حسونة المصباحي: وقائع رحلة الى الجنوب التونسي

حسونة المصباحي

 

الخميس 26 سبتمبر 2019

 

أربعة نزلنا إلى الجنوب التونسي:

الفنان الكبير فاضل الجزيري الذي تمتد مسيرته في مجال المسرح والسينما إلى قرابة نصف قرن…

الشاعر ومؤلف الأغاني البديعة الجليدي العويني الذي له اطلاع واسع على الفنون الشعبية شعرا وغناء ورقصا بفضل جولاته الكثيرة عبر مختلف مناطق البلاد التونسية. كما أنه يحفظ عن ظهر قلب أشهر القصائد في الشعر الشعبي القديم، مُستحضرا سير أصحابها بدقة كما لو أنه عاشرهم، وعايشهم عن كثب.

سمير بالحاج يحي الذي له تجربة تمتد إلى أزيد من نصف قرن في المجال الثقافي والفني …

وكاتب هذه السطور…

وكانت الرحلة باقتراح من فاضل الجزيري الذي يخطط لتنظيم حفل كبير يكون مرآة للفنون الشعبية التي توشك على الانقراض في هذه الفترة التي تشهد انتشارا واسعا لكل ما هو رديء وسطحي في مجال الموسيقى والغناء… وهو يقول:”في صيف عام 1980 ، كنت من بين من أشرفوا على اعداد حفل رائع للفنون الشعبية. وقد خيّرنا أن يكون ذلك الحفل الذي أمضينا أشهرا طويلة في اعداده وتنظيمه، افتتاحا لمهرجان قرطاج الدولي. وكان ذلك بمثابة التحدي الكبير من جانبنا إذ أننا جئنا بالفنانات والفنانين الذي شاركوا في الحفل من قراهم ومن مداشرهم المعزولة في الفيافي، وفي الصحاري، وفي الجبال. كما أنه لم يسبق لأي أحد منهم أن شارك في أي مهرجان من المهرجانات الفنية التي تنظمها وزارة الثقافة… ثم إن جمهور مهرجان قرطاج الدولي كان قد تعود آنذاك أن يكون حفل الافتتاح مخصصا لكبار الفنانين من العرب والأجانب. ورغم أننا كنا نعلم بذلك، فإننا غامرنا، ودفعنا إلى ركح المسرح الروماني بقرطاج بمغنين ومغنيات مجهولين. والبعض منهم لم يسبق له أن زار العاصمة ولو لمرة واحدة… وفي النهاية كانت سعادتنا كبيرة إذ أن تجاوب الجمهور معهم كان مدهشا وبديعا… ولا تزال ذكرى ذلك الحفل البهيج حيّة في ذاكرة الكثير من التونسيين إلى حد هذه الساعة… ولإحياء هذه الذكرى، قررت أن أنظم حفلا آخر بهدف إعادة الاعتبار إلى الفنون الشعبية في الجنوب التونسي خشية أن تنقرض أمام موجات الأغاني السمجة والرديئة التي اجتاحت بلادنا خلال العقد الأخير”…

وأنا كنت قد حضرت ذلك الحفل في بداية مسيرتي الصحفية، وعنه كتبت. وأذكر أن الجمهور الغفير المتعوّد على أن يرى في افتتاح مهرجان قرطاج فرقة “ناس الغيوان” المغربية، أو الفنانة الافريقية ميريام ماكيبا، أو المغنية التقدمية جون بايز، أو الموسيقار اليوناني ميكيس ثيودوراكيس، أو اللبناني مارسيل خليفة، أو الفرنسية داليدا، تملل في البداية متضايقا وغاضبا إذ أنه وجد أمامه بدوا وريفيين مرتدين أزيائهم التقليدية المتمثلة في البرنس والجبة والسروال التركي الفضفاض بالنسبة للرجال، وفي “الملية”، أو “الملحفة” بالنسبة للنساء. لكن ما أن أطلقت أصوات أولئك الرجال والنساء تلك الأغاني التي يرددونها في أفراحهم وأتراحهم، وفي الحقول في مواسم الحصاد أو جني الزيتون، أو أثناء توديع العروس أو استقبالها في بيت عريسها، أو في حفلات الختان، أو تلك التي يبكون فيها هجران الحبيبة أو فراقها، حتى سكن الجمهور سكونا تاما. ثم ما لبث أن هاج معبرا عن اعجابه، مطالبا بالمزيد من تلك الأغاني التي لم يتعود سماعها لا في المهرجانات، ولا في الإذاعات، ولا في القنوات التلفزيونية. بل لعله كان ينسبها تحت تأثير ما يسمى ب”التمدن المعطوب” إلى زمن الجهالة والتخلف بحيث يجوز رَدْمُها واتلافها واهمالها تجنبا لذكراه. وبعد انتهاء الحفل، رَسَخَت في ذاكرة الجمهور العديد من الأغاني التي أطلقت في تلك الليلة ومنها أغنية الراحل الشاهد لبيض :”مُرْ فْرَاقكْ مَا طُقْتاَشْ يَحْرقْ في الجَاشْ والعيشَهْ بلاَ بيكْ لواشْ”( أي : مرارة فراقك لم أطقها، وهي تحرق فؤادي، والحياة بدونك بلا معنى)، وأغنية الراحل الضرير عمار الماجوري :” نجعك كي ساقْ رْحَلْ وحَطّوا جْحَافي ْ فوق البل” (أي : حين تحرك موكبك استعدادا للرحيل ووضعوا الهوادج على ظهور الابل”…

