“حُب لا أحبه” قصة قصيرة للكاتبة الإماراتية مريم الساعدي

مريم الساعدي

أحب أن أشعر بالحب، ولا أحب أن أشعر بالحب.

أحب أن أشعر بالحب تجاه الكون عموماً، تجاه الطيور السوداء الصغيرة ذوات المنقار الأصفر والأقدام الصفراء النحيلة المنتشرة في شوارع أبوظبي على الشجيرات وفوق أسطح البنايات وكثيراً جداً حول قدميَّ. أحب أن أشعر بالحب تجاه الوردات الصغيرة المتناثرة هنا وهناك في الدوارات والمساحات الخضراء الصغيرة المحيطة بالأبراج العالية، وأحب أن أشعر بالحب تجاه أوراق الشجر المتساقطة بفعل فصل الخريف. أحب أن أشعر بالحب تجاه الشجر، وأوراقه، والخريف، وأشعة الشمس وقت الشتاء، وبالبرد يلفح وجنتيّ ويُدمع عيني. أحب أن أشعر بالحب تجاه رائحة النار في ليلة باردة، وتجاه العامل الآسيوي النحيف المتفاني الذي يحرص أن يقسم قطعة الساندويتش إلى ثلاث وجبات صغيرة حتى يوفر أكبر قدر ممكن من النقود ليعود سريعاً إلى وطنه، وتجاه الفلاح المصري المسكين الواقف على رصيف الشارع بجلبابه الفضفاض في تنقله اليومي بحثاً عن عمل، وتجاه القصاب الباكستاني البائس الجالس أيام العيد بعدة القصابة لساعات طوال تحت لوحة كُتِب عليها بالعربية “احذروا القصابين المتجولين”.

 

وأحب أن أشعر بالحب تجاه نكهة القهوة، رائحتها، والنادل المبتسم الذي يقدمها لي. وأحب أن أشعر بالحب تجاه ماجده الرومي وهي تغني مثل فراشة بيضاء بعنفوان فارس أسود على

مسرح قصر الإمارات بأبوظبي. أحب أن أشعر بالحب تجاه هدوء الضحى وأنا أتجه متأخرة إلى عملي لأستمتع بالهدوء المهيب الذي يغلف الجو في ذاك الوقت، والذي يشعرني أن القيامة حتماً ستقوم وقت ضحى.

ولكن، ولكن.. وعلى الرغم من كل هذا الحب الذي أحب أن أشعر به، لا أحب، لا أحب أن أوجهه كله نحوك. لا أحب أن أشعر بك لهذه الدرجة؛ ألا يعود لكل الأشياء المذكورة آنفاً أي وجود، أي معنى، وأن تصير أنت، أنت بالذات، محور كوني، سبب وجودي، مصدر الأكسجين الخاص بي. لا أحب أن أظل طوال الوقت مشغولة بالتفكير بك، بك أنت بالذات، بك أنت فقط، بك وكفى. هذا غير جائز، غير عادل، هذا غير منطقي أساساً أبداً، ولا يجب أن يكون.

أريد أن أخرجك من دماغي، لبعض الوقت، لبعض الوقت فقط، لكي أستطيع أن أفعل أشياء أخرى في الحياة، مثل: الاستماع إلى الآخرين، إبداء النصح حين يحتاجونه، والرأي حين يتوسمونه، والضحك على نكته بذل أحدهم جهداً لإلقائها، ومثل القراءة، ومحاولات الكتابة الدائمة، ومشاهدة فيلم، ومتابعة نشرة إخبارية، ومجهود التحفز الذهني لأكون صاحبة قضية وأتسامى فوق وجودي الخاص الأناني. ومثل قول “شكراً” حين يقدم لي أحد خدمة كالحمَّال الذي يحمل لي حقيبة سفري، والبوَاب الذي يفتح لي باب السيارة، والفرّاش الذي يقدم لي القهوة، وراكب المصعد الغريب الذي يهتم بإمساك الباب حين يراني مقبلة، ولمن يفسح لي طريقاً في شارع، ولمن يُصرّ أن آخذ دوره في طابور طويل أمام جهاز سحب نقود آلي أو صالة سينما أو في انتظار طلب قهوتي في ستاربكس. أريد أن أخرجك من دماغي لأستطيع أن أنتبه لكل هذه الخدمات وأقول شكراً لفاعليها لأجلي من دون اضطرار. أريد أن أسترد حدقتي عينيّ، لأرى بهما، بدلاً من أن أسير هكذا مثل شبح مفقوء العينين عديم البصر إلا حين يراك!

