جورج ضرغام: شبيه المسيح يشعل حربًا وامرأًة باردة!!

جورج ضرغام

دعيني أُقبلك كي أنام وأخسر الحرب.. وحين أستيقظ، سأرى الجنود

خلفي يصفقون بأرجل عصافير.

الحلم هنا لم يكن ضروريًا كالكلام عن اليقظة.. لذا فالجنون هو

الوسيلة الوحيدة للهروب من المأساة..!

هكذا يبني الشعراء ممالك في الخيال.. ثم ينتحرون على شرفة فاتنة

أرّقها السهر دون جدوى، فرمتْ خصرها الموقوف عن العمل كأرجوحة لعينيك. نامتْ.. واستسلمتْ لسرير الحصار، تاركة في الخارج آخر ريشة تائهة من روحها، متأهبة لوضع لعاب أحمر يسقط على رائحتها، لتلمّع تاجها، وتحبل بمملكة الكلام .. حين تسقط مغشيا على لونك !!

*

وكنتُ أكتب كعادة الشعراء السيئة عند الفجر:

لا أريد لامرأة أن تنام.. أريدها أن تتكلم. فالمرأة لو تكلمتْ عن الحب، عادلتْ عشرة شعراء هم أصابع لنهديها.

لماذا نمتَ مبكرًا؟

لأنها سرقتْ من ليلي شهوة التأمل في الحرير.

*

لم أغرق في عتمة الكتب. فتحتُ سفري لأقرأ فنجان عيني

وكنتُ أعمى.. أفسر نبؤات وجهي حين يشح خبزي،

وأفسر نبؤات خبزي، حين ينفجر الحمام

دقيقًا معجونًا بشهوة مطر.

سأكتب أني مجرد نبي كذاب كان يقول الشعر

حين يتعطل الوحي.

وأكتب أنّ الملائكة أيضا يكتوب الشعر

حين يتوقف الوحي، كي لا يصبحوا عاطلين عن العمل :

السحاب ورق أبيض.. والمطر حبر مسكوب.

*

وكنتُ أعمى..

خذ عيني وارجمني بها..

لتكن عيني صابونة تغسل يد الجريمة قبل العشاء

وليكن مكان عيني مقبرة تذكارية

أعانق جثث إخوتي

وأرى وشم القتلة أوضح من ساعة القدر

في معصم ملائكة القيامة.

*

دعيني أقبلك كي لا أموت..

رضعتُ حليب الذكريات، فسميتُ أمي باسمك قبل ولادتي

أنا لا أصدق نفسي..

فمنذ أن وقعتْ انقاض المدينة علىّ قبل حرب، وسرب شفاه

أرى رأسي كل يوم قنبلة فاسدة !!

كلما هزيتُ رأسي لأقول لا..

سقط حصان عن يميني

وعن يساري سقط سروال فاتنة، ونوت موسيقية.

*

صهيل نافق من عيون بنات الجن

وتعويذة نجاة:

لا ترع اسمي.. فهو منبوذ من قبل الأحبة

لا تذبح خرافي.. فالذبح شريعة الجنود

لا تقطع أوصال الحوامل.. فقد تأتي الثكلى فجرًا بوليد يهذي:

جئت كي أموت في الأرض، ولا أدنس رحم الأمهات.

*

أنا لا أصدق نفسي..

حين كنتُ طفلا اجتمع أهالي الواحة في موسم الجدب، ليصلوا كي

يسقط المطر. خرجت مسرعا من الكنيسة، وصنعتُ طائرة ورقية

[ كي أسبقهم إلى السماء ] وكتبتُ عليها : عزيزي “جيسوس”.. من

فضلك لا تستمع لصلواتهم، فليس لدي معطف.

*

وكنتُ أكتب كعادة الشعراء السيئة عند الفجر:

سأحتاج إلى أصابع يديها، لسد ثقوب حائط قديم

كان يتسرب منه نهود كثيرة، وذاكرة تنزف بضجيج الحرب.

سأحتاج إلى أصابعها كي أُشير إلى الحمامة

التي نجت من الطوفان بضفائر “عشتار” الغارقة،

وعلقتها على قوس قزح مشانق للمحرومين.