أربعة نزلنا إلى الجنوب التونسي ظهيرة يوم الخميس الموافق للسادس والعشرين من شهر سبتمبر من هذا العام. في الطريق إلى القيروان، تحدثنا عن أهل السياسة الذين جاء بهم “الربيع العربي”، والذين يبالغون في تمجيد الشعب، وتعظيمه، والاستقواء به في حين أنهم لا يبذلون إلاّ القليل من الجهد للكشف عن خفايا واقعه وحياته الحقيقية، والتعرف على تراثه، وعلى ما يتميّز به من عادات ومن تقاليد أصيلة. لكننا سرعان ما أهملنا أهل السياسة، وتفاهاتهم وفضائحهم التي تتردّد على ألسنة الناس في كل آن وفي كل حين، لنخوض في الحديث عن ضرورة احياء الفن الشعبي الذي يعكس الهوية التونسية في جوهرها وفي معانيها العميقة. وقال فاضل الجزيري:” هدفي من هذا المشروع هو أن يكون ناطقا بلسان من لا تُسْمَعُ أصواتهم اليوم وسط الضجيج العالي لتجار السياسة والاعلام، والهدير المزعج لمروجي الفن الرديء، القاتل للروح. علينا أن نوفر الفرصة للمهملين والمنسيين والمعزلين في قراهم الصحراوية والجبلية، وفي الفيافي الفارغة والموحشة لكي يعبروا عن مشاعرهم، وعن همومهم، وعن آلامهم، وعن كل ما يتصل بحياتهم الصعبة، وواقعهم المرير…”.

قبل أن نبلغ القيروان رويت لهم قصة علي بن خيرة الذي كان من أشهر المغنين الشعبيين في منطقة القيروان، والوسط التونسي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. من دون حضوره، كانت الأعراس والاحتفالات تفقد بهجتها ورَوْنقها إذ كان له صوت ترجف له القلوب وتهتزّ له الأجساد، وتهْفُو إليه النفوس في أوقات الضيق والشدة. وكانت أغانيه عن أوجاع الحب والهجران على ألسنة الرجال والنساء لا في منطقة القيروان وحدها، بل في المناطق المجاورة لها، مثل أرياف الساحل، وسيدي بوزيد، وأولاد عيّار على الحدود مع الجزائر. ومرة دُعيَ إلى عرس في ريف سيدي بوزيد فغنى أغنية يتغزل فيها بفتاة جميلة تدعى فاطمة. وصادف أن كانت في الحفل فتاة بنفس الاسم. وفي لحظة ما، وقفت تلك الفتاة وسط النساء وصاحت :”هَاني هنا (أي أنا هنا). فعلت ذلك من دون أن تعي خطورة ما فعلت. فقد ظن رجال قريتها أنها ترتبط بعلاقة حب سرية مع علي بن خيرة لذا أحاطوا به في الحين لمعاقبته على فعلته الشنيعة التي لطّخت شرف عرشهم. وكان على علي بن خيرة أن يبذل جهودا مُضنية لإقناعهم ببراءته وحسن نيته. مع ذلك، خططوا للنيل منه. وقبل أن يودعهم، وضعوا له في كأس الماء الذي طلبه مادة تسمّى “النيلة” كانت تستعمل في ذلك الوقت للحفاظ على البياض الناصع للملابس والبرانيس. وتلك المادة أفقدته عذوبة صوته. وأنا أدركته في أواخر سنوات كهولته. وكان يبدو دائما حزينا ومتعبا. مع ذلك، لم يكن ينقطع عن حضور الأعراس والاحتفالات ليردد البعض من أغانيه القديمة بما تبقى من سحر صوته…

في المركب الثقافي بالقيروان، التقينا فنانين شعبيين. والمفاجأة السارة كانت امرأة في حوالي الثلاثين من عمرها. وهي أصيلة أرياف القصرين لكن عائلتها تقيم في القيروان منذ سبعين عاما. والأغاني التي رددتها بصوت رخيم عبرت عن أوجاع المرأة في الأرياف، وعن شكواها من قسوة الرجال الغلاظ القلوب الذين لا يعيرون أي اهتمام لرقة مشاعرها وأحاسيسها. وقدم واحد يدعى البرني باقة من الأغاني التي تحيل إلى التراث الشعبي القديم في أرياف القيروان، مبرزا من خلاله خصائصه ومميزاته…

 

