حسونة المصباحي: قصص كويتية بنكهة مارك توين

حسونة المصباحي

يَعلمُ صديقي صاموئيل شمعون المقيم في لندن، مُقدّما خدمات جليلة للثقافة العربية من خلال مجلة”بانيبال” المرموقة، أنني قارئ صعب خصوصا في هذه المرحلة التي تتميز بكثرة الكتب والكتّاب، وندرة الأعمال الجيدة التي تستحقّ الاهتمام والقراءة المعمقة والرصينة. ويحرص دائما على أن يكون مرشدي إلى ما يمتعني، ويرضي ذائقتي الفنية والأدبية. وأنا مدين له بالتعرف على مبدعين موهوبين من مختلف الأجيال، ومن بلدان عربية مشرقية ومغربية. وقبل سنوات، نصحني بقراءة أعمال الكاتب المصري علاء الديب فأخذت بنصيحته والتهمت روايته “زهر الليمون” في بضع ساعات لأجدها لذيذة وممتعة وعاكسة لانكسارات جيل الستينات في مصر، ومكتوبة بفنية عالية. وقد حرضتني تلك الرواية الصغيرة المكثفة والمعتقة إلى قراءة بقية أعمال علاء الديب لأتحقق أنه من أفضل كتاب بلاد النيل في النصف الثاني من القرن العشرين.

ومؤخرا نصحني صديقي صاموئيل بقراءة قصص الكويتي محمد الشارخ فلم أتردد في ذلك لأكتشف كاتبا مرموقا، سلس اللغة، بديع الأسلوب، ظريف وطريف، يتميّزُ بنظرة فاحصة وثاقبة للناس وللأشياء متوقفا بالخصوص عند المظاهر والحالات التي لا تلفت اتباه الآخرين متوهمين أنها بلا أهمية، وبلا فائدة إلاّ أن محمد الشارخ يمنحها حياة متوقدة، ويضفي عليها جمالية فاتنة. وأنا أقرأ قصصه تذكرت الأمريكي مارك توين الذي كان يتجول بين مناطق وبلدان متعددة، روايا قصصا رائعة ومثيرة من وحي مشاهداته، ومعاشرته للناس من مختلف الشرائح والطبقات، ومن مختلف الأجيال أيضا. فهو يمكن أن يجسد لك في بضعة سطور شخصية عجوز يوشك أن يغادر إلى العالم الآخر، لكنه يحرص على أن يستعيد البعض من بطولاته القديمة. كما يمكنه أن يلتقط لك صورة آسرة لمراهق يتطلع للمغامرة واكتشاف خفايا العالم وأسرار البشر فينطلق في مركب صغير عبر الأنهار ليصنع مصيره بنفسه، باحثا عن حرية ما كان يكتشف سرها لو رضى بالعيش داخل الأقفاص العائلية والاجتماعية القاتلة للروح. ومثل مارك توين، يجول بنا محمد الشارخ في العالم، ليروي لنا قصصا تشرع في قراءتها فلا تتركها إلاّ عندما تنهيها. فلا ملل ولا ضجر ولا تثاؤب. لكأنك في “مركب جذلان” بحسب تعبير رامبو، يتهادى بك في نهر هادئ فاتحا أمامك في كل مرة أفقا جديدا وساحرا. ومثل مارك توين، ينجح محمد الشارخ دائما في أن يجعل القارئ يعيش معه أجواء الحياة سواء في القاهرة،أم في لندن، ام في مدينة الكوفة العراقية، أم في مدن وبلدان أخرى عربية، وأوروبية، وآسيوية، وغيرها… إنه رحالة لا يتعب من التنقل لملء حقيبته بقصص مفعمة بالسخرية المرة، وبالدعابة السوداء عن أشخاص، وعن أوضاع، وعن حالات شاذة وغريبة ومضحكة.

محمد الشارخ

في قصة “ما حدث في شارع نوال” (نشرت في موقع كيكا)، يأخذنا محمد الشارخ إلى القاهرة في الستينات من القرن الماضي، أيام كان يدرس القانون هناك لنعيش معه حياة الطالب الكويتي العاشق لأم كلثوم، والمقبل على حب الحياة مُترددا على الملاهي، وساهرا حتى الصباح لأن النوم “لا يطيل الأعمار، ولا يُقَصّرُها طول السهر”. ومن خلال خصومة مع طباخ مصري، يرسم لنا محمد الشارخ صورة دقيقة وجذابة عن الحياة في القاهرة، متطرقا بسخرية لاذعة إلى مظاهر اجتماعية وسياسية في فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ويريشة المصور البارع، وسحر كاميرا السينمائي، يتنقل بنا في أحياء القاهرة الشعبية ليصف لنا العمارات القديمة بأبوابها المخلوعة، ورطوبتها الثقيلة، ومدارجا المحطمة، وسكانها الذين ترتفع ضحكاتهم الساخرة بين وقت وآخر، متحدين الفقر والخصاصة والمظالم المسلطة عليهم من السماء ومن الأرض. وفي هذه القصة كما في قصصه الأخرى، يتجنب محمد الشارخ الاسهاب، ويميل إلى التكثيف الذي يتيح له أن يقدم لنا في بضع كلمات صورة مفصلة ودقيقة وشاعرية عن عمارة في شعبي بائس:”المدخل مظلم وحائط الدرج مُتَشَقّق، وحيوانات تتراكض في الظلام، ربما فئران. وحين أسند يدي إلى الحائط وأنا أصعد الدرجَ، أحس برطوبة الحائط وتشققه وتحرك الحشرات داخله”.

