“رؤيا شبيه المسيح” للأيام الأخيرة، قصيدة للشاعر المصري جورج ضرغام

جورج ضرغام

أنا “شبيه المسيح”..

ابتلعتْ أمي شجرتين ليلة “الكريسماس”،

فولِدتُ نجارًا رومانتيكيًّا..

أبني سفنًا في ذاكرة الغرباء،

وألقي البحر من عيون حبيباتهم

بعيدًا.. بعيدًا

عن يابسة الخيبة!

حين كنتُ طفلا، اجتمع أهل القرية في موسم الجدب

ليصلوا كي يسقط المطر.. خرجتُ مسرعا من الكنيسة،

وصنعتُ طائرة ورقية [كي أسبقهم إلى السماء].. وكتبتُ عليها: عزيزي “جيسوس”..

من فضلك لا تستمع إلى صلواتهم،

فليس لدي معطف!!

سألتُ الذئب عن إخوتي

قال:

لم يأتوا.. تأخروا في الولادة

كي يشتروا لك قميصًا من نحل الصراخ!!

وسألتُ السماء عن أبي

فأجاب الملاك بصوت البوق:

الطائرات أحذية الموتى،

والمطر عرق أبيك!

أنا راعي أغنام بار جدًا..

مرة سقيتُ الخراف قهوة،

ومرة ربطتُ ذيلها بالسحاب

كي لا يضل المطر حدود رأسي،

لتغسل نساء المخيلة

اعترافات فساتينها المُرة.. بعد الفناجين!!

 

أنا “شبيه المسيح”..

أخبركم بما تدخرون في جيوبكم من:

حليب القطط،

وأسماء القطط،

وذيول النساء اللقيطة!

وأنبئكم بما جاءتني من رؤيا:

كنتُ ذاهبا للقاء أبي في قبره قبل الغروب،

ورفعتُ يداي لأصلي.. فرأيتُ أصابعي العشر،

عشرة قباب لعشرة كنائس. وإذا بتسعة غربان

يحملون تسع جماجم مفترسة الحواس،

ومملوءة بتراب “يشوع” (1). سكبوها على التسع قباب، فأحترقتْ التسع كنائس.

ورأيتُ هيكلاً عظميًا لصرخة جائعة،

خارجا للتو من فك العتمة النازفة بذيول محترقة

وأرقام عوائها، جاء والتهم التسع كنائس.. ومضى

مغروسًا في لحم الخرس!

ثم رأيتُ عقابًا من ماء منير، قد ضُرب من قوس شفق السماء، وحط على الكنيسة العاشرة، وألبس قبتها:

اثني عشر تاجا من سعف مرصع بعيون أسماك،

وصليبًا من عصوين الشاهدين: “موسى وايليا”(2).

هنا دهاء الشعراء..!

فالكنيسة العاشرة [الناجية] هي كنيسة قائمة في “أرض الميعاد الثانية”، التي استقبلتْ “قبائل موسى الثانية” [أولئك المغسولون بدم الخروف الناري] على ظهر سفينة “Mayflower” (3) التي هي “فُلك نوح الثاني”. وعلى فلك “نوح” الأخير سيأتي إليها بقية العابرين من جهات الأرض الأربع، على سفن من ورق النبؤات الأخيرة.. قبل الطوفان الأخير!!

هنا دهاء الشعراء واللاهوتيين!!

ومن له عين للقراءة.. فليجعلها دواة حبر

ومن له أذنان للسمع.. فليتصدق بواحدة منهما

رغيفًا يرن في قلب جائع

ربما يعرف الميعاد إلى مائدة

عشاء عائلة الفردوس.

وأما الكنائس التسع المحترقة فهي:

 

1- الكنيسة التي في بلاد “الدبة الزانية”.

2- والكنيسة الكبيرة التي في بلاد “المونيكا”.

3- والكنيسة التي باعت لـ”شكسبير” وثيقة وفاته المزيفة، وعقارًا للصلع .

4- والكنيسة التي رفضت تطليق “سقراط” من زوجته: سارقة “الكلاماتا”.

5- والكنيسة التي ختمتْ بلديتها، جواز سفر “يهوذا الإسخريوطي”.