الجمعة27 سبتمبر 2019

في الساعة الثامنة والنصف صباحا، غادرنا القيروان باتجاه قفصة. في الطريق، تحدثنا عن شعراء الفصحى في القيروان من القدماء والمحدثين، لنقف في النهاية على الحقيقة التالية وهي أن جميعهم لا يبدون أي اهتمام بالتراث الشعبي شعرا وغناء، بل قد يحتقرونه، ويعتبرونه بلا قيمة وبلا معنى. فالشعراء الذين حافظوا على الأوزان الخليلية مثل الشاذلي عطاء الله، ومحمد الفائز القيرواني، وغيرهما كانوا مقلدين للشعراء العرب القدماء. لذا كانت قصائدهم صدى باهتا ورتيبا لماض ولى وانتهى. أما جعفر ماجد فقد سعى أن يكون شبيها بنزار قباني في الكثير من قصائده، وبأبي القاسم الشابي في قصائد أخرى. ولم يحاول الشعراء المجددون من القيروان مثل المنصف الوهايبي ومحمد الغزي الاستفادة من الشعر الشعبي، بل أهملوه تماما مثلما فعل شعراء الجيل السابق لهم ليظل الشعراء في المشرق العربي، خصوصا في العراق من أمثال بدر شاكر السياب، وسعدي يوسف، مصدرهم الأساسي. ولعل عدم اهتمامهم بالشعر الشعبي هو الذي جعل قصائد شعراء القيروان من القدماء ومن المحدثين تحلق عاليا، عاجزة عن الانغراس في الواقع اليومي، وعن التعبير ببساطة وعفوية عن هموم الناس مثلما هو الحال في مجال الشعر الشعبي. والحقيقة أن العديد من كبار الشعراء المجددين في العصر الحديث كانوا قد استفادوا من التراث الشفوي الغنائي والشعري، ومن “الطبق الفولكلوري” بحسب تعبير اميل حبيبي، ومنهما غرفا لتطوير تجاربهم. وهذا ما فعله الشاعر الأمريكي والت ويتمن الذي جعل من لغة الشوارع اليومية لغة شعرية فاتنة ومعبرة بشكل رائع عن واقع أمريكا في مرحلة نشوء الديمقراطية. وكان فريديريكو غارسيا لوركا الذي يحفظ أغاني الغجر عن ظهر قلب. وأما الاسباني الآخر رافائيل ألبرتي فنجد في قصائده صدى لأهازيج البحارة في مدينة قادش حيث ولد. وفي العديد من قصائد بدر شاكر السياب، نحن نلمس ذلك الشجن الذي تتميز به الأغاني العراقية الحزينة على ضفاف دجلة والفرات…

ونحن نقطع السهول التي تغطيها أشجار الزيتون المُثْقَلَة بثمارها، كان الجليدي العويني الذي كان على يميني في السيارة، يصمت من حين لآخر، ويَشْرُد بذهنه بعيدا عنا. لعله يردد في سره واحدة من قصائده التي يبوح فيها بخفايا عالمه الشعري الفسيح. في واحدة منها هو ينصح صوته بأن يكون صوت كل الناس، ويحثّ نفسه على أن يأتي بما هو متميز في كل نص جديد. وهو يتمنى أن لا تكون أشعاره في الأعراس والأفراح فقط، بل عليها أيضا أن تقتحم السجون لتواسي المحبوسين فيها، وأن تكون ضوء للمظلومين القابعين في الظلمات، وأن تساعد الطفل على فك ألغاز الحياة…وفي قصيدة أخرى، هو يحب أن “يغني”، وأن “يقول في الدنيا طولا وعرضا”. وهو يحب أيضا أن يتجاوز “حدود الصوت”، وأن “يردد الناس صوته”، ل”تتبعه شوارع وبيوت”… وهو يريد أن “يعيد بناء الكون بحسب ما يصوره له جنونه”…

في قفصة، استمعنا إلى أغان وأشعار رددها شيوخ وشبان وشابات وامرأة في حوالي الخمسين من عمرها. جميعهم ينتمون إلى قرى وأرياف قفصة حيث قسوة العيش وجفاف الطبيعة. لذلك جاءت جل الأغاني التي رددوها مُحمّلة بالهموم ومبللة بالدموع. دموع من أشقتهم الحياة في الفيافي، ومن أضناهم الحب، ومن طال ليلهم فما عاد لهم أمل في طلوع الصباح… والمفاجأة الكبيرة تمثلت في شاب يعاني من شلل في يديه. وكانت علامات الفقر والخصاصة واضحة على ملامحه، غير أن صوته الحزين طار بنا بعيدا ليرمي بنا في عالم بديع سيظل راسخا في ذاكرتنا إلى الأبد…

وكم كان الليل جميلا في فندق “بالم بيتش” بتوزر الذي حللنا به ظهرا. فقد دعا الجليدي العويني إلى سهرتنا خير الدين الشابي، وهو من عائلة الشاعر الكبير أبي القاسم الشابي. ضاحكا قال لنا:” تمنيت ألاّ أكون من نفس الشجرة التي ينتمي إليها صاحب “أغاني الحياة” لأن الناس لا يرغبون في ظهور شاعر بعده. فإن رغب واحد مثلي في الظهور، قالوا له: ” من الأفضل لك أن تصمت لأنك ستكون عاجزا عن خلافته، وعن بلوغ مكانته… لذلك أنا أعاني من الإهمال، ولا أكاد أجد هنا في توزر، مسقط رأسي من يرغب في الاستماع إليّ …”. ويتميز خير الدين الشابي بذاكرة مدهشة ونادرة في زمننا. فعن ظهر قلب هو يحفظ كل قصائد ديوان “أغاني الحياة” لأبي القاسم الشابي. وعن ظهر قلب أيضا هو يحفظ الكثير من قصائد الشعراء الشعبيين من الأحياء والأموات في منطقة الجريد. ولأنه عاشرهم طويلا، وجالسهم في سهراتهم الرائقة في الحفلات والأعراس، فإنه يستحضر تفاصيل سيرهم، وطرائفهم، وقصصهم التي لا تزال حاضرة في ذاكرة أهالي توزر. كما أنه عارف بتقاليد مدينته، وبعاداتها في الأفراح وفي الأتراح. لذا يمكن القول أنه “ديوان الجريد”. ولست أدري لمَ غفلت مختلف وسائل الاعلام عن التعريف بخير الدين الشابي لما يتميز به من معرفة واسعة بتراث منطقته، وبتاريخها العريق، وبشعرائها وأدبائها وفقهائها. كما أنه شاعر موهوب في الفصيح وفي الدارجة…