[الحمامة التي شربت من دم المسيح فلم تمت].

سأحتاج إلي أصابعها كي أشير إلى امرأة بعيدة

ترتدي كفنا.. كثياب أمي المفضلة !

سأحتاج إلى أصابعها لأكتب آخر وحي منّي إلى

الرومانتكيين الحمقى:

النساء ميراث الشعراء من الحزن.

يأتين دائما بعد جنازة، ليوقظن النائمين في القبور !

سأحتاج دوما إلى أصابعها كل ليلة لأطلقهم كرصاص أنيق

على رؤوس النساء اللاتي سرقن قصائدي

ونمنّ تحت الشرفة عاريات.

سأحتاج إلى اصابعها لأكتب رسالة إلي أبي.. قبل الوفاة :

“إني جائع .. ارسل لي رغيفا ساخنا مع أخوتي،

وأذبح الذئب، وجنود البرابرة على أبواب دمشق القديمة.

*

ورحل أبي “النصف لبناني” دون استئذان !!

دون أن يلبس عباءة النبوة

دون أن يضع كرسيه المتحرك على عرش مملكة الطيبين

دون يكمل بقية الحكاية.

*

[ حين كنتُ أستمع إلى حكاياته، كنتُ أجلس تحت

قدميه، حتى أرى ساقيه المشلولتين.. أعمدة معبد ! ]

*

رأيتُ أبي صاعدًا كالبرق، مبتسما يجمع في جيبه

نصف نجوم السماء.

ذهب أبي مبكرا ليفحص خرائط الفردوس، ولم يعد

ليرد ما في الحقيبة من ذكريات..

نسي زجاجة دواءه عسلاً للذباب

نسى الألم نقودًا قديمة في جيب الطبيب

نسى سريره مرتبًا لبيض الحمام

نسي فنجان قهوته بئرًا فارغًا لحكاية أخرى ليوسف،

والذئب المحنط صديق العائلة !!

وتذكر موعدًا مع الله عند المطر.

لا أعلم لماذا أراد أبي مقابلة الله بثياب المشفى الخضراء؟

هل جثث الطيبين ستنبت شجرة ؟!

هل السحاب قطن إلهي يضمد النزيف إلى الأبد؟!

سوف يجيب الله عن الأسئلة الصعبة

التي خبأها الفلاسفة في جيوبنا !!

*

دعيني أقبلك كي أخرس..

حين رأيتُ الحواريين يتريضون قليلاً خارج “الإنجيل” باتجاه البحر. قلتُ لهم: انتظروا.. وخذوني معكم. فأنا شاعر ووسيم وأشبه المسيح. لم أحمل سيفًا ولم أمتط خيلاً، بل جملاً يتيمًا وثماني نساء شقراوات. ضربتُ أعدائي في وجوههم.. قبلتُ حبيبتي في ميدان عام، وانتظرتُ لتصفق الأشجار.

*

أنا ماهر جدًا..

صنعتُ ذهبًا وبنًا وخبزَ نخالةٍ بيدي، وبهدب لامع قطفته من عين فاتنة نائمة (كعصا راعٍ سحرية يمسخ الكوابيس إلى حملان طائرة)

صنعتُ المعجزات : حولتُ البنادق إلى كمنجات أنيقة،

والرصاص إلى نحل طائش يلعق صرخات الثواكل،

والنهود إلى مصابيح تنير عتمة الجوف.

*

أنا طيب جدًا..

ربَّيتُ قططًا وعقابا ولحية قصيرة، عصرتُ عليها نصف شفاة ساهرة،

فصارت شجرة محرومة آوت كل القطط والعقبان والنهود الطائرة.

*

أنا راعي أغنام بار جدًا ..

مرة سقيتُ الخراف قهوة، ومرة ربطتُ ذيلها بالسحاب

كي لا يضل المطر حدود رأسي،

لتغسل نساء المخيلة اعترافات فساتينها المرة.. بعد الفناجين !!

