حوار مع الكاتب الفرنسي ج.م. لوكليزيو

أنا أقيم في المكان الذي أنا فيه. وأنا لا أعرف أين أقيم في الواقع.

أنا أقيم في ما أكتب، وفي أحلامي، وفي ما أنا أبنيه للمستقبل

ترجمة: حسونة المصباحي

غوستاف جان-ماري لوكليزيو

من مدينة نيس إلى افريقيا، إلى باناما، إلى الصين أو الصحراء… يعيش ج.م. لوكليزيو في مَفْرَق طرق العوالم. مع ذلك، يقول الحائز على جائزة نوبل للآداب بإنه “بيْتُوتي”، أي مُلازم لبيته، وبروتاني (شمال فرنسا) أرض الأجداد الأولين، هي التي يقودنا إليها لنكتشفها في عمله الجديد: “أنشودة بروتانية”. بين العودة إلى الينابيع الأولى، والانطلاق إلى مناخات بعيدة ومختلفة، هذا اللقاء مع كاتب بنعال من ريح.

“أنا لست كاتب رحلات وأسفار” يقول صاحب الروايات التي اخترقت منذ ستين عاما الصحاري، والمدن، والمحيطات، الذاكرة السحيقة لشعوب العالم. “ولست فيلسوفا” يحذّرُ أيضا ناسبا لنفسه فضاءات الخيال لكي يُجيب (أو لا يجيب) على أسئلة بأسئلة أخرى، وعلى حكايات بحكايات أخرى. إن عالم غوستاف جان-ماري لوكليزيو يمتدّ من جزر موريس الذي إليها تنتسبُ العائلة، إلى المكسيك التي فُتن بثقافات هنودها، ومن افريقيا إلى غابة” داريان” حيث عاش ثلاث سنوات مع هنود ّأمبيرا”، ومن نيس حيث وُلدَ عام 1094 إلى الصين حيث يُدَرّسُ باستمرار. ونحن نتوقّعُ أنه “رحّالة”، غير أنه يحرص على التأكيد انه “بيتوتي” لا يعيش حياته بكثافة إلاّ عندما يكون جالسا أمام مكتبه. وكتابه :”أنشودة بروتانية”، متبوع بنص عنوانه “طفل الحرب” الصادر عن دار “غاليمار” هذا الخريف، يَسْتكشفُ فضاء حميميا في منطقة بروتاني حيث أمضى عطله وهو طفل. والآن وقد بلغ سن الثمانين، يبدو وكأنه يعود إلى الأقرب، ليمتزج بالبحر وبالغرانيت اللذين شَكّلا سلالته. أجداده من مقاطعة بروتاني كانوا ثوريين أجبروا على العيش في المنفى في جزر موريس في نهاية القرن الثامن عشر. العودة إلى الينابيع، باتجاه “الأليف العائلي”، لكن أيضا عودة إلى طفولة ما قبل اللغة، بما أن “الحكاية” الثانية في هذا الكتاب تستحضرُ من خلال التذكّر المُبْهَم، وبلغة سهلة كما لم تكن أبدا، سنواته الأولى لاجئا خلال فترة الاحتلال النازي مع والدته في قرية خلف نيس. أن نقرأ” أنشودة بروتاني” في فترة العزل التي نعيشها في عام 2020، تُحْدثُ فعلا مُثيرا للقلق. انطلاقا من بروتاني وحتى الكون، يُبْحر بنا صاحب جائزة نوبل للآداب التي حصل عليها في عام 2008، برفقة آلهة الأستاك، إلى حدود القريب والبعيد، هناك حيث العالم زهرة ربيع، وحيث يَحْدثُ لقاء يُوَاسينا مع أخطبوط مُتخفّيا في برْكة بحر في حالة جزر، على شاطئ “فينيستار” الجنوبية.