انتهت السهرة مع خير الدين الشابي فعدت مُنتشيا بعطرها الفوّاح إلى غرفتي لأعيش ساعة من الهدوء والسكينة مستحضرا ا ما كنت قد قرأته في أوقات ماضية عن النخيل الذي هو مصدر الحياة في منطقة الجريد…كما أنه مصدر الهام لشعرائها وأدبائها أمثال أبي القاسم الشابي، ومصطفى خريف، والبشير خريف، وآخرين… لذلك يحظى النخيل بالاحترام والحب من قبل الأهالي. وهناك قصائد في مدح النخيل، وتعديد فضائله وحسناته ومنافعه. فالجذع يؤمن الخشب والوقود والنسيج للأكياس والحبال. والسويقات تستعمل في إقامة السياج، وبناء سقوف البيوت. والجزء الأوسط من الورقة يتحول بفضل الأيادي الماهرة إلى سلال، ومكانس، وحقائب، وحصر. ومن النخل يُستخرج عصير يسمونه في الجنوب التونسي “اللاقمي”، وهو شراب حلو لذيذ لكنه يُخمّر ليصبح مسكّرا. وثمرة النخيل، أي التمر هو “مَنّ الصحراء وسلواها”، وهو طعام أهل الصحراء في كامل فصول السنة إذ يمكن ان يجفف، ويمكن أن يطحن ليتحول إلى دقيق منه تصنع فطائر حلوة المذاق. ويستخرج العسل والدبس من مختلف أنواع عصير التمر. أما التمر المجفف فيكون غذاء المزارعين والمسافرين. و “دقلة النور” هي ألذ وأفخر أنواع التمور في منطقة الجريد…

ويقول أهل توزر إن شجرة النخل “تحب أن يكون رأسها في النار، وقدماها في الماء”. وهي تتطلب العناية والرعاية. وفي الآن نفسه، هي تتمتع بقدرة كبيرة على الصبر والاحتمال. ويتعامل أهالي توزر مع النخيل مستعملين عبارات خاصة بالسلوك الإنساني. فمنهم من يعتبر شجرة النخيل بمثابة الخالة أو العمة أو الصديقة الحميمة، أو الحبيبة التي تؤنسه وتواسيه. وربما هم يفعلون ذلك للتأكيد على صلة القربى والألفة بينهم وبين النخيل. ومن الأساطير التي تروى عن النخيل تلك التي تقول بإنه لما طرَدَ الاله آدم من الجنة، أمره عن طريق جبريل بأن يُظْهر نفسه فأطاع آدم أمرَ ربه واغتسل وتطهر. عندئذ قال له الملاك :” آمنْ بالله واتكل عليه، وسيضمن لك عيشك”. وبينما كان الملاك يتحدث، نبتت شجرة بورق أخضر وثمرة شهية. فبادر آدم بالسجود تمجيدا لعظمة الله قائلا :” لك الحمد يا رب على ما أوليتني من نعمة …لكن من أين نبتت هذه الشجرة التي تحمل صورة غفرانك ورحمتك”. فرد عليه الله على لسان جبريل قائلا :” لقد خلقتك من نفس المادة التي أنبتّ بها هذه الشجرة أمام عينيك …وستكون هذه الشجرة مصدر طعامك”. ولم تكن تلك الشجرة سوى شجرة النخيل…

 

السبت 28 سبتمبر2019

يبدو بياض شط الجريد الملحي (نسبة إلى الملح الذي يُنْتَجُ هناك بكميات كبيرة) كما لو أنه يشي بالعدم. سكون وفراغ مخيف. تذكرت كل المغامرين الأوروبيين الذين قتلتهم الصحراء، أو قتلهم أهلها. والأب شارل دو فوكو (1858-1916) واحد منهم. وهو ينتمي إلى عائلة مسيحية ميسورة. عند بلوغه سن الشباب، انتسب الى الأكاديمية العسكرية ب”سان سير” التي تَخَرّجَ منها العديد من مشاهير الضباط والجنرالات في الجيش الفرنسي. وفي تلك الفترة من حياته، عاش التهتك والخلاعة والمجون، مُثيرا غضب عائلته. عند تخرجه من المدرسة العسكرية، سافر إلى المغرب الأقصى، وفيه طاف طولا وعرضا مُتَنَكّرا في زيّ رجل دين يهودي. وبعد أن زار مدنا كبيرة مثل فاس، ومكناس، ومراكش، والدار البيضاء، تَوغّلَ غي جبال الأطلس، وفيها اكتشف حياة البربر البسيطة، وميلهم إلى التقشف والزهد، فأجّجَ ذلك الاكتشاف عواطفه الدينية المسيحية. وبعد عودته من تلك الرحلة الطويلة المضنية، أصدر عام 1888 كتابا بعنوان :”اكتشاف المغرب”. وكان القرن التاسع عشر على وشك النهاية، سافر شارل دو فوكو إلى سوريا، ثم إلى فلسطين لتزداد مشاعره الدينية تأججا والتهابا خصوصا خلال عمله خادما في أحد أديرة مدينة الناصرة. ومن وحي تجربته تلك، ألف كتابا بعنوان :”صلاة الزهد”. ومع مطلع القرن العشرين، سافر إلى الجزائر، وتوغل في الصحراء الكبرى ليعيش بين الطوراق، متعلما لغتهم، ودارسا عاداتهم وتقاليدهم، ومساعدا إياهم في التعامل مع الإدارة الفرنسية. وبعد أن أقام في تامانراسيت، انتقل إلى برج بناه على جبال “عساكريم” الوعرة ليشرع في اعداد معجم عن لغة الطوارق. وفي ذلك البرج الذي تنتشر من حوله الحجارة الخضراء، عاش العزلة، منصرفا إلى التأمل والصلاة. وبسبب ندرة الماء والحطب، كان يمضي أشهرا طويلة من دون أن يتمكن من تناول طعام ساخن. لذا كان يكتفي بالسكر والدقيق والقهوة. وأكثر من مرة أوشك على الموت جوعا وذلك بشهادة أصدقائه من الطوارق. وبنصيحة من أحد أصدقائه، عاد الأب دو فوكو إلى تامنراسيت، وفيها أقام برجا راغبا في مواصلة تقديم الخدمات والمساعدات للطوارق. وفي النهاية تمكن من ربط علاقات وثيقة معهم. ورغم أنه كان صديقا لكبار العسكريين الفرنسيين، فإنه اكتسب أيضا صداقة رئيس الطوارق الأعلى المدعو لموسي آغ أماستاني. كما اكتسب صداقة شاعرة جميلة من الطوارق كانت تتمتع بذكاء مدهش، وبقدرة فائقة على رواية القصص والحكايات والخرافات المتصلة بتراث الصحراء. ولم يكن شارل دو فوكو يبخل أبدا عن تقديم مساعدات إلى الطوارق خصوصا في أوقات الجوائح والمجاعات. وقالت امرأة أنقذ أطفاها الخمسة من الموت جوعا بإنه “من المحزن أن يذهب هذا الرجل الافاضل إلى جهنم عندما يمون لأنه لم يعتنق الإسلام”. وكانت نساء أخريات تتضرعن إلى الله أن يهدي ذلك الناسك المسيحي إلى الإسلام…

