“رَسول الإله إلى الحبيبة” قصة قصيرة للكاتب الفلسطيني أسامة العيسة

اسامة-العيسة
أسامة العيسة

1

ليس مثل شهر آذار حيازة على الأمثال الشَّعبيّة في الثقافة الفلسطينيّة، لصَفْوه، وتطرفه، وتقلباته، وشمسه المواربة، ولذعات جوّه البارد، ولأشياء أخرى تستتبع بحثًا مُعمقًا، ربما تقود إلى اكتشافات صغيرة مدهشة، وتقوده شخصيًا إلى بؤرة الاهتمام البحثي والإعلامي، هذا ما كان يدور في ذهن الدكتور إيال، عالم الآثار، والمستشرق الهاوي كما يصف نفسه، وعندما كان يقول لنفسه إن تقلبات آذار، تنطبق أَيضًا على المنطقة الجنوبية مِن البلاد في صحراء النقب، كان على موعدٍ مع ما سيتحدث عنه طويلاً في مقبل الأيَّام عندما يتقاعد، ويجد وقتًا كافيًا، لمواصلة هوايته في الاكتشاف، ودراسة الأمثال الشَّعبيّة الفلسطينيّة، والتقاليد المتعلقة بالحياة والموت والقِدّيسين لدى “الجيران”، كما يحب وصف الفلسطينيين، جادًا أو هازلاً. وفي أحيانٍ ليست قليلة، يبدو مثل آذار، متقلبًا في النظرة للجيران المحيرين، الَّذين يعتبر وجودهم مع الإسرائيليّين تحت سماء واحدة، وعلى أرضٍ واحدة صغيرة، واحدة مِن نُكات التاريخ والجغرافيا المحيرة، والمضحكة، والمأساوية في آن.
إيال عالم الآثار الملول، كان يقود في شهر آذار هام خمسة عشر وألفين (2015م)، حفريات أثرية في كيبوتس مَغين، القريب من قطاع غَزّة المحاصر مِن دَوْلَة إسرائيل. وبعد أشهر قليلة فقط مِن حرب شنتها حكومته، ووصفها الفلسطينيون بانها حرب إبادة. الحروب الإسرائيليّة على القطاع دائمة، ولكن هذه الحرب، اتفق بأنها قد تكون الأكثر إجرامًا.
وخلال عملية الرصاص المصبوب عام تسعة وألفين (2009م)، سقط في الكيبوتس صاروخان مِن صواريخ كتائب عزّ الدين القسّام، الجناح العسكري لحركة حماس، لم يوقعا إصابات، وإنّما أحدثا أضرارًا في المباني السكنية.
إيال، الَّذي “فقد بَوْصَلَته”، كما أصبح يصف نفسه، بعد انفصاله عن زوجته راحيل، منذ خمسة أعوام، أراد أن يدعي بأنه لم يكن يشعر بالخوْف مِن صاروخ محليّ الصنع، ربما تطلقه منظمات غاضبة، أو شخصٌ ملَّ مِن وضعه، وأراد أن يلفت نظر حبيبته، غير الملتفتة لحبه، على قدرته على لخبطة الأوراق، أو معترضٌ على الحصار، أو على سُلطة حماس في القطاع، وهي الكلمة الغريبة التي تُطلق على هذا الشريط الحدودي، الَّذي لم يكن إِلَّا جزءً مِن الساحل الفلسطيني الطويل على بحر الروم. ولكنه أصبح قطاعًا منذ عام 1948، يخضع للسُلطة المصرية، ثمّ السُّلطة الإسرائيليّة عام 1957، قبل أن تنسحب، لتعود وتحتله عام 1967، قبل أن تنسحب في عام 2006م، وتبقي على النَّاس محاصرين جَوّا وبرّا وبحرّا، وكل عامين أو ثلاثة، تشن حربًا دموّية عليهم.