للمرة الأولى تروي عزلتك الأولى خلال الحرب. وأنت تتحدث عن الخوف، وعن الجوع والفراغ. كيف كان هذا الفراغ؟

لوكليزيو: الجوع أكثر من أن يكون مجرد فراغ في البطن، هو شعور بأنه ليس باستطاعتنا أن نملأ فراغا في قلب الجسد. هذا الفراغ هو نُقْصُ تواصل لكل شيء. ولقد عشت أنا وأمي، ووالداها، وأخي، محبوسين في زنزانة مُفْعَمَة باللطافة وسط عالم عُدْواني. وقد ولدتّ في العزلة، وفيها عشت حتى بلوغي سن السادسة. إذ أن هذه العزلة استمرت في السنة التي أعقبت الحرب. حول البيت، كانت الفضاءات مُلَغّمَة. وكان ممنوعا علينا الخروج إذ أن القنّاصَةَ كانوا يقومون بتصفية حساباتهم بين بعضهم البعض بين وقت وآخر. وفي نيس سقطت قنبلة في حديقة العمارة التي تقيم فيها جدتي. وفي نهاية الحرب، كنت وأخي مثل مُتوحشين، لم يكن لنا أصدقاء، وكان أخي هو صداي الوحيد، وكنت أحس بغرابة العالم من حولي. وأنا أحتفظ بشعور هذا الفراغ الكبير في طفولتي من سنوات الجوع، والحبس، والعزلة. وكان من الصعب التخلص من عبء كل هذا. وكان من الصعب جدا الخروج من هذا الحبس الذي ترددت لوقت طويل في الحديث عنه مباشرة. وأنا أستحضر حالات مماثلة في رواياتي، لكني لم أجرؤ أبدا على أن أقول إلى أي حد يمكن أن يكون مؤلما الشعور بالخوف، والشعور بالجوع، والشعور بالعزلة، وأن لا يكون للإنسان أصدقاء.

واليوم هل هو مؤلم بالنسبة لك عدم الخروج، والسفر في العالم بكل حرية في زمن الوباء العابر للقارات؟

لوكليزيو: لا ، أبدا. إنها الحياة التي أعيشها في حقيقة الحال. أنا نادرا ما أخرج. وأنا كائن “بيتوتي”.

لكننا نتخيلك في سفر دائم عبر العالم.

لوكليزيو: لقد حدث أن سافرت، لكني لم أسافر أبدا لكي أكتب. حين أسافر لا أدوّن أبدا ملاحظات، ولا آخذ صورا، وإذا ما أنا كتبت حول ما رأيت، فإن ذلك يكون بالتأكيد خياليا. وأنا أرى نفسي طفلا بصدد الكتابة. في الشارع، يناديني أصدقاء للخروج، فأخرج رأسي من النافذة، وأصيح فيهم:” ها أنا خارج”… لكني لا أخرج أبدا، وأنساهم وأنسى الخروج…

أيضا في تلك الرحلة البحرية التي قمت بها إلى “بورت هاركور” في نيجيريا لتلحق بوالدك الذي كان يعمل طبيبا في الريف: آنذاك كنت في سن السابعة، وكنت قد خرجت من العزلة التي فرضتها عليك الحرب، وكتبت أول رواية لك وأنت معزول في الكابينة، ولا تخرج أبدا للتجول على سطح الباخرة…

لوكليزيو: الكاتب رايمون روسال (1877-1933 شاعر غريب الأطوار أثّر في السورياليين) قام برحلة حول العالم برفقة والدته. وخلال ذلك، لم ينقطع عن الكتابة، إلاّ انه لم يكتب أبدا عن رحلته تلك. لقد تخيل رحلة خارقة. مثله، أنا أدرك أنه بإمكاننا أن نقوم برحلة حول العالم في الواقع من دون أن نرى أيّ شيء من العالم، بل لعلنا نراه أفضل بعيون مُغمَضة…

الانطلاق إلى افريقيا بعد الحرب يُمَثّلُ الحرية. مع ذلك أنت تجعل من بروتاني” الأليفة والعائلية” نقيضا لإفريقيا التي تقول بإنها شاسعة وخطيرة بالنسبة لك… لماذا؟

لوكليزيو: أنا وأخي خرجنا من عالم مُغْلَق من دون علاقات خارجية، ليتمّ نقلنا إلى عالم نحن لا نعرف لا لغته ولا تقاليده. وكنا مُختلفين جدا. حَدَثَ ذلك في فترة نهاية الاستعمار البريطاني في إفريقيا، والذي أعتقد بحسب رأيي الشخصي، أنه كان أشدّ قسوة من الاستعمار الفرنسي. وكنا في وسط مُتَوَحّش، بعيديْن عن الثقافة الأوروبية، وتحديدا في “ايبو” الإفريقية. وقد تعلمنا بعض الكلمات من لغة المنطقة، لكننا لم نشعر في أيّ لحظة من اللحظات أنه بإمكاننا أن نصبح مثل أهلها. قَدَرُنا أن نكون غرباء. وهذه الذكرى تُقْلقُني. أما في بروتاني فإننا كنا نحس أنه باستطاعتنا أن نَغْرُفَ من موْرُوث مجتمع كان بمثابة الأساس لوجودنا، ولعشيرتنا، ولسلالتنا، ولعائلتنا.