وفي اليوم الأول من شهر أكتوبر1916 ، كان شارل دو فوكو وحده في البرج. فجأة سمع صوتا لم يكن غريبا عنه ففتح الباب. وفي الحين أحاط به جمع من رجال الطوارق. وبعد أن أوثقوا يديه ورجليه، نهبوا البرج، وأمروا فتى في الخامسة عشرة من عمره بحراسته. وفي لحظة ما أستبدّ الفزع بذلك الفتى فأطلق عليه الرصاص مُفجّرا رأسه….

وشهدت منطقة “الصوف” القريبة من شط الجريد نهاية مأساوية لامرأة عشقت الصحراء عشقا جنونيا. وهذه المرأة هي ايزابيل ايبرهاردت التي ولدت بالقرب من جينيف عام 1877. وهي تنتمي إلى عائلة تعوّد على أن تعيش المصائب والتقلبات . فقد انتحر شقيقان لها. وكان والدها الروسي من طبقة النبلاء إلاّ أنه تأثر بأفكار باكونين الثورية وهاجر بلاده روسيا ليقاوم القيصرية انطلاقا من سويسرا، شأنه في ذلك شأن العديد من المنفيين الروس. وفي مرحلة من حياته، اعتنق الإسلام، وطبّق البعض من فرائضه. وفي النهاية توفي بعد أ ن تناول عددا كبيرا من الحبوب المُنَوّمَة. وأما والدة ايزابيل فقد اعتنقت الإسلام هي أيضا. وفي الجزائر توفيت كامرأة مسلمة، ودفنت في مقبرة إسلامية في مدينة عنابة تحت اسم فاطمة المنوبية.

وربما بتأثير من والديها، انجذبت ايزابيل مبكرا إلى الشرق وإلى الاسلام وتعلمت العربية إلى جانب الفرنسية والألمانية والروسية لغتها الأم. وفي سنوات شبابها، شرعت في القيام برحلات إلى تونس، وشرق الجزائر، وشمال الصحراء. وكانت تحب التنقل وحدها على ظهور الجياد مُتنكرة في زيّ الرجال، ومتخذة لنفسها اسما رجل تونسي هو “سي محمود”. وأثناء تنقلاتها، فُتنت ب”واد الصوف” الجزائري فعقدت قرانها على الطريقة الإسلامية برجل يدعى سليمان كان يعمل في الجيش الفرنسي هناك ، ثم انتسبت إلى الطريقة القادرية. لكن أحد أتباع هذه الطريقة أصابها بجرح بليغ في أواخر عام 1901، فنقلت إلى المستشفى. وفي يومياتها كتبت تقول :” عندما حملوني على نقالة المرضى إلى المستشفى عبر القرى المحيطة بالواد، خرج السكان رجالا ونساء إلى الشارع، وشرعوا يصرخون تلك الصرخات التي لا تصدر عنهم عادة إلاّ عند تشييع جنازات الموتى”. وقد برّرَ الرجل محاولة قتلها قائلا بأنه تلقى أمرا الهيا. وبعد أن حكمت عليه بالأشغال الشاقة لمدة عشرين عاما، قامت السلطات الفرنسية بإبعاد ايزابيل من الجزائر، مُحَجّرَة عليها زيارتها مرة أخرى. ولما طلبت منها مساعدتها على رفع الحَجْر، ردّت عليها القنصلية الروسية بالجزائر برسالة جاء فيها ما يلي :” لقد كنت ترتدين ملابس شاب عربي . وهذا ما لا يمكن أن يتوافق مع كرمة فتاة روسية”.