*

أنا شاعر ووسيم وأشبه المسيح. حين جاء البرابرة ليصلبوني، لم يجدوا المسامير كـفراشات لامعة في شعر الخطيئة، أو في هدايا الرعاة. فأخذوا مفتاحًا من جيبي ودقوه في يدي، وفتحوا.. فخرجتْ الحمامة وفي منقارها نهد يضحك!

*

أنا وسيم وأشبه المسيح.. ولأني شاعر سأجعل الفرح ممكنًا. قلتُ لهم أني مضيتُ إلى البرية أجرب ضحكتى العالية، وأئد المرأة التي ابتلعتْ غرابين على الريق لمضاعفة طاقة النواح، ورجعتُ أقول النكات للذين يصلون لآلهة الحزن، وبائعي الصراخ في فناجين القهوة المرة، ووردة المقابر المصابة بالزكام.. كي يبتسموا ولو لمرة واحدة.

*

أنا شاعرٌ ووسيمٌ وأشبه المسيح .. حين رأيت الحواريين قلت لهم أخبروا “المعلم الناصري” أني نسختُ آيته “من لطمك على خدك الأيمن، فأدر له الأيسر.”(1)، بآيتي :” وردة بوردة.. وسيف بسيف.”، ووقفت تحت المطر الملون أنظف رأسي الملطخة من وحي حزن قديم.

أغوى سحابة إلى جيبي مناديلا للارواح الدامعة

وناديتُ امام الفريزيين، واليمينيين والجمهوريين وشعراء النثر:

*

“عش كالمسيح ولا تمت مصلوبًا” !!

*

*

أنا شاعر ووسيم وأشبه المسيح.. دخلتُ “أورشليم الجديدة” راكبا على ظهر فيل أحمر أذنيه من عقابين(2) يرفرفين بأجنحة من سنابل برق وأناشيد متقدة. ورفعتُ بيمنايَ “إنجيلي”، وبيسرايَ خصر الكمنجات.

[ كميزان لاهوتي شاعر]، وقلتُ:

العدلَ أن أحب الله والنساء، أيتها الأيقونة العاقر !!

*

*

الروح تصهل كلما تعرّقتْ حمامة طائشة

في صدر حبيبتي..

كيف لي أن أحرر جسدي من قيد فلسفتي الصوفية ؟!

كيف لي أن أعيده سالما من التابوت للكمنجة ؟!

أشرب القهوة.. وأحرق كتب الشعر والتاريخ

وبين الرائحتين يظهر “طالعي”.. تناسل لا تناسخ :

أنام على امرأة، وأغطي المشهد الإباحي بامرأة ثانية،

كي لا ترى امرأة ثالثة خيمة المطر، وتخدش رمل عذريتها،

قبل أن تُكتب في فهارس الرغبة: شهوة نازفة

أو

نهر ينتحر من مرايا العارية !!

*

دعيني أقبلك كي أنام وأخسر الحرب. فأنا لا أنام ولا أحب الحرب.

منذ أن أضعتُ حصان الشطرنج صباح “أحد الشعانين”،

وأنا لم أحارب.. وأنا لم أُهزم أو أنتصر.. وأنا قعيد الصهيل بين

احتفالات السعف الأخضر.

أهداني أبي “جحش ابن آتان” كي أهدأ وأكف عن الصراخ،

وأكمل اللعبة. لكني كسرته عن عمد، واهديتُ حطامه لكاهن

ماروني في “اثنين الرماد”.(3) ومن يومها لم أحارب ولم أهدأ.

حتى نظرتُ صورة لـ”سان جورج” على حصانه الأبيض معلقة

على حائط الغرفة، طويتها وأدخلتها ساحة الشطرنج للقتال.

لكني لم أحارب ولم أحب الحرب.. لكني أحبك !

وذهبتُ كي أكمل النوم في قبري خلف كنيسة القيامة.

أزعجني الضجيج الدائر في “أورشليم”. تشفعتُ بجراح المسيح

وقمتُ باكرًا. تذكرتُ أني أحمل اسم “سان جورج”، وتذكرتُ أيضًا

أنه من بلدة “اللد” القديمة (4)، ومن السكان الأصليين.