تبدو أحيانا وكأنك انطلقت بعيدا لكي تستكشف أجزاء من العالم الذي فيك: افريقيا، وجزر موريس، أرض والديك، وأجدادك، بروتاني، أرض أجدادك الأولين… لكن هل تظل في وضع الغريب؟

لوكليزيو: أنا لم أخترْ أن أكون غريبا. بل ولدت من عائلة حُكم عليها بالتنقل بين الأمكنة. والحقيقة أنه لا مسقط رأس لي. جزر موريس غائمة بالنسبة لي… ذهبت إليها لأول مرة قبل ما يزيد على ثلاثين عاما. وهي ليست أليفة بالنسبة لي إلاّ من خلال الحكايات التي ترويها عائلتي. أما نيس فأنا أعرفها جيدا لأنني فيها ولدت ونشأت…إلاّ أنني لا أجد نفسي فيها. وعندما كنت طفلا كان أهلها يتكلمون لهجة قريبة من الإيطالية. اليوم أصبحت نيس مدينة تجلب أعدادا هائلة من السياح. وباستثناء مشاهدها الطبيعية، أنا لا أرى نفسي فيها. بروتاني ظلت وفيّة لنفسها وللصورة التي كانت عليها وأنا طفل، إلاّ انها فقدت لغتها الأصلية. وبذلك أضاعت جزءا مهما من هويتها. كل هذه المسيرة جعلتني أكون حَسّاسا لأهمية الهويات. كل واحد، أنت الذي تتحدث إليّ، وأنا الذي أتحدث إليك، له هويّات متعددة، وعلينا أن نكون أوفياء لها بالطريقة الأكثر احتمالا. أن يكون الفرنسي فرنسيا في القرن الواحد والعشرين، هو أن يكون مُتَشَكّلا من هويات عدة، وإذن أن يكون قادرا على تقبّل هويّات الآخرين. ليس فقط أن يكون مُتَسَامحا معها، وإنما أن يُحبّها، وأن يمضي إليها، وأن يتوحّد معها.

ماذا تحمل في نفسك من بروتاني؟

لوكليزيو: رائحة تثير مشاعري وأحاسيس حين أصل إليها. نفس الشيء الذي يثيرني في جزر مورس… حين أنزل من الطائرة، أشم رائحة قصب السكر، ويستبد بي شعور بالحيرة. وحين أصل إلى “كيمبير” أشمّ رائحة خاصة. وسحابة من رذاذ على بروتاني تحمل رائحة البحر. وأنا أشم هذه الرائحة في نهر “أودير، رائحة مدّ البحر وجزره، ورائحة الخلنج في نهاية الصيف. كل هذه الروائح توقظني وتجعلني أشعر أن جزءا مني ظلّ يَشدّني إلى بروتاني…

والبعيد، أين وجدته؟

لوكليزيو: لقد قمت برحلة هي الوحيدة التي تتطابق مع ما قلت. على مدى ثلاثين عاما، في بداية عام1970، عشت مع هنود “أمبيرا” في غابة “داريان” في باناما، قرب الحدود مع كولومبيا. وكنت قد أرسلت إلى صديق لي صفحة بيضاء لأقول له: مستقبلا ما أنا أريد أن أقوم به هو التالي. الانطلاق إلى الغابة كانت طريقة لصفق الباب أمام الكلمات وايقاظ حواسي لكي ألتقط الأشياء التي كنت أجهلها. وكان ذلك قريبا من الرحلة التي قام بها رايمون روسال: كنت على عتبة مكان آخر، مكان غريب، ووضعت قدمي في عالم آخر، إلاّ أنني ظللت عند العتبة.

في “الحفل المُنْشد” الصادر عام1997، وهو الكتاب الّذي فيه تروي تجربتك، أنت تقول مع ذلك أن تلك التجربة غيّرت حياتك، وغيرت “أفكارك حول العالم وحول الفن”، وطريقتَك في “أن تكون مع الآخرين، وفي مشيتك، وفي الأكل، وفي النوم، وفي الحب، وحتى في أحلامك”.

