حسين حبش: ثلاث نصوص عن الكورونا

حسين حبش

زمن الكورونا

اليوم

انتبهت إلى العصفور الذي يغني أمام نافذتي طوال الوقت.

لم أكن أنتبه إلى غنائه من قبل.

انتبهت إلى الأشجار الثلاث التي تقف أمام شرفتي

بزهورها الوردية اليانعة وبراعمها الصغيرة الخضراء وعناق أغصانها السمراء…

لم تكن تلفت انتباهي من قبل.

انتبهت إلى وجود أرجوحة وحصان خشبي نحيل

في ملعب الأطفال الذي يقابل شرفتي

لم أكن قد انتبهت إلى وجودهما من قبل.

انتبهت إلى وجود أشجار الليلك في الحديقة المجاورة شبيهة بتلك التي رأيتها في بيت ولادة والت وايتمان في ولاية نيويورك.

لم أكن قد انتبهت إلى وجودها من قبل.

انتبهت إلى وجود صفين من الحجارة أمام نافذة المطبخ،

خمسة في هذا الطرف وخمسة في الطرف الآخر

لم أكن أعرف أن للحجارة جمال عجيب حتى دون تهذيب!

انتبهت إلى حبل غسيل جارتنا

عرفت ألوان ملابسها الداخلية والخارجية

لم أكن أعرف جمال حبل غسيلها من قبل.

انتبهت إلى زهور الأوركيديا التي تتدلى من شرفة العجوزة البولونية

لم أكن أعرف أنها تحب الأوركيديا، وأنها بولونية من قبل.

انتبهت إلى وجود طفلين جميلين يلعبان على شرفة المطلقة الروسية، بشرة أحدهما تميل إلى السواد وبشرة الآخر تميل الشقرة.

قالوا لي أن الأول من زوجها الأفريقي والثاني من زوجها الروسي، وأنها الآن تواعد حبيبها الألماني.

هذا ما أخبرتني بها نميمة الجيران!

طبعا لم أكن أعرف ذلك أيضا من قبل.

انتبهت إلى أن جاري الألماني الستيني، يدخن على الشرفة.

ابتسم لي وابتسمت له.

لم نكن نفعل ذلك من قبل.

 

تماثيل

 

إذا مرت أزمة الكورونا بخير

أول ما سنفعله

سنقيم تماثيل كثيرة لورق التواليت

سنقيمها في مراكز المدن الكبرى

ومداخل محطات القطارات

وأمام مقرات الوزراء والحكومات.

سنقيمها بلا تردد.

لم نكن نعرف قيمة هذا الورق الثمين من قبل،

يا لجهلنا.

لم نكن نوليه أية أهمية من قبل،

يا لعارنا.

إذن سنكفر عن ذنبنا

وسنقيم له ثماثيل كثيرة تليق بمقامه.

تماثيل شاهقة،

شامخة،

عظيمة،

بيضاء،

ناصعة،

تثير الخيال

وتلفت إليها الأنظار من كل حدب وصوب!

 

فيروز كورونا

 

ماذا سنفعل لو زارتنا الكورونا

على حين غفلة، وكانت محصورة؟

ماذا لو طلبت الذهاب إلى التواليت،

وليس لدينا ورق التواليت؟!

بماذا ستمسح مؤخرتها؟

بماذا ستنشف عرقها؟

ليس باليد حيلة!

قبل أن نشعر بالعار

ونطأطئ رؤوسنا خجلاً أمامها

أفيدونا، نريد حلاً لهذه المعضلة!

ماذا لو طلبت معقماً

وأرادت أن تعقم يديها؟

من أين سنأتي لها بالمعقم

بعد أن تبخر فجأة من الأسواق

وأصبح في خبر كان؟

أي عقم هذا؟

اي ذل سنشعر به أمامها؟

أي إحراج؟

ماذا لو سألتنا عن القفازات؟

ماذا سنقول لها؟

أي ارتباك وحيرة سنقع فيهما؟!

كيف سنبرر لها فقدانها فجأة؟

ربما سنقول، أنها قفزت من الشباك

وهربت بعيدة، لتبقى نظيفة اليد والكف!

كذبة خجولة، ربما نستطيع أن نبيض بها

وجوهنا أمامها.

ماذا لو أخبرتنا بأنها ستزور

مختبرات الأسلحة الجرثومية والبيولوجية

وأنها بحاجة ماسة إلى كمامات؟

ماذا سنقول لها؟

أنقول سرقت من العيادات والمستشفيات؟

خزنها التجار؟

استعملها الطغاة لكم الأفواه؟

لا ندري!

لا ندري!

لكننا سنضع كفوفنا على أفواهنا،

وسنغمغم من بين أصابعنا المرتبكة ونقول:

لا توجد لدينا كمامات.

أنموت كما-ماتت؟

كما-مات؟

كمما

ممات

كمااا-مااات ت؟!

……………..

 

• هناك تلاعب مقصود ببعض الكلمات في هذا النص، بدءاً من العنوان وإلى آخر كلمة فيه.

 

حسين حبش، شاعر كردي مقيم في ألمانيا

[email protected]