فتقمصت دوره – دون مازوخية الشهداء- ولبستُ خوذته كجندي

له حق التفتيش عن الهوية. وذهبت أسأل العربي: اين شهادة ميلادك

كي تلهو فوق قبري دون استئذان؟!

قال: سرقها الصليبي من “عكا”.

سألتُ الصليبي اين شهادة ميلادك ؟ قال: سرقها العربي من “الأندلس”.

لم أعبأ بتلك السفسطة التاريخية، فأنا “يميني- تدبيري”(5)، والتاريخ عندي كتبه أشعياء، ويوحنا بن زبدي في سفريهما قبل التاريخ.. قبل أن تتقيأ الأرض سيوفا تحيض.

والأرض عندي هناك: ناطحات سحاب فوق قبعة “الآباء المؤسسون”(6). لكني ذهبتُ لقبري كي أحلم مطمئنا :

لولا “قسطنطين”(7)، و”جورج واشنطن”، ما بقى دين المسيح في الشرق

أكثر من 300 عاما !

لكني لم أحارب ولم أحب الحرب. لكني أحبك يا شقراء.. يا ابنة العرب المحتلين !!

*

*

وكنتُ أكتب كعادة الشعراء السيئة عند الفجر:

هذا ليس هلالاً أيها الفلكيون الحمقى

كل ما في الأمر أن حبيبتي قد طارت إلى السماء ليلا

وفتحتْ ساقيها.. لتبيض نجومًا فوق رأسي المهجور.

هناك..

يوزعون النهود الساخنة بدلاً عن الأرغفة الجافة

يبيعون ويشترون بالقبلات:

من له مئة قبلة

يملك دلو المطر العاطفي.

*

هل حجم خطايانا كان أصغر من حجم حقيبة السفر؟!

الحقيبة الجنازة:

“زيت الشهوة على خصر المساء..

شمعدان من عرق أصابعها..

حفنة بحر برئيا من دم الحمام لتغسل مأساة الصور..

موسيقى عرجاء على سلم موسيقي من ثلج العواطف..

مناقير الشهوة تلتقط عيون النساء كحبات أسبرين

مسكنة لغيابك..

ومناقير تسرق العتمة من جيب الذكريات..

اعترافات مرايا الحزن لعيون الوحيدات..

صرخة ملونة في حنجرة العصافير..

مناديل برائحة أيلول [موسم اغتراب النحل عن نهد الفتيات]..

قصائد عديمة الفائدة..

معطف قديم للروح ..

دليل سفر في ذاكرة مهترئة..

وغراب أنيق كثياب الحداد “.

*

هل حجم خطايانا كان أصغر من حجم حقيبة السفر؟!

*

سنحذر..

*

أن يستوقفنا الملاك في منتصف الرؤيا بسبب خلل بسيط في البيانات العاطفية، ويردنا لسيرتنا الأولى بنصف خيال ونصف قارورة

أرواح ملونة.. لنتمم أيقونة الفراشة.

*

متى صدق الشعراء أنهم أنبياء بلا جم غفير

يقتادوهم لصيد وجع النساء من سر البحيرة ؟!

*

سنرحل..

دون أن نعبأ بسؤال الكهنة ورجال الأرصاد:

من سقط أولا: آدم أم المطر؟!

*

لسنا آلهة لنقول لدمية فراغنا: كوني عروس أشواقنا،

لنرسل من زفير العواطف، شجرة تستريح عليها الأغنيات المكسورة.

لسنا آلهة لنقول للأفعوان: كن خيطًا مزركشا يرتق عباءة شحاذ الرصيف.

لسنا آلهة لنصنع خبز كفافنا من غبار ثيابنا، وننعس خلف ظهر الأيقونات الجائعة.

*

لنفق أنّ العزلة مرادفة للأبدية

ولنتفق على تسمية كل شيء بالعدم طالما لم ندركه..!

*

لم يتبق في القلب سوى صرخة كي ألوث الحناجر..

لم يتبق لشفاه حبيبتي سوى دم الغراب..

متى تفقس بيضة الحكماء رأسا شعرية ؟!

من أي عين سوف تخرج الجثث لتسقي شجرتها بغرقى الذاكرة ؟!