لوكليزيو: نعم. ذلك أن أولئك الهنود الذين دعوني إلى عالمهم، كانوا يعيشون بطريقة مختلفة عن طريقتي. وكانوا يجهلون تقريبا كل ما يتصل بالحداثة، باستثناء استعمالهم للبنادق عوض الأنبوبات، واستخدامهم للمحركات لمراكبهم البحرية. وأنا لم أفهم غير جزء صغير من العالم الذي كانوا يعيشون فيه. وإذا ما أنا تعلمت شيئا ما، فلأنني قمت بجهد كبير للخروج من نفسي، إلاّ أنني لم أتمكن من أن أصبح كائنا آخر ،وأن أكون غريبا عن نفسي. وحين أدركت أنه ليس باستطاعتي أن أكون كذلك، أدركت أيضا أنني سأكون مزعجا بالنسبة لهم. أوروبي في غابة، هذا مُعَوّق، وكبير جدا، وليس بإمكانه أن يتحرك بسهولة، ولا أن يعرف ماذا يفعل، وإذن هو خطير بالنسبة لهم. وهو أمر خطير بالنسبة للمسافر نفسه حين يعلم أنه لا يدري أين هو، ويفقد ثقته في نفسه. وأنا انقطعت عن زيارة هنود “أمبيرا” لأن ذلك كان مربكا، ومع الزمن يمكن أن يصبح مجرد سياحة. وأنا لا أرغب في أن أقوم بعمل كهذا.

هل شعرت حقا أنك ستضيع؟

لوكليزيو: كان من الممكن أن يحدث ذلك. ثمة شيء يشدّك في تلك اللحظة، ولا بد أن تعرف كيف تلتقطه. كانت لي عائلة، وكانت لي ابنة كانت تكبرُ في فرنسا، وكان لي أهل، وبالتأكيد عادات أيضا، وكل هذا كان يشدني بخيوط صلبة بما فيه الكفاية. وهذا ما جنبني الضياع، ومنعني من أن أفقد نفسي.

خلال اقامتك، وترددك الطويل على المكسيك، كنت قد دَرَسْتَ الحضارات الأمريكية الهندية. أية علاقات نسجتها مع الأنثروبولوجيا؟

لوكليزيز: كانت لي علاقة مُهمّة مع كلود ليفي شتراوس في الفترة التي كنت أقيم فيها باستمرار في باناما. وكنت قد اتصلت به، وبدا لي أنه مهتم بكل ما يمكن أن آتي به إليه من الغابة. وقد أتيت له بأشياء كثيرة، رسومات، وسلال ومذاري، وتسجيلات لأساطير رواها أناس من هناك. قدمت له كل هذه الوثائق. كان أنيقا جدا. وقد تلقى كل هذا باستحسان كبير. وقد فكرت بأني قد أكون أرهقته بكل تلك الأشياء التي ربما لا يتعلم منها شيئا مفيدا. احترمت جدا كلود ليفي شتراوس كمثقف، وقرأت كل كتبه. كان أول من أوْلى أهمية للعالم الأمريكي- الهندي، واستكشف وحدته العميقة، ولم يتعامل مع ثقافاته كما لو أنها مجرد أساطير ماجنة ومحلية جدا. وأنا أقدّره جدا كمبدع. وأجب كتابته والجانب الشخصي في تفاسيره للميثولوجيا الأمريكية-الهندية. غير أني لم أشعر في أيّ لحظة من اللحظات أنني أنثروبولوجي، ولا أظن انني أمتلك قدراته. مع ذلك أنا أدرك العلاقة المُلْتَبَسَة بين البعيد جدا والقريب جدا، والتي يمكن أن يشعر بها الأنثروبولجي. من جانب هو يتحرك مدفوعا بالرغبة في المعرفة، والرغبة في فهم شعوب مفتون بأناقتها، وبقدرتها على الاختلاق والابتكار، وبطريقتها في العيش، ومن جانب آخر هو لا يمكنه أن يختلط بها لأنه مجبر على الاحتفاظ بنظرته كمراقب. وهو يظل على مسافة من القريب ومن البعيد في آن واحد .وأنا أعتقد أنني لامست حالة التوتر هذه أيضا. وأعتقد أن كلود ليفي شتراوس لامسها إذ أنه لم يعد أبدا إلى البرازيل بعد رحلته الأولى إليها. كما أنه لم يسافر بعدئذ إلى أي مكان آخر.

