفائت، ذلك بحسب ما يستدل عليه من مقاييس البناء في تلك الفترة، السقف الذي يتجاوز ارتفاعه أربعة أمتار؛ النوافذ الكثيرة المقسمة إلى جزءين التي كانت تتيح تهوية طبيعية للمكان، وسيحتاج مرتادو المكان إلى صعود حوالي تسع أوعشر درجات من الحجر الكلسي التي لعب الزمن وكثرة الأقدام دورا في تآكل أطرافها الحجرية، كل شيء في هذا المكان يروي تاريخا؛ ويحمل ذكريات وآمالا وآلاما لم يعتن أحد بالوقوف على جمعها، لتضيع وتندرس مثل كثير من الأماكن في حياتنا.

كان المكان يوما مقرا للاتحاد الاشتراكي ولمنظمة الشباب الاشتراكي حتى أعلن السادات في منتصف السبعينيات قيام ما عرف اصطلاحا بالمنابر الثلاثة، اليمين وعلى رأسه مصطفى كامل مراد واليسار وعلى رأسه خالد محي الدين ومنبر الوسط الذي ينعم بمباركة السادات وقيادته، كان ذلك تمهيدا لحل وتفكيك الاتحاد الاشتراكي وتوطئة لحل التجربة شبه الاشتراكية التي جاء بها عبد الناصر، على ذلك آل المكان إلى منبر اليسار انتظارا لما سيكون من أمره، حين أعلن السادات في أخريات السبعينيات تحول تلك المنابر إلى أحزاب، تخير هو لمنبر الوسط اسم حزب مصر الذي ما لبث أن غير السادات أيضا اسمه إلى الحزب الوطني، كأنه يقول مع أحمد فؤاد نجم ( ولا حدش فيكو شريكي في المسكن والسكان) بينما اتخذ اليسار أو قل بقاياه اسم

(حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي) ليضم وجوها من مناضلي اليسار المصري، وليؤول مقر التجمع بالزيتون إلى أحد الوجوه المناضلة الجديرة بالاحترام والأكثر إخلاصا وحبا وديناميكية في الواقع، إنه المرحوم فخري لبيب الكيميائي والمترجم والقاص، كان ذلك إن لم تخني الذاكرة في أخريات عام 1979 يوم أن دعاني الزميل الشاعر شعبان يوسف للمشاركة بالحضور

(حيث لم أكن أملك شيئا آخر غير الحضور سوى مجموعة متكاملة من التجارب الفاشلة على كل الأصعدة: الحب والسياسة والكتابة وبلا عمل سوى الصعلكة والتسكع) كانت ندوة لقراءة في ديوان شاعر اسمه حسن عقل يدير الندوة فخري لبيب والمتحدث الأساسي هو: الأستاذة الناقدة/ فريدة النقاش، كان الديوان جميلا وثريا، وكانت الندوة تعطي بصيصا من الأمل في وسط حالة من الشحوب واليأس الذي أضفته سياسات السادات الغبية على الواقع بل وعليه هو أيضا، بعد أن جرد نفسه من الأشخاص الحقيقيين الذين كان من الممكن أن يدفعوا بالدماء في حالة الموات والفشل التي نتجت عن تلك السياسات بأسرع ما يتوقع أحد.

تواصلت الندوات الرائعة، وعلى ما أذكر ندوة أخرى استضاف فيها المنتدى الناقد الكبير ابراهيم فتحي في ندوة مفتوحة تناول فيها شئون الأدب والحياة الثقافية ، وتلا ذلك ندوة للوزير الأسبق للتعليم حلمي مراد الذي نهضت إبان وزارته مظاهرات الطلبة اعتراضا على أحكام محاكمات الطيران في عام 1968؛ وأعفاه عبد الناصر من الوزارة ـ بشلوت قاس على ما أشيع ـ كرد فعل على المظاهرات.

وما كاد يبرز نشاط النادي حتى بدأت عملية من التشتيت كسياسة معتمدة من الدولة لأي شيء يمكن أن ينتج أثرا في الواقع، ثم جاءت قرارات الخامس من سبتمبر1981 بالقبض على كل وجوه مصر يسارا ويمينا ثم تلاها في 6 أكتوبر1981 نفوق السادات تحت وقع رصاصات الإرهاب الذي أسس له؛ لتضع معها لسنوات طوال نهاية للنادي الأدبي بالزيتون تحت ضغط من الأجهزة الأمنية.

