“حطب لثلاث نساء” وقصص أخرى للكاتب الفلسطيني محمود شقير

محمود شقير في مجلة كيكا
محمود شقير Mahmoud Shukair

في برّيّة الأجداد

أخذت ليلى إلى البرّيّة.
ذهبنا في يوم عطلتها إلى هناك، قدت سيّارتي وهي تجلس إلى جواري. كانت تغطّس جسدها في المقعد، ولا تترك فرصة لأحد كي يتعرّف إلى وجهها.
وحين ابتعدنا من محيط المدينة عدّلت جسدها في المقعد، وراحت تتأمّل الجبال التي امتلأت بالخضرة وبالأشجار التي تتنافس على الحيز المتاح مع البيوت. البيوت التي تحفّ بها أشجار من مختلف الأنواع.
أوقفت السيّارة على مقربة من أرض لنا في البرّيّة، ومشينا. كنت مزدهيًا وأنا أرى ليلى تمشي إلى جواري ونحن معًا في أحضان الطبيعة. اقتربنا من قبور الأجداد والجدّات، وجلسنا قريبًا من قبر محمّد العبد اللات الذي هو أحد أجدادي.
فكّرت بأن أروي لها شيئًا عن هذا الجدّ وعن أمّه مهيوبة وزوجته صبحا، فكّرت أن أحدّثها عن أمّي الممرّضة، وعن استياء العائلة من أبي لأنّه تزوّج بممرّضة تكشف، بمقتضى مهنتها، عن أجساد الرجال. وجدتها منصرفة إلى تأمّل الطبيعة من حولها.
قلت لنفسي: لن أصرفها عمّا هي فيه. ورحنا أنا وليلى، نعيش لحظاتنا تلك باشتهاء.

ورق الدوالي

اقتربتُ منها وتأمّلت خدّيها اللذين لهما حمرة التفّاح.
سألتها: منذ متى أنت هنا تبيعين ورق الدوالي بالقرب من باب العمود؟
-منذ ابتدأ حلمنا الطائش.
رحت أستعيد مخزون ذاكرتي وقلت: لم أكن أعرف أنّك بائعة، مع أنّني لا أنفر من الفلاحات اللواتي يأتين بعد كدّ وتعب في بساتين القرى، لبيع الفواكه والخضروات.
– عليك أن تعرف منذ الآن أنّني أبيع ورق الدوالي.
– ألستِ معلّمة تعلّمين البنات والأولاد؟
– ربّما تقصد امرأة أخرى.
– ألست أنت ليلى محمّد؟
– أنا ليلى محمّد.
توقّفتُ عن طرح الأسئلة وانحنيت نحو ورق الدوالي، وتفحّصته بيدين جامحتين. اختلج صدري وهي تتابع حركة اليدين. اشتريت من ورق الدوالي مقدار وجبة لشخصين، ثمّ مضيت مبتعدًا وظلّ ظلّي هناك.
وحين أويت إلى فراشي وجدتها مستلقية إلى جواري في أمان، تحلم بأنّ يدًا حانية تفرش تحتها أكداسًا من ورق الدوالي، واليد الحانية، يدي، لا تغادر السرير.
وورق الدوالي النديّ يغمر المكان.

امرأة في الكرسي الخلفي

جاء رهوان في سيّارته. أوقفها خلف سيّاراتنا ونزل منها بسرعة وكان بادي النشاط.
أدركنا منذ اللحظة الأولى أنّ لديه ما يقوله لنا في هذا الصباح.
قال إنّ امرأة جاءته وجلست في الكرسي الخلفي للسيارة، وطلبت منه أن يوصلها إلى بيتها في مستوطنة تلّة الذئب الواقعة على تخوم القدس.
قال: دار بيني وبينها حديث وأنا أنظر عبر المرآة إلى وجهها الذي يشي بأسى طفيف. سألتها إنْ كان لديها عمل تؤدّيه. قالت إنّها تعمل في البيت، وقالت إنّ اسمها فريال.
قال: أثارت فضولي، وعجبت كيف تقيم امرأة فلسطينيّة في مستوطنة!
قالت إنّ عليه ألا يعجب من شيء، ويمكنه أن يأتي معها لكي يشرب فنجان قهوة في البيت.
قال: أوقفت السيّارة في ساحة أمام المستوطنة ونزلت. لم يكن أحد من المستوطنين هناك في الساحة.
قالت ونحن ندخل البيت إنّها ستدعو صديقتها سميرة لتشرب معنا القهوة. هاتفتها، وبعد نصف ساعة جاءت. كانت ترتدي تنّورة قصيرة. جلست قبالتي ووضعت ساقًا على ساق. ظلّت تبدّل وضع ساقيها وهي جالسة وأنا أذوب من الانفعال. نهضت ومدّت يدها إليّ وقالت: تعال.
قال: دخلنا غرفة نوم مسدلة الستائر، وكانت فريال هي التي أغلقت علينا الباب.