بخصوص السنوات التي أمضيتها مع هنود “أمبيريا” أنت تكتب أيضا:” كنت في آخر نقطة من العالم، في ما يسميه الهنود بـ”تو كومبو”، أي أنف النهر، المكان العذريّ المعزول حيث نشعر أننا أدركنا قمة مّا، إذ أن كل شيء يبدو أجمل، وأكثر صفاء، وطهارة”… ما هي آخر نقطة في العالم بالنسبة لك اليوم؟

لوكليزيو: لي شانغين (813-858) وهو شاعر صيني من عصر “التانغ” يتكلم عن ذلك بطريقة جيدة. في قصيدة له هو يقول بالطريقة الصينية المُزْهرة في الشعر، بإن آخر نقطة في العالم هي الربيع: بلوغ آخر نقطة في العالم هو البقاء في الربيع. والأمر لا يتعلق بتجديد الزمن، بل بالبقاء في الزمن الذي نحن فيه، لكننا نكتشف من خلال الربيع الخاص بنا، احتمال أن نكون في آخر نقطة في العالم. وآخر نقطة في العالم بالنسبة للي شانغين هي المكان الذي فيه الأزهار في أقصى علوّها إذ أن على غصن شجرة ما، تكون الأزهار الأكثر علوا هي الأخيرة. وفي كل مرة تمنح فيها شجرة ما زهرة، تعلو هذه الزهرة بضع سنتمترات، وإذن تكون الأزهار الأخيرة هي تلك التي تزهر في اللحظة التي نبلغ فيها نحن آخر نقطة في العالم. هي استعارة معقدة إلى حد ما، أليس كذلك؟

نعم… هي معقّدة قليلا. لكن يمكن أن نستشعر مغزاها… عكس الأزهار الأخيرة، هل القريب هو الذي يُقَدّمُ نفسه فورا، من الذي إذن لا يحتاج إلى أن يُبْحَثَ عنه؟

لوكليزيو: أسئلتك عن القريب والبعيد تحيلني إلى شيء آخر… أنا أفكر في القراءات التي قمت بها لميثولوجيا الأستاك كما يصفها الراهب الفرانسيسكاني الاسباني بارناردو دو صاهغوين في القرن السادس عشر. الأله الأعلى للأستاك لم يكن إله الحرب، ولم يكن إله الحب أو إله الشمس. لم يكن أي واحد من هؤلاء الآلهة الذين يقدمون لهم الضحايا. الإله الأعلى كان إلها مجهولا أطلقوا عليه إسم “إله القريب والبعيد”. وكانوا يعبدونه في معبد بعيدا عن المعابد الأخرى ،وكان سقفه مَدْهونا بالأزرق الليلي بنقاط تجسد الكواكب. بالنسبة للأستاك، حضور الإله الأعلى كان الكون برمته، الكوسموس. والكوسموس هو بالفعل البعيد الأعلى، لكنه قريب في نفس الوقت لأننا تحت حمايته-هذا المعبد يمثل ملجأ. أن نحس بأننا تحت حماية البعيد يعني أن البعيد قريب. وانا أتساءل عن الشيء الذي عوّضَ في مجتمعنا الحديث الفكرة الخارقة للاستاك حول إله القريب والبعيد. هل هناك شيء مّا هو في الواقع قريب وبعيد في نفس الوقت؟ أنا أطرح هذا السؤال.

أحاول أن أقدم بعض الافتراضات… هل يكون البعيد هو من لم نعد باستطاعتنا التعرف عليه؟ العالم لم يعد مجهولا بفضل الرحلات، وأصبح أكثر تجانسا، وما غريب بات مستحيلا؟

لوكليزيو: نحن لسنا مجبرين على الذهاب بعيد للعثور عن ما هو غريب عنا. الكتب، والحكايات، والروايات، والقواميسن نفسها هي الوسائل الأكثر قوة لاكتشاف الآخرين والعالم. أكثر من البعيد، قد يكون المجهول هو الذي لم نعدْ نرغب فيه. كان من السهل قديما أن نعلم أننا لا نعلم شيئا. من المؤكد أن البعد هو الذي تغير. ليس فقط سرعة زمن والحركيات وإنما أيضا الوهم الذي يجعلنا نظن أننا نعرف كل شيء. لكن ليس هذا فقط: نحن فقدنا تلك الفكرة التي تقول إننا في نفس الوقت قريبون وبعيدون من العالم الذي نسبح فيه. الكلمة التي تناسب هذه العلاقة مع العالم تنقصنا. وهي ليست بالضرورة فكرة أخلاقية، وإنما هي فكرة ميتافيزيقية بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهي ليست شيئا يفضي إلى خاتمة…