من أي نافذة سوف يهبط الوحي ؟!

*

رأيتُ رائحة الخبز والفلاسفة، قبلة تائهة تمشي خلف ظل المسيح

وتنسجه ثوبين:

واحدًا لأبي، والاخر لشجرة عارية في منام أرملة الشعراء.

قلت أذهب خلفه علّني أكتب إنجيلاً جديدًا،

ويعرفني الرعاة كبشير خامس.

كأني شاعر يجمع اعترافات الموتي حين يقومون

من القبر باكرًا بثياب العيد.

كأني لص كوابيس يسرق الكحل من عين حمامة الأشواق.

رأيت المسيح في “حلب” ماشيًا خلف جنازة أبي العلاء.

رأيته يمسخ التابوت كمنجة كهيئة طير يصعد للسماء

قبل رائحة القهوة العربية. ورأيته يهتف:

طوبى للعميان، لأنهم لا يبصرون حمقى البلاد العربية.

*

رأيت المسيح في “البيت الابيض” أنيقا يرتدي ربطة عنق حمراء كإخوته “الجمهوريين”. رأيته بعد شفاء الأحمق والشاعر الأبله ولصوص الكتب، جالسًا يتصفح مانشتات “نيوز ماكس”.. ويبتسم كلما وقعتْ عيناه الأزليتان على صورته التذكارية مع “رونالد ريغان”.

وكان يشير نحوها بإصبعه اللاهوتي:”هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت”.

رأيته غاضبًا في “الكابيتول”، يقلب الطاولة ثائرا في وجه “الديمقراطيين” ويطردهم خارجا:”بيتي بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مغارة لصوص”. ثم يهدأ قليلا فيصعد على المنصة وينادي على لينكولن، ويترنم بالمزمور: “قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى ترى أعداءك موطئ لقدميك”.

رأيت المسيح واقفا على صخرة “روي مور”(8) كجبل الموعظة القديم، يوزع على المجتمعين، “خارطة المُلك الألفي” و”قلادة من خبز الأحد”.. وكان يضرب لهم الأمثال كلها: “إنما أُكلنا يوم أن أُكل الفيل الأحمر”!!

**

وفي الليل تصبح لصًا او شاعرًا خجولاً..

الشعراء لا يأتون في الصباح

إنهم محض شبح ليلي

يخيفك.. يستفزك.. يحوم حول امرأتك، فتسهر لتطارده !!

*

لم تمسسني الأشباح بسوء..

مسني اليمام، فصرت غصنًا مائلاً على شرفة حبيبتي

لأرى ما لا أرى..

لو مددتُ يدي لأقطفها وأتناسخ أنيابا في شهية الغابات..

لو مددتُ يدي لأفتش في شعرها عن فاكهة لم أذقها في حياتي..

*

في منتصف الليل والمعنى. زج بي شاعر رومانتيكي أحمق

إلى سجن مخيلته.. وراح يستغيث :

لا تخش الوحدة، فالحب محاولة اغتيال !

*

وكنتُ أكتب كعادة الشعراء السيئة عند الفجر:

ستحبل النساء بالورد..

لو مشيتْ حبيبتي عارية إلى لوحة البحر.. (في قلادتي) !!

لو ألّفتْ الأشجار نكاتًا قبيحة عن سيقان نساء الملوك

لو سرقني لصٌ طوباوي من مرايا القديسات، ودسّني تفاحة

مسمومة في جيب قتلة المسيح

لو لمع الجنود صرخة غامضة في ذاكرة الأنبياء

لو تأوهتْ غابة نازفة في حنجرة الخطيئة

لو غسلتْ المومس معاطف الملائكة قبل الطوفان.

*

قالوا: إن الجثث تأكل الورد كل عام “يوم موتها” !!

[…لكني أعدتُ الصياغة، كي لا تسقط جثة من غيبوبتي

وتشرب سراب الكرنفال] :

*

قالوا إن الورد يأكل أيدي الجميلات كل صباح،

ولا يفوح بالسر لشفاه لا تتفتح لخمسة اصابع مؤنثة !!