هذه الممرّضة

قالت ليلى والغيرة تنهش قلبها: هذه الممرّضة تترك المرضى في أسرّتهم وتخرج معك.
قلت: دعينا ندقّق النظر فيها، ربّما كانت أمّي هي التي تمشي معنا.
قالت بحزم: لا، هي ليست أمّك.
قلت: على أيّة حال، لست وحدي معها.
وقلت: ربّما قادها إلى ذلك حلم مجنون، وربّما كانت بحاجة إلى هواء نظيف.
ركضتْ ليلى لا حبًّا في الركض وإنّما لكي يتبعثر جمعنا. لكنّني واصلت المشي مع الممرّضة، وكنت أسترق النظر إلى وجهها لكي أتأكّد من هويّتها. ثمّ وجدتني أحلم حلمين في وقت واحد: حلمًا للممرّضة التي تمشي إلى جواري، وآخر لليلى التي ركضتْ ولم تبتعد.

طفل يركض في حلمها

رأت ليلى طفلاً يركض في حلمها المطلّ على حلمي.
نظرت إليّ تعاتبني وقالت: أنت لم تمنحني طفلاً حتّى الآن.
قلت في مزاح مقصود، وبما يذكّر بقول مشهود: ولا بعدَ بعدَ الآن.
وقلت: حين يقبل أبوك وأشقّاؤك بي زوجًا لك أمنحك الطفل المنشود.
قالت وهي تناكفني: سأحضن هذا الطفل الراكض في حلمي وأقول له: أنت طفلي الحبيب.
لم أعترض، وفي تلك اللحظة، وقف الطفل على تخوم حلمها وراح يبول.
وظلّ كذلك حتّى تبلّل حلمها العجيب.

 بياض الفستان

كنت أمشي أنا وليلى على العشب النديّ وهي ترتدي فستانها الأبيض الشهي، قلت لها مفاخرًا: هأنذا آخذك إلى سهل أخضر فسيح في برّيّة الأجداد.
ابتسمت ولم تتفوّه بأيّ كلام.
قلت: هنا كان أجدادي يكدحون ويمرحون وينامون ويحضنون زوجاتهم في الليالي الحالكات، وتحت ضوء القمر حين يكون هناك قمر في السماء. وهنا كانوا يرتكبون الحماقات حين تحتدم بينهم الخلافات.
تلمّستْ جبيني وشعر رأسي بحنان، ثم استبدّت بها رغبة طائشة.
نامت على العشب، تمرّغت، تقلّبت، تمطّت، شهقت، تأوّهت، والعشب يتلوّى تحتها ويصبغ بلونه بياض الفستان.
وكنت أرى شرطي الحراسة يفتح عينيه بانتباه، والممرّضة تلعب بخصلة من شعرها المنساب، وأمي ترتق بالإبرة والخيط جوربًا عتيقًا لأبي، وأنا وليلى نلعب بالوقت من دون حساب.

 زوج فريال

جاء رهوان، وبدا أنّ لديه سرًّا جديرًا بأن يطلعنا عليه، أشغل سيجارة قبل أن يبوح بأيّ كلام، ثمّ قال: بقيت متشكّكًا في أمر فريال وزوجها. كيف أتيح لها وله أن يقيما في مستوطنة؟!
أخبرتني أنّ الأمر في غاية البساطة، ولم يبدُ عليها أيّ حرج أو رغبة في إخفاء أيّ شيء.
قال: لكنّها كانت توزّع كلامها بالقطّارة، وأنا أنتظر أن تبوح بالأمر كلّه مرّة واحدة. رمت كلماتها الشحيحة عليّ ثم دخلت المطبخ، وتأكّدتُ أنّ هذه هي طبيعتها أثناء الحديث، ربّما لأنّها تريد أن تستبقي السامع أطول وقت ممكن في بيتها. وضعت الماء على النار لتعدّ القهوة لي ولها ولسميرة التي أخبرتنا عبر هاتفها المحمول أنّها في الطريق إلينا. وفي الأثناء، تبلّل طرف فستانها، قبضت على الجزء المبلّل منه ورفعته إلى أعلى وبان بياض فخذها من دون عناء. استأذنتني لكي تبدّله. دخلت غرفة النوم، وعادت إليّ بفستان خمريّ فضفاض.
نظرت إلى وجهها الذي لا تفارقه مسحة حزن وأسى لكي أستعجلها في الكلام.
أخبرتني أنّ زوجها تشاجر مع أشقّائه بسبب الميراث، وكان أبوه أودع لديه مبلغًا من المال قبل أن يفارق الحياة.
رنّ جرس الباب. قطعت فريال حديثها. دخلت سميرة وهي ترتدي فستانًا زهريًّا يمتد إلى كاحليها. رحّبنا بها وشربنا القهوة معًا. شغّلت فريال المسجل، واندلع في فضاء البيت صوت الموسيقى والغناء. هزّت فريال خصرها وتبدّت أنوثتها المخبوءة بكلّ جلاء. نهضت سميرة، جرّتني من يدي ورقصنا معًا.
رقصنا حتى تعرّقت أجسادنا.
قالت سميرة: لا يهم، نغتسل بالماء الدافئ في نهاية المطاف.