العديد من كتبك تتحدث عن أحلام علاقات، وعن امتزاج بالطبيعة، وبمشهد، وبالسماء، وبالبحر، وبالمدينة… هل لهذا أنت تريد أن تريد أن تمنحها كلمات…

لوكليزيو: المسألة لا تتعلق بالأماكن. يمكنني أن أحس بذلك في الصحراء كما في المدن الكبرى التي أحب تنوعها السكاني. هنود “أمبيبرا” يعيشون هذا التوحد مع الكون. أنتم لم تسألوا كيف غير هؤلاء الهنود حياتي: بالتأكيد هذا ما تعلمته منهم حتى ولو كان ذلك بطريقة منقوصة. عندما يتحدثون عن الجذور، هم يستندون إلى الأسطورة، وليس للحدث، ولا للهوية القومية، ولا للمنطق، ولا للعلم، وأقل من ذلك للرواية. هم يعيشون بقوة بفكرة أن العالم الذي فيه يعيشون ليس فقط واقعيا. ربما اعتمادا على هذا يمكننا أن نحدد القريب والبعيد. قدماء الاغريق كانوا يعيشون هذا أيضا: لا شيء يبدو أكثر بعدا من آلهة الأساطير، لكن في نفس الوقت هي قريبة. نحن فقدنا هذه العلاقة المتينة مع أساطير الآلهة. الكتابة بالنسبة لي هي بالأحرى طريقة تقريب هذا بإضاءة أحلام، واستحضار ذاكرة يعاد احياؤها وفي نفس الوقت احياء ذاكرة الآخرين انطلاقا من الأحاسيس، والأساطير، والخيال. إن ميزة الأدب هو ان يكون أساسا حركة لا تبحث عن أي توضيح أو تفسير.

هل أنت تتحدث عن علاقتك بالأخطبوط الذي تصفه في “أنشودة بروتانية” كما لو انه تجربة عابرة وسرية مع التوحد بالكون…

لوكليزيو: هي سرية بالفعل. وقد تجنبت الحديث عنها وإعطاء العنوان للأطفال الآخرين لأنني كنت أخشى أن يؤذوا ذلك الأخطبوط. الأطفال البروتانيون، مثل أطفال نيس، بارعون في قلب الأخطبوط وحمله إلى بيوتهم لطبخ حساء. كنت في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري. وكنت أقضي عطلتي في بروتاني وكنت أحب بالخصوص المنطقة الفارغة عند الجزر. وكنت أدخل إلى البرك التي تركها البحر هو ينسحب إلى الخلف. أنا وحيد، وبي شعور أنني في عالم آخر، وهو بعد لا يتحسّسه الأرضيون. لكني لست بين مائين: أنا انسان في جو ما وألتقي بحيوان لا علاقة له بعالمي الهوائي. هذا اللقاء يتم بلمس خفيف مثلما يحدث مع كائن من سكان الكواكب. بحذر أترك الأخطبوط يلامس اصبعي بواحد من أذرعته. وأنا لا أخاف ان يجذبني الأخطبوط إلى عمق البحر مثل ذاك الذي وصفه فيكتور هوغو في “عمال البحر”. لكن لا… هو أخطبوط لطيف وصغير الحجم. هو أيضا خاف مني في البداية. وفي كل يوم، حين أعود وقت الجزر، يصبح أكثر جسارة ويلتف حول قدمي. لكني لم أره كاملا أبدا. هو ظل في حماية من الصخرة. وأنا لم أحاول الاقتراب منه غاطسا في الماء بعينين مفتوحتين. لقد كان لقاء عابرا بين عالمين. هذه الذكرى تأتي من مرحلة من حياتي كنت فيها بحاجة إلى أن تكون لي علاقة بشيء آخر،، شيء يجعلني أثق بنفسي، ويطمئنني، ويقنعني أن انسجاما ما يمكن أن يتحقق.