يَدَّعي إيال، بأنه لا يخاف، ولكنه في الواقع، كان دائمًا يتراجع أمام الأصدقاء عندما يعود إلى منزله في القُدْس الغَرْبيّة، ربما تأكيدًا للدور الَّذي لا يخلو مِن بطولة، الَّذي يطلع به في الكيبوتس الحدودي، فلا بطولة أمام الشيء الَّذي لا يُخيف، أو قبل كل شيء، ليؤكدَ لنفسه بأنه ما زال متصالحًا مع نفسه، ودلالة ذلك صدقه مع ذاته، وشعوره بالاختلاف، حتّى بين جيرانه في حي رَحَافيا العَلْمانيّ، الَّذي نشأ فيه، ويقصد مقاهيه مثقفون وصحافيون وأكاديميون، يكنون كُرهًا لا تراجع عنه تجاه مواطنيهم المتدينين. ولديهم حساسية تجاه أي شيء يتعلق بغَزّة، التي يعمل بجوارها إيال. فقدرهم ارتبط باسم غَزّة التي تتصدر الأخبار دائمًا، فشارع غَزّة هو الشَّارِع الرئيس في الحيّ، ومجرد اسمه يثير قلقًا لدى كثير مِن السُّكَان، ومِنْ بينهم بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال، الَّذي قاد الهجوم الأخير على القطاع.
خلال الحرب، وعندما كان يجلس إيال مع صديقه الصحافيّ في جريدة هآرتس أُوري، في مقهاهما المفضل في شارع غَزّة، أراد الأخير أن يقرأ له مَقَاله، قبل أن يرسله للنشر: “على الأرجح، إن حاول رئيس حكومتنا الهروب مِن دماء المدنيين، الَّذين يُقتلون في العدوان على غَزّة، حتّى لو أراد ذلك، أو أخذ إجازة بين نوبات القتل الدامي، فإنه لا يستطيع. منزله الشخصي يقع في منتصف شارع غَزّة، أمّا مقره الرسميّ، فيقع أعلى الشَّارِع، وجميع مراسلاته الشخصية والحكومية تحمل اسم غَزّة”.
مقالات أُوري الناقدة، جلبت له تهديدات، ما جعل الصَّحِيفَة تُعيّن له حارسّا دائمًا، ولكنّه كان يغافل الحارس، أو يطلب منه الجلوس على طاولة أُخرى في المقهى، ليشعر بأنه ما زال بالإمكان ممارسة فردانيته في “الدَّوْلَة الدموّية”، كما يُسمي دَوْلَة إسرائيل، ورغم أن إيال لم يكن يتفق كثيرًا مع صديقه محرر هآرتس للشؤون الفلسطينيّة، ويرى بأنَّ آراءَه اليسارية، وإيمانه بحقوق الإنسان، تجعله يغفل عن حقيقة الإرهاب المحدق بدَوْلَة إسرائيل، إِلَّا إنّه يحبه، ويحترمه، ويغبطه على شجاعته. وبالطبع كان غاضبًا جدًا، لتعرض صديقه للتهديد. فإيمانه لا يتزحزح بالديمقراطية الإسرائيليّة، وضرورة الحفاظ عليها.
أخذ إيال الأي باد من أُوري، الَّذي طلب منه مراجعة المعلومات عن شارع غَزّة، وأخذ يقرأ:
“سُمي شارع غَزّة، الَّذي يثير انطباعات ومفارقات سُكّان حي رَحَافيا، وزائريه، مع كل هجوم يتجدد على غَزّة، وأخذ اسمه ببساطة، لأنه يقع على الدرب القديمة من مدينة القُدْس إلى الساحل الفلسطيني الجنوبي، الَّذي أصبح الساحل الإسرائيلي، ومدنه المهمة مثل: عسقلان وغَزّة.
مُعظم سُكّان الشَّارِع مِن اليهود الألمان، وأساتذة الجامعات، ورجال الأعمال، والسياسيين، الَّذين حافظوا على نمط الحياة الأوروبية الألمانية، ويعتبر معقلاً ثقافيًا لليهود العلمانيين في القُدْس، ففي هذا الشَّارِع مثلاً، يمكن أن يتناول مَن يرغب منهم، وجباتٍ مِن لَحْم الخِنْزير”.