حاملة اسم “سي محمود”، عملت ايزابيل حمّالا في ميناء مرسيليا. ولما التحق بها زوجها سليمان، تزوجت منه ثانية لكن على الطريقة الفرنسية في هذه المرة لتصبح مواطنة فرنسية. وبذلك تمكنت من العودة إلى الجزائر. ومن جديد راحت تتنقل في مختلف المناطق باسم “سي محمود”. وكانت تسافر في الصحراء مع البدو الرحل، ومعهم تنام على الرمال. وكانت تزور المساجد والمعابد وتطوف في الأسواق. وكان يُسْمَحُ لها بالدخول إلى الأماكن المحرمة على النساء. ولم تكن تنقطع خلال جولاتها عن نقد السلطات الاستعمارية الفرنسية، وعلى تحريض الجزائريين على مقاومتها. ورغم ذلك، كانت تُنْفي عن نفسها ما يمكن أن يكون متصلا بمطامح سياسية. طموحها الوحيد كانت المغامرة إلى ما لانهاية في الصحراء الكبرى على ظهر جوادها العربي الأصيل…

وفي عام 1904، كانت ايزابيل في بلدة “عين الصفراء” جنوب الجزائر. وكانت على موعد مع صحافيين لتحدثهم عن الحملة التي يعدها الجنرال الفرنسي ليوتي على الحدود الجنوبية بين المغرب والجزائر. وذات يوم ، فاض وادي “عين الصفراء”، وجرفت أمواجه الهادرة الكثير من البيوت والأكواخ والمواشي. وكانت ايزابيل ايبرهاردت من بين ضحايا الفيضان الجارف…

 

ظهر اليوم ذاته:

لم نجد في مدينة قبلي ما راق لنا كثيرا في مجال الشعر والغناء، فانتقلنا إلى الحامة التي ولد فيها محمد الدغباجي، أحد بطل المقاومة الوطنية في الجنوب التونسي في العشرينات من القرن الماضي. عنه يعدّ فاضل الجزيري بالاشتراك مع كاتب هذه السطور منذ أشهر طويلة، مسلسلا تلفزيونيا بخمسة عشرة حلقة…

قد ولد محمد الدغباجي عام 1885، أي بعد مرور أربعة أعوام على احتلال فرنسا للبلاد. في طفولته تعلم شيئا قليلا من القرآن، ثم انقطع عن ذلك ليعيش الحياة البدوية مثل كلّ فتيان البلدة. فكان يرعى الأغنام والماعز، ويصطاد الأرانب والطيور، ويطوف في الشعاب والأودية بحثا عن الأعشاب الصالحة للأكل. في الخريف، ينشغل بجمع التمر في الواحات. بحثا عن موْرد رزق، تطوّع وهو الثانية والعشرين من عمره للخدمة في الجيش الفرنسي. ولمّا اندلعت الثورة في ليبيا ضدّ الإحتلال الإيطالي، في عام 1911، عَبرَ عشرات من أهالي الجنوب التونسي الحدود سرّا لمناصرة إخوتهم الليبيين. ثم لم تلبث أن ظهرت مجموعات صغيرة تدعو لمقاومة الاحتلال الفرنسي. وكان يقود هذه المجموعات شيوخ قبائل معروفين بتعصبهم الديني. لذا كانوا يصفون الفرنسيين لا ب”المحتلين”، وإنما ب”الكفار”، محرضين على “الجهاد ضدهم”. وقد لاقت دعوتهم تجاوبا لدى عدد كبير من سكّان المناطق الجنوبيّة. وكان محمد الدغباجي من بين هؤلاء. لذا فرّ من الخدمة العسكرية ليلتحق بالمتمردين. وسرعان ما اشتهر بشجاعته، ومهارته في الرماية، وفي استعمال الأسلحة ليصبح قائدا لفريق من المتمردين. جلهم من أقاربه، ومن معارفه. معهم واجه الجندرمة والصباحية في أكثر من واقعة ليكبدهم خسائر فادحة في الأرواح، وفي العتاد. وكان سريع التنقل بين مختلف مناطق الجنوب. فهو في جبال قفصة، وفي صحراء قبلي، وفي حزون مطماطة، وفي ذهيبة على الحدود مع ليبيا. وكانت الجندرمة الفرنسية تجد صعوبات عسيرة في ملاحقته، واقتفاء آثاره في الجبال العارية حيث تكثر السّوام، والأشواك، وينعدم الماء الصالح للشراب. وعندما يشتد عليه الخناق، كان محمد الدغباجي يقطع الحدود ليمضي بضعة أسابيع في ليبيا في حماية المقاومين ضدّ الاحتلال الإيطالي. ظلّت المواجهات قائمة بينه وبين الجندرمة الفرنسية بعد انتهاء الحرب الكونية الأولى. وعندما طلبت منه سلطات المملكة التونسية عن طريق حاكم الحامة، مسقط رأسه، أن يسلم نفسه مقابل العفو عنه، ردّ عليها برسالة حازمة، جاء فيها ما يلي:”إنّنا رعايا حكومة أقوى من الحكومة التي تأتمرون بأمرها. حكومة تفهم وتعرف كل شيء وتمارس أحكامها بمقتضى تعاليم دين محمد. ونقسم على أننا، لو لم نكن ننتظر ساعة الخلاص، لأحرقنا كل شيء، والسلام من جنود الجهاد”.