لم أستطع فعل أي شيء، أي شيء من كل ذلك منذ عرفتك. كل شيء، كل شيء خارج إطارك، خارج شكل ملامحك، بحّة صوتك، ضحكتك، رائحتك، شكل يديك، تدويرة أظافرك، الخصلات البيضاء المتناثرة في شعرك، مشاكستك للنادلة في كل مرّة وأنت تطلب قهوتك السوداء، كل شيء لا علاقة له بك، لا وجود له، لا أراه، لا أنتبه له، لا أحسه. كل شيء يجب أن يكون بقربك، أن يمر بك، أو تمر به، أن تكون لك به صلة ما، ليبدأ في اتخاذ ملامح محددة أستطيع تمييزها وإدراك وجوده.

هل هذا حب؟!

هذا شعور مؤلم، شعور بأنك وحيد، وتحتاج دوماً لمصدر وجودك المتمثل في شخص واحد، واحد فقط، واحد بالضبط، وعليك تحمّل فترات غيابه الكثيرة؛ فهو مجرد شخص واحد، يحتاج أن يكون بعيداً لأوقات طويلة في عمل، في وقت راحة، في صحبة آخرين، في الحمّام، عند الحلاق، في الوصول من مكان لآخر، شخص واحد يحتاج من وقته الكثير لإنجاز مستلزمات وجوده اليومي الخاص. كيف؟ كيف يمكن أن تعلق حياتك بشخص واحد فقط، وتتوقف عن الوجود حتى يعود لمحيط رؤيتك؟! أي وجود مستقطع هذا؟ بائس ومرير!

أنا لست هكذا، لم أكن هكذا، كنت أقوى، أبعد من وعن كل شيء وكل أحد، كنت أكثر كمالاً وحدي، متى تسللت إلىّ وتخللت ذرات وجودي هكذا؟ وكيف لم أنتبه؟ أين تراني كنت؟ هل استهنت بك؟ أم أخطأت تقدير قوتي؟

الآن.. كيف الشفاء منك؟

وإلا فالموت بك.

“ربما أنتِ واهمة، صفي لي شعورك؛ كَوني عرفت العشق قبلك”، تقول صديقتي العارفة. “حسنا، أشعر بضغط في الأذنين كلما فكرت فيه، تماما كالضغط الذي يشعر به راكب طائرة تستعد للإقلاع، وبمغص في المعدة وإحساس دائم بالحمى…”، تدير عينيها وتقول ضاحكة: “هذه أعراض انفلونزا خنازير يا صديقتي الواهمة”.

أقرر أن أجعلك مشروع نص جديد، عملاً أدبياً آخر، لكي أشفى منك، لكي تصير بعيداً، لكي أراك على الورق، لكي تكون حالة، مجرد حالة، أشرّحها في نص آخر. أروع ما في كون المرء كاتباً هو أن تجربته الحياتية كلها يمكن أن تكون مجرد مشروع كتابة. بالتالي لا يعيشها، لا يضطر أن يتألم بآلامها وينخدع بأحلامها وأوهامها؛ فهي هناك فقط لكي يكتبها، وأنت وُجدت فقط لكي أكتبك، وتنتهي حين أضع نقطة على آخر سطر. تنتهي تماماً، وأتمتع بعدك بالصحة والعافية والعمر السعيد المديد.

أرتاح لهذا الإدراك، أكتبك نصًّا، وأشعر بأني أعود إلى أن أكون سويسرا مجدداً، كما كنت تقترح عليَّ دومًا حين أشتكي سوء الفهم وضيق الصدور، تقول: “كوني مثل سويسرا محايدة تمامًا وبلا شعور”، أكتبك نصًّا وأشعر بأني سويسرا جدًّا، سويسرا حتى النخاع. أتطلع إلى القمر وأستطيع ملاحظة كم هو مضيء ومبهر، وتبتدئ النجوم الكثيرة في السماء المعتمة بالتلألؤ، ويبتدئ الكون كله باتخاذ ملامحه مجدداً لأراه وأميزه وأشعر به، وتبتدئ حدقتا عينيّ بالاتساع والإبصار، ويعاودني الشعور بذاك الحب الكوني الذي أحبه. ذاك الحب الذي يجعلني إنسانة حلوة مثل طير حر سعيد وطيب.

يقاطعني رنين هاتفي النقال، يقطع صفاء روحي، نقاء ذهني، وتَبَتُّلي الهانئ في محراب الحب الكوني. فإذا به رقم هاتفك، وإذا به صوتك، وإذا بالكون ينهار أمام عينيّ، يتكسر، يسقط القمر، يتلاشى، تختفي النجوم، وتبدو السماء مظلمة والكون معتمًا ولا شيء، لا شيء يضيء أبداً سوى شاشة هاتفي النقال.

 

من مجموعتها القصصية “نوارس تشي جيفارا” دار اثر ، 2012