ابتسم إيال، مُحركًا لسانه بين شفتيه، وكأنه يتذوق قطعة مشوية من لَحْم الخِنْزير:
“ومنذ تأسيس حي رَحَافيا، في عشرينيات القرن العشرين، على أراضٍ اشتريت من بطريركية الروم الأرثوذكس. يحافظ شارع غَزّة على أهميته التجارية والثقافية والاجتماعية والحياتية. تنتشر على جانبيه مقاهي الأرصفة، والمكتبات، والمطاعم، والمحال التجارية المختلفة. يرتاده الصحافيون، والأكاديميون، وطلبة الجامعات، والمثقفون، الَّذين يفضلون مقاهي الأرصفة في شارع غَزّة للِّقاء، وتبادل الأحاديث العامة والخاصة، ويمكن رؤية بعض الرموز العلمانية مرسومة على جدران في الشَّارِع، مثل شعار المنجل والشاكوش”.
أراد إيال أن يبدي ملاحظة، ولكن شرود أُوري، الَّذي كان ينظر إلى الشَّارِع مِن نافذة المقهى، منتظرًا انتهاء صديقه مِن القراءة، جعله يُكمل:
“تأسس حي رَحَافيا للمستوطنين اليهود الألمان، ومنذ أن سكنه هؤلاء، يبدو إن اسم غَزّة كان يثير حساسيات معينة، فأطلقوا عليه اسمًا غير رسمي، مستمدًا من موطنهم الأصلي مثل (غَزّة-شتراسة). وأحد المفارق سُمي (غَزّة-برلين).
أمّا بالنسبة للإسرائيليين في الوقت الحالي، فإن الاسم يقضُّ مضاجع الكثير منهم، مثل ديفيد الحضري أحد الزعماء المحليين ليهود القُدْس، مِن الحزب الوطني الديني، الَّذي شغل عضوية المجلس البلديّ أكثر مِن مرة، وطَرَح في عام 2003 مشروعا لتغيير اسم الشَّارِع، لأنه برأيه: “يعيد إلى الأذهان الإرهاب والعنف”، ولأنه يعتبر غَزّة: “مدينة الإرهاب” وقال: “نحن لا نريد غَزّة في القُدْس”.
وأمام ضغوط بعض المؤرخين، الَّذين حذروا مِن أن تغيير الاسم يهدد الطابع التاريخي للقُدْس، سحب الحضري مشروعه مرغمًا، ولكنه عاد في نهاية عام 2004، عندما طرح شارون خطته للانسحاب الأحادي مِن غَزّة، ليصرخ: “سننسحب مِن غَزّة، ولكنَّها ستبقى هُنا في القُدْس”، في إشارة إلى اسم الشَّارِع الَّذي يثير حفيظته.
خلال انتفاضَة الأقْصَى، نفذت الفصائل الفلسطينيّة في شارع غَزّة، عمليتين تفجيريتين، في آذار 2002م نفذ الشاب فؤاد الحوراني عملية، أدت لمقتل أحد عشر شخصًا، قريبًا من منزل نتنياهو، وفي شهر كانون الثاني 2004، فجر علي جعّارة من مُخَيَّم عايدة في بَيْت لَحْم، نفسه في حافلة ركاب أدت إلى مقتل أحد عشر إسرائيليًا”.
لم تعجب إيال الإشارة إلى العمليات التفجيرية المكثفة في القُدْس، خلال انتفاضَة الأقْصَى، لأنها ذكرته بأناس يعرفهم، يقطنون رَحَافيا وغيرها مِن أحياء، ذهبوا ضحيتها، الأمر الَّذي عندما يتذكره، يجعله يتصور العَرَب مصدر شرور الدنيا. تابع القراءة على مضض:
“خلال فترة الانتداب البريطاني، كانت في الشَّارِع قاعدةٌ للجيش البريطاني وإسطبلاته العسكرية، ومكانٌ لتربية الكلاب العسكرية.
صَمَّمَ حي رَحَافيا المهندس المعماري اليهودي الألمانيّ ريتشارد كوفمان. فأصبح وما زال واحدًا مِن أكثر الأحياء الفاخرة في مدينة القُدْس. ولإضفاء طابع ثقافي على الحيّ، تمّ تسمية معظم شوارع رَحَافيا بأسماء علماء وشعراء من العصر الذَّهبيّ للثقافة اليهودية في إسبانيا.