قلت أن ذلك سَكّنَ وهدّأ ذكرياتك حول الحرب؟

لوكليزيو: نعم. كل الأطفال الذين يكبرون في الحرب يحملون في داخلهم درجة عالية من العنف. وأنا لم تجعلني الحرب صلب الشخصية، بل جعلت مني فتى عنيفا. طفلا كنت مسكونا بحالات غضب مرعبة من دون سبب أو تعلة. وجيلي عرف مثل هذه الحلات مرة أخرى مع حرب الجزائر. ومن حسن الحظ أني حصلت على تأجيل للتجنيد، ولم أجند إلاّ في ما بعد في نطاق البعثات لأقوم بالتدريس في تايلاند، ثم في باناما، ثم في المكسيك. غير أني أتذكر أصدقائي الذين كانوا يعودون من الجزائر متورمين بالحقد والكراهية. وأنا أرى الآن واحدا منهم وهو في أجاز في نيس خلال الصيف. وبينما كنا جالسين نثرثر، أشار إلى سيارة كانت تمر أمامنا بهدوء متخيلا كيف يمكنه ان يفجّرها بمدفع الهاون. وإذن يمكن القول أن العنف كان قد استحوذ على فكره. ولكي يتخلص من عبء تبعات الحرب، أصبح معلما في قرية جبلية. وأعتقد أن سكان الجبال بإمكانهم أن يعالجوا الانسان من مثل هذه العقد والأمراض النفسية.

وأنت، هل هنود غابة “داريان” هم الذين عالجوك؟

لوكليزيو: نعم. يمكنني أ ن أقول بإنهم فعلوا ذلك. الهنود هناك شعب مُسَالم، رغم أنه كان في القديم مُحَاربا عنيدا، لكن بعد الغزو الاسباني ومع قدوم الحداثة، قرّرَ ترك الحرب. غير أن هذا لا يعني أن مجتمع الهنود خال من العنف، بل أن هناك أشكالا كثيرة من العنف تمارس ضد النساء بالخصوص. إلاّ أن هذا المجتمع ألغى الحرب. وأنا أراهم يعيشون حياتهم اليومية، ينتابني شعور بأن البشر كانوا مُكتملي الفضائل. وعندما ألتقي بأناس يعيشون أزمات نفسية، أنصحهم بأن يركبوا الطائرة إلى باناما، وهناك يتوجهون عبر النهر إلى غابة “داريان”. وإذا ما هم تحملوا الحياة هناك أسبوعا أو أسبوعين ،فإنهم يشرعون في تعلم أشياء قد تساعدهم على علاج هلوساتهم ونزعاتهم الداخلية العنيفة.

هل هي فضيلة المكان الآخر؟

لوكليزيو: إنها فضيلة الشعوب التي تعيش بشكل مختلف. وأنا أحسست بهذا أيضا بين سكان الصحراء المغربية. هم يعيشون في الصحراء-عكس رطوبة الغابة- وهم يعرفون الحداثة في الكثير من جوانبها، إلاّ انهم يحافظون على مجتمع يعترف بالمساواة، وهو بالأحرى مجتمع ديمقراطي فيه تلعب النساء دورا مهما. لهن الحق في أن يمتلكن أشياء، ولهن مكان في الحكومة، ويمكنهن أن يتخذن قرارات. وعلماء الأنثروبولوجيا يسمّون هذا التنظيم للمجتمعات البدو الرحل “الديمقراطية المُرْتَخَاة”. ومن حسن حظي أنني تزوجت جامية، وهي سيدة قادمة من هذا المجتمع. هي، وخصوصا والدتها أشرفتا على تربيتي الداخلية، وأنا مدين لهما بذلك. من الصعب جدا أن يتعايش غريبان عن بعضها البعض مثلما هو حالي مع جامية. فهي قادمة من قلب الصحراء، أما أنا فقادم من جزيرة بعيدة في المحيط الهندي، أو من بروتاني، أو من نيس، وإذن من البحر.