في 6 أفريل، شهدت أرياف صفاقس، وتحديدا” هنشير مهذب”، أعنف معركة بين الجندرمة الفرنسية والمجموعة التي يقودها الدغباجي. وقد انتهت تلك المعركة الضارية بقتل عدد كبيرمن المتمردين. إلاّ أن الدغباجي تمكن من الإفلات في ظلمة الليل ليتوجه جنوبا مع بضعة من رفاقه. ولم تكف الجندرمة الفرنسية عن ملاحقته. بين وقت وآخر، تحدث بينها وبينه مواجهات مسلحة. وهذا ما نستنجه من رواية أحد رفاقه:”كنّا جالسين للإستراحة صباحا. وقد أوقدنا نارا وطرحنا فيها أرنبا نشْتويها، فظهرت خيول في أثرنا من بعيد، وكان لا بدّ لنا من الدفاع عن أنفسنا ما دام الفرار غير مُجْد إذ أن الخيل أسرع منّا في التنقّل. وكانت الأرض عارية، ليس فيها ما يخفينا عن أنظارهم، فأسرعنا نحو ربوة صغيرة قريبة، بعدما رميت الأرنب في مخلاتي، فقد عزّ عليّ أن أتركها بعدي، وانتصبنا في أماكن الدفاع مستعدين لإطلاق النار، عدا الدغباجي الجريح الذي اختفى تحت الربوة في منخفض خلف شجيرات تخفيه عن اللاحقين… انتظرنا وصول الفرسان فوق الربوة، بينما كان الدغباجي في مخبئه تحتنا، وكان الفرسان يتسابقون نحونا، بعد أن رصدوا موقعنا، وكأنهم يتسابقون إلى الجنة. وكنا نحن نخشى أن يكونوا طليعة لجيش آخر خلفهم. وبدل أن ينزلوا عن خيولهم، ويلزموا الأرض، أغاروا علينا فرسانا، ويبدو أنهم لم ينتبهوا إلى مكان الدغباجي في المخبأ السفليّ. لذا وجهوا غارتهم نحونا. وبدأ إطلاق الرصاص بيننا، فكانوا يتساقطون الواحد تلو الآخر. وكان لاختفاء الدغباجي في أسفل الربوة ، وجهل المغيرين لذلك، أثر عظيم في انتصارنا”.

بعد تلك المعركة، اجتاز الدغباجي ورفاقه الحدود ليمضي بضعة أشهر في طرابلس مع مجموعة من أهالي الجنوب التونسي الفارين مثله من ملاحقات السلطات الفرنسيّة. لكن سلطات الاحتلال الإيطالي تمكنت من القبض عليه. مقيّدا بالسلاسل، سلمته الى الجندرمة الفرنسية. وفي عام 1922، حكم عليه بلإعدام رميا بالرصاص، واقتيد إلى مسقط رأسه لينفذ الحكم أمام أقاربه، وأهله. وعندما جاءت زوجة والده لتوديعه الوداع الأخير، ارتجى منها أن تجلب ابنته الصغيرة التي تركها في طرابلس. ثم طلب مؤدبا ليتلو عليه سورا من القرآن. فلمّا أراد هذا المؤدب موعظته، قال له الدغباجي بحدة:

-لقد طلبتك لتقرأ لي نصيبا من القرآن، لا لتصبّرني…فأنا ما عرفت الخوف في حياتي، ولا أن تعظني وتذكرني بربي، فأنا أعرف به منك!

في صباح أول شهر مارس1924، جلب إلى ساحة السوق محاطا بالجندرمة، ولم يظهر على ملامحه ما يشي بالخوف ، أو الندم، أو الجبن. بل كان يبتسم للناس الذين تجمّعوا بعدد وفير ليشهدوا إعدامه. موثوق اليدين، مرفوع الرأس وقف أمام خشبة تظللها شجرات الطرفاء منتظرا الرصاصات القاتلة. زغردت زوجة والده، وصاحت فيه:

-لقد ربيتك يا محمد لمثل هذا اليوم!

فأجابها:

-لا تخشي شيئا…فأنا لا أخاف رصاصهم، ولا أرهب الموت!

ولما أرادوا وضع عصابة على عينيه زمجر غاضبا:

-أبعدوا هذه العصابة عن عينيّ فما تعودت أن أتلقى الرصاص مغمض العينين!

قرأ الضابط حكم الإعدام، ثم أمر الجنود فأطلقوا وابلا من الرصاص. وسقط الدغباجي مضرجا بدمائه. وفي ذات اليوم، شيّعه أهله إلى مثواه الأخير بالدموع والعويل…

بعد إعدامه، شاعت في جميع أنحاء البلاد أغنية تمجد بطولاته، وهي تقول:

خمْسة ايلّي لحْقُوا بالجُرّة

ملْك الموت يرَاجي

لحقوا مُولاَ العركه المرّة

المشهور الدغباجي

(أي : الخمسة الذين تابعوا آثار صاحب المعركة الشديدة، الموت سيكون في انتظارهم)

تحت شجرة وارفة الظلال، استمعنا إلى ثلاثة مغنين أبدعوا في تقديم باقة من أغاني منطقتهم التي تتميز بتراث أصيل. كما رووا لنا سير البعض من شعرائها الشعبيين الذين غيّبهم الموت، غير أن أغانيهم وأشعارهم لا تزال تزال تتردد على ألسنة الناس لا في الجنوب التونسي وحده، بل في غرب ليبيا، وفي الجنوب الشرقي الجزائري…