***

 

شعبان يوسف

ثم جاء يوم في صيف عام 1991؛ دعاني فيه الزميل الشاعر شعبان يوسف لاجتماع في مقر حزب التجمع بالزيتون لتأسيس أو قل إعادة الحياة للنادي الأدبي، هناك وجدت فخري لبيب موجودا وما يزال صلبا ومعاندا على رأس طاولة الاجتماعات (الموجودة حتى اليوم ولم يغير الزمن منها شيئا سوى المفرش الذي يقيها من عدوة الزمن وبقع الشاي وهشيم السجائر) هناك تعرفت على الدكتور فاضل الأسود، بينما كان أصدقاء العمر الشاعر شعبان يوسف والشاعر المرحوم عصمت عبد الفتاح عبد القوي والروائي فتحي إمبابي جالسين، ومن عجب أنه باستثناء د. فاضل لم يكن أي واحد منا له بطاقة حزبية (ربما بعد ذلك بسنوات انضم فتحي إمبابي للحزب) أدار الدكتور فخري لبيب حوارا أوليا ليتعرف على تصوراتنا لماهية العمل بما سيعرف بعد أسابيع قليلة باسم( ورشة يوسف إدريس للإبداع الأدبي حيث وقع رحيله الفاجع في مطلع أغسطس عام1991، ونحن بصدد التأسيس) ولا أذكر من منا كان صاحب الاقتراح، لكن ما أذكره جيدا أن الاقتراح لقى إجماعا وقبولا فوريا تخليدا لذكرى الراحل العظيم.

حقيقة الأمر أن الذي تولى طرح تصورات واقعية وعملية كان كل من الدكتور فاضل الأسود والشاعر شعبان يوسف لما لهما من علاقات واسعة عريضة ودينامية عالية وروح متوثب ورغبة في العطاء، بينما اكتفى المرحوم عصمت بالمشاركة بالحضور فقط، وفتحي إمبابي بالمشاركة في المداخلات وإثراء النقاش، بينما اكتفيت بأن أقدم قراءة في أعمال الكتاب المدعوين (قراءة في أعمال صنع الله ابراهيم نشرت في مجلة أدب ونقد، وقراءة في أعمال الغيطاني استكملت فيما بعد في دراسة ضافية لأعمال الغيطاني حتى متون الأهرام في 1995 وفازت بجائزة المجلس الأعلى للثقافة في مجال النقد الأدبي عام 1996، لكنني حتى الآن لم أنشرها في انتظار استكمال قراءة كل تراث الغيطاني الأدبي) وكان المقترح الأساسي الذي دار حوله النقاش هو دعوة روائي جيل الستينيات لتقديم شهاداتهم.

ولقى مقترح تقديم شهادات من روائي الستينيات الذي قدمه شعبان يوسف كل الترحيب، وعلى سبيل البث التجريبي اقترح البعض أن أقدم شهادة شخصية لتكون مفتتح أعمال الورشة، وعلى الرغم من اعتراضي بأن من الأفضل عند بدء أي عمل أن يكون المفتتح قويا باسم علم من الأعمال، إلا أن الحب الذي أحاطني به الأصدقاء جعلني أتراجع عن الاعتراض، وبالفعل قدمت شهادة ضافية في نحو ساعتين تناولت فيها الإجابة عن أسئلة كثيرة: كيفية التكوين وتبلور الموهبة، ما هو الأدب بالنسبة لي، وما هي الكتابة الأدبية، ومن هم الذين ألهموني أن أسلك في سلك كتاب القصة القصيرة غربا وشرقا : جي دي موباسان وتشيكوف وأرنست هيمنجواي وجابريل ماركيز، نجيب محفوظ ويوسف إدريس وإدوار الخراط والغيطاني ومحمد مستجاب وابراهيم أصلان ويحي الطاهر عبدالله وغيرهم من أساطين القص.

وتواصلت بعدها أعمال الورشة لتصبح كأنها أمسيات أعياد فرحة ونحن نستقبل يوسف القعيد وجمال الغيطاني وأدوار الخراط ومحمد روميش الذي جاء نيابة عن يحي حقي ومحمد مستجاب وابراهيم أصلان وبهاء طاهر وغيرهم ممن لم تسعفني الذاكرة .

ثم بدأ العمل الوظيفي الذي جاء مع نقلي من العاشر من رمضان يلتهم وقتي التهاما، فلم أستطع أن أحضر الندوات التي أقيمت لشهادات شعراء السبعينيات فيما عدا ندوة المرحوم الشاعر عصمت عبد الفتاح .

بقي أن أنوه إلى أن شعبان يوسف مثل دينامو الورشة بل وذاكرتها بجهاز تسجيل صغير ماركة ناشيونال اشتراه مني، وتحمل وحده عبء تسجيل هذه الندوات والشهادات على شرائط كاسيت موجودة في مكتبته تحمل تراثا صوتيا لكل هؤلاء الأماجد الذين أعطوا فنا وأدبا جميلا نثرا وشعرا.

سوف لا أكون مبالغا لو قلت إن ورشة الزيتون التي ستكمل في عام 2019 أربعين عاما هي أهم حدث أدبي حي في واقعنا المصري الثقافي بما هي عليه من تمثل لقيم إنسانية رفيعة، إذ كيف لأفراد بسطاء أن يصنعوا بلا معين أو سند هذا الصرح الثقافي الضخم ليقدموا لبلدهم وشعبهم من جهدهم ما لم تستطع أجهزة حكومية ضخمة أن تنجز نصف إنجازه، تحية أخيرة لورشة الزيتون ولكل من جاء بعدنا ليكمل مشوارا طويلا من العطاء.

 

القاهرة في : 22/3/2019