مثل آدم وحواء

كنّا عاريين مثل آدم وحواء. وقفنا على مرتفع من الأرض وتأمّلنا المدينة النائمة في اطمئنان، حيث لا غزاة ولا حروب. قالت ليلى: الناس نائمون وثمّة هدوء عجيب.
قلت: لم يعد على هذه الأرض أحد سوانا، وعلينا، أنا وأنت، أن نبعث نسل البشر من جديد.
تردّدت ثمّ قالت: دعني أتفحّص حلمي جيّدًا. ربّما كانت هناك نساء أخريات.
بعد برهة، هزّت رأسها وأزاحت شعرها المترامي على صدرها وقالت: كلامك صحيح.
وكان عليّ أن أجمع حلمي إلى حلمها في حلم صريح.
ولم يدم ذلك إلا دقائق معدودات. ثم جلسنا معًا على بساط من عشب في بقعة نائية غنّاء. أكلنا وشربنا ما لذّ وطاب من طعام وشراب. قالت: مثانتي امتلأت ولا وجود لمراحيض في هذا الخلاء. قلت: افعلي مثل القطط.
قطّبت جبينها وقالت: ماذا لو مرّ عابر سبيل ورآني؟
ثم قالت مازحة: ماذا لو وصل الخبر إلى داعش!؟
ابتسمتُ، وقلت بعد أن أعيتني الحيلة: بولي في سروالك، وأنا آخذك إلى النبع لأنقع جسدك في الماء.
راقتها الفكرة التي أعادتها إلى طفولتها، ثمّ تنطّح لها حلمها وحذّرها من مغبّة هذا الإغواء.

في المستوطنة

أوقف رهوان سيارته خلف سياراتنا ونزل منها وكان واضحًا من ملامحه أنّ لديه كلامًا لا يحتمل التأجيل.
رحّبنا به بابتسامات وكلمات تدلّل على الود، فهو في كلّ الأحوال شخص ظريف.
قال: جئت للتوّ من هناك.
وقال: زوج فريال فرّ بالمال الذي استلمه من أبيه، وطلب من مشغّله الإسرائيلي، صاحب شركة البناء، أن يؤجّره شقّة من شققه في المستوطنة. وافق صاحب الشركة على ذلك، وهذا كلّ شيء.
قلت: ربّما كان كلامها صحيحًا، وربّما كانت تخفي عنك أشياء.
قال: دعنا الآن من هذا الكلام.
صمتَ لحظة وهو يحدّق في وجوهنا لعلّه يسترعي انتباهنا إلى ما سيقوله، قال: تأمّلت جسدها، وتوصّلت إلى قناعة بأنّ لديها قدرة على الإغراء.
قال: شعرت بأنّ في داخلي رغبة خفيّة فيها لسبب لا أعرفه بدقّة حتّى الآن. لمست شعرها ونظرت في عينيها.
نهضت وابتعدت بدلال وقالت: دعني أفكّر في الأمر. هذا لم يحدث معي من قبل.
قال: طلبت منها أن تفكّر في الأمر من دون إبطاء. وبعد لحظات، وصلت سميرة بجسدها الرجراج.

حطب لثلاث نساء

تذمّرت ليلى من ظلام الليل الذي يحاصر حلمها، ومن ماء النبع البارد. ما يعني أنّها لن تستحمّ مثلما تشاء.
قالت: أبحثُ عنك ولا أراك، فأين أنت؟
-أنا هنا على مقربة من حلمك. سأجمع حطبًا من هذا الخلاء، وأوقد نارًا وأغلي لك الماء.
خلعت ثيابها وتهيّأت للاستحمام.
فجأة، ظهرت الممرّضة. كم ترهقني هذه الممرّضة وتضطرّني إلى التدقيق في ملامحها! فهي ترتدي الملابس نفسها التي ترتديها أمّي. خلعتْ معطف التمريض والفستان، وجلست على مسافة ما، وأنا أواصل جمع الحطب لامرأتين تنتظران.
في اللحظة التالية، وأنا أوقد النار، جاءت أمّي بملابس التمريض، وراحت تخلع ملابسها لكي تستحم. غضضت النظر، والنساء الثلاث ينتظرن الماء الذي سيغلي بعد لحظات.

ثوب طويل

منذ أيّام، وأنت يا ليلى لا تبدّلين هذا الثوب الطويل. أبدو وأنا أرتديه يا قيس مثل إحدى الممثّلات. في مملكة الأحلام يا ليلى يمكن تبديل الثياب من دون محظورات. أدري يا قيس، لكنّني مرتاحة كما أنا الآن.
تأمّلنا معًا انسياب الثوب على جسدها ثمّ مضينا إلى صالة للأفراح.
وكنّا نوزّع الحلوى على الجالسين ونغنّي حين جاءنا المستوطنون وأطلقوا علينا النار. وجاء الجنود. قلنا ونحن نطلق فكاهة سوداء: هم في العادة لا يطلقون النار بتاتًا، حتى إنّ البنادق تصدأ في أيديهم!
ظلّوا يطلقون علينا النار، ونحن نغنّي وننزف الدماء، ولا نموت، نعم لا نموت.

Mahmoud Shkair

[email protected]