الأحد 29 سبتمبر 2019

ما لاحظناه خلال جولتنا هو أن جميع المدن التي مررنا بها، أي القيروان، قفصة توزر، قبلي، كانت على أسوأ حال خصوصا على مستوى البنية التحتية، والبيئة. وقد وجدنا صفاقس، ثاني مدينة بعد العاصمة، على أسوأ حال هي أيضا… غبار، وأوساخ، ومبان على وشك السقوط، وأخرى مهملة ومخربة، وروائح كريهة في في مدخل المدينة العتيقة. لكأن مجلس بلديتها غير معنيّ بها. ولكأن أهاليها ليسوا واعين بسوء الحياة فيها بسبب اهمالهم لها…

عند الظهر انطلقنا إلى ريف قريب من صفاقس. وفي بيت بسيط ونظيف محاط بسياج من الصبار الشوكي، وبأشجار الزيتون، استقبلنا الفنان والشاعر الشعبي خليفة الدريدي المشهور في كامل مناطق الجمهورية، وأيضا في ليبيا، وفي جنوب الجزائر. أسْمَعَنا البعض من أغانيه، وروى لنا قصة أغنيته الشهيرة :”كُبّي الفُلارَة ها البيّة إنْتي مسرارة والعشاق منّكْ محتارهْ” (أي: ضعي الخمار على وجهك فأنت جميلة وكثير من العشاق حيّرهم جمالك). وهو يقول : “ذات يوم، كنت أسير في واد. وفجأة رأيت شيخا يرعى اغناما ومعه صبية فائقة الجمال كانت تغطي رأسها بمنديل. اقتربت من الشيح وبي رغبة في التحدث إليه، غير أنه نفر مني ظانا أنني أريد به، وربما بالصبية سوء…مع ذلك رحت ألح متوددا إليه… وكان الشيخ ينهر الصبيّة من حين لآخر بكلمات نابية، ويعاملها بقسوة أغاظتني كثيرا… وفجأة أخذ الشيخ حجرة صغيرة ورمى بها ساق الفتاة فصرخت من الألم وركضت بعيدا لتعيد نعجة شردت إلى القطيع…ألمني المشهد فتركت الشيخ وصورة تلك الصبية التي لم أر مثيلا لجمالها الملائكي لا قبل ذلك ولا بعده… وبعد وقت قصير، ألفت أغنية :كبي الفُلارة التي حصلت على شهرة واسعة في تونس، وفي ليبيا، وفي الجزائر… ولست أدري ما الذي حدث لتلك الصبية غير أني لا زلت أمني النفس بأن أراها مرة أخرى …”

في طريق العودة إلى تونس حدثنا فاضل الجزيري عن العلاقة القصيرة التي ربطته بالمخرج الايطالي الشهير روبرتو روسيلني (1906-1977) صاحب ” روما مدينة مفتوحة”، و”ألمانيا السنة الصفر”، و”أوروبا51 “، و”الفارون في الليل”، والعديد من الأفلام الرائعة الأخرى. قال فاضل الجزيري :” في خريف عام1970 ، كنت في فندق “هيلتون” مع جمع من الأصدقاء كان يستهويهم مثلي اصطياد الفتيات الجميلات… غير بعيد عنا كان هناك شيخ اجنبي بقبعة يجلس وحيدا. وبعد أن شرب قهوته اختفى، وفجأة رأيت المنتج السينمائي طارق بن عمار يدخل ساحة الفندق على عجل. بعد أن حييته ، قال لي: “المخرج الايطالي روسيليني في انتظاري” . ولما قدّمني إليه، تبين لي أن روسيليني هو نفس ذلك الشيخ ذي القبعة الذي كان جالسا بالقرب مني. كما تبين لي أنه جاء إلى تونس لإنجاز فيلم عن المسيح…. وبعد نقاش معه، اختار لي دورا ثانويا في الفيلم، ومع النجم مارسالو ماسترواني سافرت إلى نفطه لنشرع في تصوير الفيلم… وفي الطريق تهاطلت الأمطار بغزارة فلم نصل إلى هناك إلا بمشقة كبيرة… نزلنا في فندق” صهارا بالاص”… وكنا نلتقي يوميا بروسيليني… لكن ذات يوم اختفى… وظل مختفيا يومين أو ثلاثة على ما أظن… وذات ليلة جلست في بلكون غرفتي في الفندق لأشرب كأسا، وإذا بي أتبين أن روسيليني كان جالسا في بلكون الغرفة المجاورة …وكان عاريا تماما… وفي الليلة التالية، كان على نفس الصورة. وفي الليلة الثالثة انتبه لوجودي فدعاني لشرب كأس برفقته… وكان حديثه يدور دائما حول الفن وحول السينما…وأبدا لم يتطرق إلى أيّ موضوع خارج ذلك… أبهرني إذ أنني لم ألتق حتى ذلك الوقت واحدا مسكونا مثله بالفن. ولعله كان يتوحّد بنفسه أحيانا لكي يسرح في عالمه بعيدا عن الضوضاء وعن الثرثرة الفارغة… بعدها دعاني إلى روما فأمضت هناك بضعة أشهر تعرفت فيها على عالم الفنون والسينما في إيطاليا… كما تعرفت على نجوم ومشاهير في مجال الفن السابع…وكان روسيليني يرغب في أن أقيم في روما… لكني خيّرت العودة إلى تونس بعد أن تيقنت أن العيش خارجها أمر مستحيل بالنسبة لي…”.

 

 

كاتب تونسي

[email protected]