*

[…لكني أنزعج من ثرثرتي دائما،

فأعود وأغير الصياغة كلها.. واستغيث]:

ستحبل النساء بالقنابل..

لو بقيت الحرب أرجيلة تنتحب في مقاهي الشعراء

…وما ضرتني الحرب بشيء سوى عجز القواميس !!

*

وكنت أكتب كعادة الشعراء السيئة عند الفجر:

كل النساء بلون الغابة.. أحيانا خضراء، واحيانا محترقة

كالذكريات بشعرها الطويل.

*

[ كان علي أن أسمّي الاشجار بأسماء النساء الطيبة،

كي لا تحترق الغابة مرة أخرى].

*

وكنت أكتب كعادة الشعراء السيئة عند الفجر:

أعيريني ساقك.. أريد أن أزرع شجرة شقراء في سريري !!

*

من هي؟

حين أستيقظ سأخبرك بكامل الحلم.

من أنت؟

لا أعلم.. لكن أحدهم أعطاني أقراصًا منومة لأحلم كثيرًا. وآخر شق بطني وقايض أمعائي بحبل غسيل، ونشر ملابس الغرباء وقصائده العدمية.

وثالثًا سماني تابوتًا، أو صندوق بريد مهجور. لأن أسماء النساء في قلبي قد اصفرت دون عناوين. ورابعًا ذهب ليستدعي طبيب القلب والقديس الماروني. ولم يأتوا بعد. فلا أقدر أن أعرفني قبل مجيئهم. انتظر للغد فربما أجدني في أيقونة مقدسة جالسا على فرس مكان “سان جورج”، فربما أني هو، وعدتُ لأحرر أسيرات داعش، وأتزوج منهمن ثمانية (علي شريعة النبي داوود). أنتظر للغد فربما أجدني فوق كنيسة قديمة تمثالاً يغوي حمام نوح بالاسئلة السوداء في عيني!! أو أجدني

في صحيفة أو جنازة غامضة أو قاموس ورد. واتعرف عليَّ بمساعدة الشرطة وأخبرك أنّ أمي مازالت بخير.. وتدعو لي أن أقوم

في اليوم الثالث نظيفًا من الذكريات.

هل كتبت ؟

تركتُ رسالة لقاتل مجهول:

حدق كثيرًا في الكفن.. ولا تحملني.

وأخرى للحبيبة :

حبيبتى سأترك شفتيَ في رحمك، لأقبل أطفالي

الذين يموتون مثلي في الصباح.

هل بكيت؟

لا.. خفتُ من فضيحة المطر !!

*

ما أمنيتك الأخيرة ؟

– إن كان لابد من موت فليكن على طريقة عبيد بن الأبرص.

لا على طريقة المسيح. فعبيد قد مات ضاحكًا، اما المسيح

فقد مات باكيًا، ليخضر الأوغاد وشما ينزف

في تجاعيد شجر الخطيئة !!

وليكن قبري كسريري.. وليكن سريري أنيسًا كطاولة المقهى.

وملاكان حولي (واحد مكان الحبيبة، والآخر مكان شبق وردتها)

يجلسان ويدخنان الأرجيلة، ويلعبان النرد ليتسليان وينسيان

موعدي مع أبي.. هناك في ذاكرة الحمامة.

كيف أقوم كالمسيح أنيقًا.. ناصعًا كأغنية الفجر؟

جسدًا مهجورًا كأحشاء الكمنجات

وروح أغنية مشنوقة على حبلي الصوتي.

وكانت رئتيّ حمامتين محشوتين برماد غزالة مُدللة

استعارتْ من الأنثى طيش مشيتها إلى الجنون..

*

وكانتا تحبان رائحة “البايب” وطعم الخريف.

*

ولا تقلق..

أمي مازالت بخير وتدعو لي: أن لا أكبر

كي لا أصير جنديًّا.. أو عاشقًا مجهولاً.

أمك ماتت

نعم.. وأنا أيضا !!

…ولا تقلق. حبيبتي مازالت بخير، وتوصني:

أن ألتهم أغنيات فيروز على شفتيها

كي لا أبيت جائعًا.