6- والكنيسة التي كتب بطركها شعرًا عموديًّا سخيفا مثله.. وظل يؤمن بأن الروح: عباءة راقصة الكرازة.

7- والكنيسة التي حرفتْ “رسالة بولس لأهل فينيقيا”،

كي تبيع “بنات مريم” جواري في سوق “نيقوسيا”.

8- والكنيسة التي استضافتْ “أبا العلاء المعري” [على طريق المطار القديم] قبل سفره ليتسلم “نوبل”.

9- والكنيسة التي فسر لها “دانيال” الحلم: الأجراس كؤوس فارغة لـ”أبي نواس”. و”الدواعش” من بعده!!

 

***

 

(1) تراب يشوع: الحادثة وردت في “سفر يشوع” إصحاح 7. وموجزها أنَّ رجلاً من بني إسرائيل اسمه “عخان بن كرمي” قد سرق مالاً وفعل الحرام. فغضب الرب على بني إسرائيل بسبب فعلة “ابن كرمي”. وهُزم بني إسرائيل أمام أعدائهم -“أهل عاي”- ولما رأى النبي “يشوع” النكسة، مزق ثيابه، وسقط على الارض هو وشيوخ بني إسرائيل، ووضعوا التراب على رءوسهم.

 

(2) الشاهدان: جاءت إشارة لهما في “سفر الرؤيا” إصحاح 11: “هذان لهما السلطان أن يغلقا السماء حتى لا تمطر مطرا في أيام نبوتهما، ولهما سلطان على المياه أن يحولاها إلى دم، وأن يضربا الأرض بكل ضربة كلما أرادا،…”، ووضع علماء اللاهوت، ثلاث نظريات تفسيرية عن هوية الشاهدين. منها أنهما “إيليا وأخنوخ” وهي أضعف الآراء والتفاسير. ومنهم من قال: إنهما “موسى وإيليا”، أو رجلان مؤمنان يختارهما الله لينفذا مشيئته.

 

(3) ماي فلاور: هي السفينة التي حملت “البيوريتانز- Puritans” إلى الولايات المتحدة. و”البيوريتانز” هم جماعة دينية بدأت خليتها الأولى في إنجلترا كحركة إصلاحية أصولية بروتستانتية ضد الكنيستين الكاثوليكية، والأنجليكانية على نحو أشمل. اضطروا للهجرة إلى العالم الجديد [الولايات المتحدة] بعد تعرضهم للاضطهاد المذهبي في إنجلترا، والتضيق في هولندا، وأسسوا مستعمرة “بلايموث”1620، ثم مستعمرة “ماساشوستس” 1630، وعرفوا باسم “البيلجرمز” أي “الحجاج”Pilgrims . وهناك شكلوا بنية الهوية البروتستانتية العالمية، والقومية المسيحية الأمريكية، بإقرارهم عهدًا مع الله [كعهد إبراهيم، وموسى قديمًا] كما جاء في ميثاق “ماي فلاور”، الذي عمل به أحد زعمائهم وليام برادفورد: “إذا رعى الله رحيلنا إلى العالم الجديد، سوف نؤسس مجتمعًا تحكمه شرائع الله”. واعتبر “البيوريتانز” أنفسهم شعب الله المختار في أرض الميعاد الجديدة. وهو تفسير لاهوتي أصيل لما جاء في النبوات [مزمور 2] : “اسألني فأعطيك الأمم ميراثا لك، وأقاصي الأرض ملكا لك”. والجدير بالذكر أن الهنود الحمر ساعدوا “البيلجرمز” الذين مات نصفهم جوعًا وبردًا، على زراعة بعض المحاصيل، ما جعلهم يؤسسوا “عيد الشكر” 1621، وبحضور “الهنود الحمر” معهم. اذ آمن “البيوريتانز” بأن “الهنود الحمر”. هم خليقة الله، وإخوة لهم، فالجميع أبناء آدم وحواء، اللذين أوصاهما الرب بتعمير الأرض: “اثمروا واكثروا وعمروا الارض[سفر التكوين]”. وكذلك “مثل السامري الصالح” الذي قاله “المسيح” كدليل على محبة الآخر المختلف دينيًا.

 

جورج ضرغام : صحافي، وشاعر مصري [email protected]