“جُثةُ الحَربْ” قصة قصيرة للكاتب السوداني عبدالعزيز بركة ساكن

عبد العزيز بركة ساكن

الشمسُ تمضي نحو مغيبها اليومي الروتيني، وكنتُ أجلس أمام باب بيتي، قريباً من عمود الإضاءة الذي ليست به أسلاك للإمداد الكهربائي وسوف لا تكون به إلّا إذا تحققت مشيئات معقدة أو معجزات بشرية كتلك التي في كتاب الطبقات لود ضيف الله.

إنهم وضعوه هنالك كدليل على إنتهاء الحرب وبدء عمليات التنمية، التي لم تكن في مَخليتنا غير خُدعة مكشوفة تماماً.

لقد قِيل لنا إن الحرب قد إنتهت، وكل ما نسمعه ونراه من هجوم المليشيات المسلحة على بعض القُرى والمزارع والمواطنين ليست سوى أنشطة يقوم بها بعض المنفلتين وأعداء السلام الذين لا يمكنهم العيش في وضعية لا حرب: لقد انتهت الحرب.

كنتُ لا أفكر في شيء، أستمع إلى إذاعة “البي بي سي” بالغة الإنجليزية. أنا من المغرمين ببرنامج “فُوكَسْ أون أفريكا”، عندما مرت أمامي امرأة في منتصف العمر، على ظهرها حملٌ ثقيلٌ، يحني جسدها ويصعب عليها المشي، ولكنها تمضى بخطواتٍ مؤكدة في واضعة قدميها على الأرض بقوةٍ وألمٍ وإصرارٍ وصبر.

جريتُ نحوها وطلبتُ منها أن أساعدها في الحمل الثقيل.

قالت لي بينما كانت تواصل مسيرها:

– يا أخي. هذا الحمل لا يمثل شيئاً على الإطلاق، فالحمل الثقيل في البيت.

قررتُ أن أنزله من على ظهرها، وأضعه على ظهري. قبلت بعد لأي ومحاجاة وممانعة، ثم قالت لي بلغة محلية ولكنة قروية صعبة، ولكنني أفهما جيداً، فالمرأة من نفس القبيلة التي أنتمى أنا إليها، ونتحدث نفس اللغة:

– البيتُ بعيدٌ جداً.

قلتُ لها وأنا أنوء تحت ثِقل الحمل:

– مهما كان البيتُ بعيداً، سأحمله عنك.

مضتْ أمامي في خُطواتٍ أسرع. كانت تتوقف في بعض الأحيان لتسألني عمن أكون، من هو جَدي ومن هو أبي وما إسم أمّيْ. تعرفتْ على أسرتي، وقالت لي إن جَدّي، عبد الكريم ادريس آدم، كانت له علاقات تجارية مع والدها وكان زوجها قد أقام في ديوان جدّي ثلاث سنوات كاملات عندما حضر للمدرسة الثانوية، ولكنني لم أتعرّف عليها، فسكان القُرى المجاورة كانوا دائماً ما يكتفون بالإقامةِ والحياةِ بعيداً عن المدينة وسكانها في مزارعهم وبين ماشيتهم وخيولهم وحيواناتهم الأخرى في تجمعات أسرية ممتدة.

وعندما يأتون للمدينة فهم عابرون، إمّا للتسوّقِ أو الدراسة أو المحكمة، ولكن بعد إنتهاء الحرب أصبح ما تبقى منهم على قيد الحياة يأتي للمدينة لأخذ الذرة إلى الطواحين وشراء بعض ضروريات الحياة. فلقد أصبحت القُرى مهجورة تماماً والمزارع مُهملة والأرض خَراب، خوفاً من هجوم ما تسميهم الحكومة المركزية بالمنفلتين، فإن لا أحد يفضل السُكنى في الريف، كما إنه لم تعد هنالك طواحين أو أسواق أو ماشية.

كان بيتها بالفعل بعيداً. يَقبع وحيداً في قَرية لا تُوجد بها أية أسرة. ليس سوى بيتها منتصباً وسط رُكام من المنازل المحروقة التي أصبحت مثل الأشباه عند الغروب وبداية هبوط الظلام، أي في الوقت الذي وصلنا في إليه.

ظللتُ طوال الطريق أفكر في الحمل الثقيل الذي في بيت المرأة. ولأنني لا أتمتع بخيال خصب فقد ظننت أنها تعول عدداً كبيراً من الأطفال، أو أن لديها زوجاً مريضاً، أو ابنة معلولة، أو أن لديها والدين هرمين مصابين بفقدان الذاكرة لا يكفان عن الثرثرة والشكوى طوال اليوم، ولكنني لم أر أحداً في البيت، الذي كان نظيفاً جداً ومُعتنى به، إنه يمثل حالة تضاد عنيفة مع الخراب الذي يحيط به من كل جانب وجهة. كان عبارة عن قُطيّة كبيرة حديثة البُناء وأمامها مظلة من الطين والقش لها بوابة متسعة. تقبع خلفها بقايا مبنى طيني شبه منهار، وشجرة محترقة وتفوح من المكان رائحة الخراب.

ساعدتني في إنزال الحمل عن ظهري، ثم أتت بمقعدين من الخشب قصيرين. قدمت لى واحداً وتركت الآخر لنفسها، ثم في سُرعة أتتني بماءٍ للشرب. وضعته أمامي. كنتُ على عجلة من أمرى ويشحنني الفضول. أريد أن أتعرف على ذلك الحمل الثقيل الذي تحتفظ به المرأة في بيتها، ربما ساعدتها فيه كما فعلت في هذا المغرب.

دخلتْ قُطيّتها، أتت بمصباح زيتي صغير. قامت بتنظيفه جيداً. ثم صبتْ عليه بعض الجازولين وأشعلته. كان الظلام قد حل سريعاً على المكان. وليس هنالك قمراً في السماء ولا لمبات إضاءة في مكانٍ قريب حيث إن المدينة نفسها تغرق في بُحيرة من الظلام.

– ما هو الحِمل الثقيل يا أختي، ربما أساعدك عليه؟

تنهدت ثم قالت بصوتٍ واهنٍ

– أنت هنا لن تتعرف عليه، ولكنك عندما تذهب، ستعرفه.

لم أسألها مرة أخرى. القرويون هنا دائما ما يعنون ما يقولون.

نهضتُ وودعتها. فشكرتني على شهامتي وهمتي، وأضافت إنني أشبه جَدّي في كل شيء: فلقد كان جدّكَ شهماً.

وبينما أنا اختفى في الظلام على بعد أمتار قليلات من بيتها. تذكرتُ قولها :

“أنت هنا لن تتعرف عليه، ولكنك عندما تذهب، ستعرفه”. فالتفتُ إلى الوراء، لأري ضوءَ المِصباح الضئيل وقُربة المرأة تَجلس علي المِقعد الخشبي تضع رأسها بين كفيها. واسترقتُ السمع. فإذا بِيَّ أسمع طنينَ الصمتِ عالياً مثل طرق الطُبول.

 

25 يوليو 2020

[email protected]