حبيبتك ماتت

نعم.. وأنا أيضًا..

سيذهب الشعراء إلى الإصحاح ليعدِّلوا “التكوين”

سيذهب وجهك إلى الأيقونة ليعيد إشراقة مريم من الجليل

سيذهب الذين يخيفهم شبحي ليختصروا النهار

سيذهب الذين يؤرقهم صدري ليذبحوا الوسادة

سيذهب الذين تغرقهم عيني ليحرقوا الفُلك

سيذهب الماء إلى الماء..! (9)

 

الهوامش:

 

(1) بلاغة المسيح أرتكزت في مجملها على الأمثلة والمجاز الأقرب للمبالغات اللفظية. قالت له المراة الجالسة عند البئر: هل عندك ماء؟.. فقال: من يشرب من مائي لا يعطش أبدًا. وحين أراد أن يوصي بطرس على أتباعه قال له: “ارع خرافي”. وقال لرسله أيضا: احترسوا من خمير الفريزيين. فظنوا أنه يقصد خبزًا !!

إن النصائح وأقوال الحكمة التي شاعت عند متحدثي الآرامية كانت تعول على المجاز الشعري في أحيان كثيرة، فإن أراد الرجل الناطق بالآرامية إظهار خطابته فوجب عليه ضرب الأمثلة والتحدث بالمجاز والشعر (كما فعل المسيح).

وأقدم ما وصل الينا من نصوص أدبية آرامية يمكنها إيضاح ذلك ونقيس عليها رأينا هذا، هو “كتاب أحيقار الحكيم” الذي امتلأ بالمجاز لإظهار الخطابة والفصاحة منها: صناعة حبل من رمل البحر، وتخيط الحجارة، وغيرها. لذا يصبح كلام المسيح – وفق لغته لا منهجه الدعوي- مجازيًّا في أحيان كثيرة.

وفي “Logia” ]أي الأقوال[ التي كتبها متى العشار رسول المسيح واحتوت على أقوال المسيح بالعبرانية، وهي الصيغة الأولى لأنجيل متى الحالي ]وهي مفقودة[ لكن جاءت اقتباساتها في كتابات الآباء الأوائل ( تلامذة الرسل) على شكل مقاطع شعرية كالتي كتبها داوود النبي في “المزامير” حيث كانت ثقافة المسيح “آرامية – عبرانية”.

(2) أجنحة العقاب وردت في”الكتاب المقدس” في سفر أشعياء النبي (إصحاح 40، أية 31) متنبئا بملك المسيح الألفي:”…أما منتظرو الرب فيجددون قوة. يرفعون أجنحة كالعقبان. يركضون ولا يتعبون. يمشون ولا يصيبهم عناء”

(3) “اثنين الرماد”: بداية صوم الفصح الأربعيني، فيه يرسم الكاهن على جبين الحاضرين في الكنيسة صليبًا من رماد. وهي عادة مارونية وكاثوليكية.

(4) “اللد” : مدينة أثرية، ولد بها القديس “سان جورج- مار جرجس “، وبها قبره داخل كنيسته.

(5) التدبيرية: فكر لاهوتي “أصولي- بروتستانتي” يؤمن بعودة المسيح إلى الأرض ليحكم ألف عام مع رسله الـ12. وتطورت “التدبيرية” في الولايات المتحدة لتشمل “الولادة الثانية” فإن أراد الاصولي أن يشارك المسيح ورسله الملك الألفي في الأرض عليه أن يولد ثانية أي أن يخلص للتعاليم الأصولية – البروتستانتية: “إن كان أحد لا يولد ثانية ، لا يقدر أن يرى ملكوت الله. (إنجيل يوحنا 3 – 3)”.

(6) Founding Fathers: الآباء المؤسسون للولايات المتحدة.

(7) الأمبراطور قسطنطين.

(8) روي مور: قاض أمريكي جمهوري، رفض أخراج صخرة “الوصايا. العشر” من المحكمة، واحتفى به اليمينيون والجمهوريون الأمريكيون.

(9) أي ماء الرجل وماء المرأة في الجماع.

 

[email protected]

صحافي وشاعر مصري.