وَوُجِدت في حي رَحَافيا معظم المؤسسات الصهيونيّة، مثل الوكالة اليهودية، والمنظمة الصهيونيّة العالمية، والصندوق القوميّ اليهوديّ، وغيرها.
سكن في شارع غَزّة عام 1936م الإمبراطور الأثيوبي هيلا سيلاسي، المنفي مِن بلاده، وعاش في رَحَافيا العديد مِن زعماء العصابات الصهيونيّة، ودَوْلَة إسرائيل لاحقًا، مثل: ديفيد بن غوريون، والزعيم الصهيونيّ آرثر روبين، وغولدا مائير، وأخيرًا نتنياهو، الَّذي تطارده غَزّة حتّى عقر منزله”.
قال إيال لأوري، بأنه ولكل هذه الأسباب، والتناقضات التي قرأها، لا يجد مكانًا يناسب عالم آثار مثله على وشك الجنون، ومستشرقًا غاويًا، أنسب من رَحَافيا، قطعة ألمانية في القُدْس، لا تبعد كثيرًا عن جيرانه العَرَب اللدودين في القُدْس الشرقية، الَّذين يذهب إليهم ليواصل غوايته الاستشراقية. وهم يُرسلون أبناءَهُمْ، ليعملوا في دكاكين رَحَافيا، وأحيانًا يأتي منهم مَنْ يفجر نفسه ليموت، ويأخذ معه مَنْ يكرههم، في رحلته الأخيرة إلى الآخرة.

2

لا يحب إيال كثيرًا العُمَّال العَرَب الَّذين يعملون تحت إِمرته، ومعظمهم مِن القُدْس، لأنهم لا يحتاجون لتصاريح خاصة للدخول إلى دَوْلَة إسرائيل، فهم مع تعودهم على العمل مع سُلطة الآثار، أدركوا ان عملهم يحتاج إلى جِدّيةٍ وبطءٍ وصبر، ولكنهم مع الوقت، لم يعودوا جِدّيين بالشكل المطلوب، أو كما يراه إيال. فقدوا الصبرَ، واستمرؤوا البطء، الَّذي أدى إلى كسلٍ، والكسل إلى مزيدٍ منه، فكثير منهم أصبحوا خبراء في الزوغان، والحُجَج كثيرة: الذهاب لقضاء الحاجة، والصلاة، والأكل، وحُجَج أخرى كثيرة، لا تنطلي على إيال، الَّذي مَلّ مِن التعامل المباشر معهم، وعين أحدهم عريفًا عليهم يتابعهم، ويكون وسيطًا بينه وبينهم. وكثيرًا ما سخر منهم، متسائلاً إذا كان هؤلاء الكسالى ينحدرون فعلاً من الحضارات التي عَرفها هذا الشرق؟.
يتذكر إيال أحيانًا أبا حَصِيرة، كما يُسمي العامل المخضرم القصير، السمين، الفهلوي، الَّذي بدأ العمل مبكرًا في سُلطة الآثار، عندما جاء مع والده للعمل مؤقتًا في العُطْلَة الصيفية، ولم يعد للمدرسة، التي لم تكن علاماته فيها مشجعة على الاستمرار، وكافية بما يلزم ليجعل والده يغض النظر عن تركه المدرسة.
منذ اللحظات الأولى التي رآه فيها سمّاه أبا حَصِيرة، واحتاج لاحقًا ليشرح له، بأنَّ أبا حَصِيرة هو وليٌّ يهودي قبره بالقرب مِن دَمَنهور في مصر. ينازع المسلمون اليهود عليه، ويدّعون بانه وليّ مسلم. بعد اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، بدأ بعض اليهود مِن أنحاء مختلفة مِن العالم يذهبون إلى قبره، بحراسة مئات من الجنود المصريين، يذبحون الخراف وحيوانات أخرى، ويطلبون البركة له ولعائلاتهم، ولمرضى يجلبونهم معهم، يشربون المُسْكِرات، ويأكلون المشهيات، ويُغُّنون، ويَرقصون، ويُشاركون في مزادٍ على مِفْتاح الضريح، الَّذي يرسو على أحدهم ببضعة آلاف مِن الدولارات، تُستخدم لتكاليف العناية بالضريح.