هل أصبحت من الرحل أنت أيضا؟ وهل تبحث عن مكان فيه تقيم أو هل ترغب في أن تكون عابرا للأمكنة؟

لوكليزيو: جامية تسافر مثل كل الرحل…هي تحمل معها كل شيء…طَنَاجرها، وأشياءها المفضلة، بل وحتى بيتها لو أمكنها ذلك… وهي شبيهة إلى حد ما بمارغريت يورسنار التي لا تسافر أبدا من دون سلسلة “الدليل الأزرق”. الرحل الحقيقيون لا يتركون شيئا خلفهم. هم يتنقلون مع ما هم بحاجة إليه بما في ذلك الآلات الخاصة بعلاج مرض السكري. ومثل كل الشعوب التي اكتشفت السكر متأخرا، هم يصابون بهذا المرض، وهم يتحركون مصحوبين بهذه الآلات. المُفارقة في عصرنا هي أن الرحل يمكنهم أن يظلوا رحلا من دون أن تعرقلهم الحداثة التي منها يأخذون ما يناسبهم. أما أنا فأحب أن أسافر خفيفا، وأنا لا أحب المغادرة، وأميل إلى المكوث في المكان الذي أنا فيه. وأنا لست عابرا مطلقا. لذلك تزعجني الرحلات القصيرة.، وتثير ضجري. أولا لأن الرحلات نفسها باتت خالية من أية فائدة في طائرات تعجّ بأعداد كبيرة من المسافرين. وأنا أبذل جهدا كبيرا لكي أخرج من بيتي وأسافر إلى الى الصين أو إلى المكسيك. وأنا أجد صعوبة كبيرة في ترك مكتبي، وحمل جهاز الكمبيوتر، وآلة الطباعة، وكل الأشياء التي أحتاجها لأنني لا أحب أن أستعير من الآخرين. التأقلم لا يثير لدي أية مشكلة فأنا لست معقدا، وأنا أحب أن أذهب إلى بلدان فيها ما هو أساسي في الوجبات: الرز، والخضر المغلاّة، والفواكه. وأحب بالخصوص مرحلة “بين الاثنين” حين لا أحسن التكلم بلغة بلد بشكل جيدا فأجد نفسي مجبرا على العثور على وسائل للتواصل. وهذه المرحلة المُتَغيّرة تذكرني بمرحلة طفولتي في نيجيريا التي تحتم عليّ فيها أن أتعايش مع الآخرين، ومع غرابة العالم. ولكي نشعر بذلك، يتوجب علينا البقاء والاكتشاف والتعلم، تعلم اللغة أساسا.

ماهي الأهمية التي توليها للغة لكي تحس بعلاقتك بمكان معين؟ هل تسافر مع اللغات؟

لوكليزيو: أن أؤمن كثيرا بقوة اللغة. إنها وسيلتي الوحيدة ككاتب، لكن ما وراء ذلك، أعتقد أن اللغة هي كياننا الحقيقي. ونحن لا يمكن أن نوجد لو لم تكن لدينا كلمات. وبالنسبة لي مثل هذا الاهتمام باللغة يتحوّل إلى هوس. وأنا أصدم حين لا يتمّ احترام اللغة، أو أن لغة تحاول أن تنقلب ضد لغة أخرى، مثلما تفعل اللغة الفرنسية مع اللغات المحلية لهذه المنطقة أو تلك. وعندما تختفي اللغة، يكون ذلك بمثابة مأساة بالنسبة للعالم. وأنا جد حساس لأولئك الذين يولدون في لغة، ثم يجدون أنفسهم مُجبرين على التكلم بلغة أخرى. وحتى وإن كنت من المدافعين عن الفرانكفونية، فإني لا أستطيع أن أمنع نفسي من التذكير بأن الهيمنة العالمية لثلاث أو أربع لغات أوروبية تعود إلى الخاصية الداخلية لهذه اللغات لكي تكون أكثر عبقرية من اللغات الأخرى، وإنما هي تعود إلى الهيمنة الاقتصادية وإلى الامبريالية الاستعمارية.

أنت عشت في باناما، وفي المكسيك، وأحيانا تكون في نيس، أو في بروتاني، أو في باريس، وأنت تسافر باستمرار إلى الصين. في النهاية في أيّ مكان أنت تقيم؟

لوكليزيو: أنا أتساءل أيضا أين أكون. أنا أقيم في المكان الذي أنا فيه. وأنا لا أعرف أين أقيم في الواقع. أنا أقيم في ما أكتب، وفي أحلامي، وفي ما أنا أبنيه للمستقبل. العالم الذي أقيم فيه خيالي في للغة المكتوبة.

 

*هذا الحوار نشر العدد 141من مجلة الفلسفة-أغسطس-آب 2020