وفي قصة “أسرار” يعود محمد الشارخ إلى طفولته البعيدة لنعيش معه مغامرة اكتشاف الغجر الذين يعيشون الترحال الدائم، فلا يعرفون الاستقرار أبدا لأن وطنهم هو الكون فلا توقفهم الحدود ولا الحواجز ولا القوانين. وكان الطفل محمد الشارخ قد ترك المدينة ليقضي أسابيع بين بدو الصحراء برفقة صديقه صالح. وذات مرة حدثهما فقيه كان له صوت رخيم به ينطق الكلمات نطقا سليما مثل “مذيعي البي بي سي” البريطانية، وبه يرتل القرآن، خصوصا سورة الرحمان، عن الغجر فأثار فضولهما لتصبح صورتهم العجيبة ملازمة لهم في الليل كما في النهار فلا تغيب عن خيالهم أبدا. وكان محمد الشارخ وصديقه صالح يتأهبان للنوم لما ارتفع في الليل الصحراوي الساكن صوت امرأة تردد أغنية شجية تحت سماء مقمرة مرصعة بالنجوم. وكان ذلك الصوت القادم من بعيد “يتخلّلُ الأشجار، ويطوي البراري”. وفي الحين تسلل الصديقان من البيت خفية عن العيون، وتاها في الصحراء ليعيشا متعة السهر مع الغجر وهم يغنون ويرقصون غير مبالين بما يعيشه العالم من حروب ومحن وكوارث. حتى الطيور الرابضة على أغصان الأشجار سكنت سكونا تاما مفتونة برقص وغناء الرجال والنساء:” والرجال غمرتهم النشوة وسلطان الطرب يميلون جميعا يمينا وشمالا كموج بحر هادر، يرفعون ظهورهم وأكفهم تصفق عاليا، يطمرون، يهتزون، ويميلون، غناؤهم فرَشَ السماء وأسكر الأرض”.

وفي قصة “حاتم الكوفي …رجل خشن ذو وجه أنهكه الزمن”، نسافر مع محمد الشارخ إلى مدينة الكوفة العراقية في زمن الحكم الملكي لنزور معه مسجد الامام علي ونحضر معه طقوسا دينية يختص بها الشيعة، ونتجول في الأسواق التي يكثر فيها خائطو العباءات السوداء، ونسير في أزقة “طويلة متعرجة وضيقة”، ونتوقف أمام بيوت طينية ذات طابق واحد “تتلاصق بعضها ببعض”. ومن كل بيت تفوح رائحة الطبخ. ويحاول محمد الشارخ أن يعثر على أثر للشاعر أبي الطيب المتنبي،ابن الكوفة، لكن دون جدوى. وحين يسأل الدليل عن السبب يجيبه قائلا:” المتنبي لم يكن مؤمنا” … وخلال طوافه في الكوفة يلتقي محمد الشارخ بخطاط “خشن ذي وجه أنهكه الزمن”، ويشتري جميع لوحاته، ويزور بيته. وبعد سنوات طويلة عرف فيها العالم أحداثا كثيرة، وحروبا مدمرة، يتوقف أمام مكتب محمد الشارخ في الكويت، شاب بحذاء عسكري ثقيل يتراكم عليه الغبار كما لو أنه حذاء جندي عائد من هزيمة ليعمله أن والده الخطاط توفي في عمان، وأن والدته أرسلته له أملا في أن يساعده على مواجهة حياته الصعبة في عراق دمرته الحروب والنزاعات، فتشرد أهله في جميع أصقاع الأرض بحثا عن الأمان، وعن لقمة العيش.

ما أن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ التي أرسلها إلي مشكورا صديق صاموئيل، حتى وجدتني مفتونا من جديد بفن القصة القصيرة التي كننت أظن أنها دفنت نهائيا في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ” هوس الرواية”. كما وجدتني طالبا للمزيد منها لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون.

 

الحمامات، تونس

[email protected]ail.com