ما فاجأه، أنّه عندما بدأ يطلق عليه أبا حَصِيرة، لم يتفاجأ الأخير، ولم يسأل، وتقبل اللَّقَب. قال له إيال لاحقًا ومُفسرا: لوْ انّك تُربي لحيتك، وترتدي غطاء رأس مناسبًا، كوفية أو ما شابه، فلن يميزك أحد عن أبي حَصِيرة الحقيقيّ، الَّذي ضمن مكانه منذ زمن في الجنّة.
حصلت بين أبي حَصِيرة الفلسطيني، وبين إيال، كيمياء مُعينة، يتضاحكان، ويتشاتمان، ويتناكتان، ويتمازحان، ويسبان السياسيين العَرَب والإسرائيليين والغربيين، بأكثر العبارات الجنسية ابتذالاً، وهي عبارات كان يقول إيال لنفسه: لوْ تَعْلَم راحيل بأنه يتفوه بها، لرمته خارج المنزل، قائلة له، بأنه أصبح مثل رعاع سوق محانيه يهودْا الشَّعبيّة، ولم يكن ذلك يمنع إيال مِن الاقتراب مِن عالم العبارات الجنسية الشارعية، متذرعًا بأبي حَصِيرة وذِكر نهفاته وحكاياته، ولكنه يبقى مجرد اقتراب، فهو ناقل للبذاءة، في حدود المسموح والممنوع الَّذي تحدده راحيل، التي تتعامل في المنزل أحيانًا، وكأنها في الصَفّ الجامعي الَّذي تُدَّرسه، ليس بالضرورة بذيئًا، ولم يفكر في يَوْمٍ ما، في المدى الَّذي يتداخل فيه أبو حَصِيرة في حياته.
في أحيانٍ كثيرة، كان يلجأ له، طالبًا منه أن يقنع راحيل المتمنعة، في أوقات لا يجب أن تكون فيه كذلك، أن تنام معه، يتصل بها من الهاتف، ويقول لها بأنَّ أبا حَصِيرة يريد أن يُحدثها، فيقول لها أبو حَصِيرة وهو يضحك ويتفوه بكلماتٍ لا معنى لها، بعبريته التي تتحسن مع الوقت: لماذا تديرين ظهرك لإيال؟ سيأتي الآن ليأخذ دوشًا، ويأخذ منك شَيْئًا أحسني.. معاملته، الرجل سيفقع..!
ويضحك الجميع: إيال، وراحيل وأبو حَصِيرة، الَّذي لا يستطيع الوصول الآن للعمل، بسبب الحِصَار على المناطق الفلسطينيّة، التي تحولت إلى كانتونات صغيرة.
وعندما حاول إيال مررًا التوسط لاستصدار تصريح لأبي حَصِيرة، كانت الإجابة مِن الجهات الأمنية المسؤولة، بأنه ممنوع أمنيًا مِن الدخول إلى إسرائيل، والسبب غير واضح وغير معروف، وإيال الَّذي لديه الاستعداد دائمًا، وكأن أبو حَصِيرة يسمعه، لشتم مؤخرة وفَرْجْ الدولة، يشعر في قَرَارَة نفسه بالزهو، مِن وجود أجهزة تُعلي من اعتبارات بقرة الأمن المُقدَّسة لدى الإسرائيليّين.
راحيل التي رأينا كيف تكون متزمتة إزاء أي فُحش لإيال، تحب مكالمات أبي حَصِيرة، وكلماته الغريبة والعجيبة، هو ليس بالنسبة لها الصديق الَّذي تتوق لسماع رأيه أو تطمئن إليه، وتسمح له بالتدخل في شؤونها الخاصة، أو الشخص الَّذي يمكن أن يكون مُرَطّب العلاقة بينها وبين إيال الَّذي تحتاجه، رغم زواجهما المديد، ولكنه ذلك الشيء الغامض، الوظيفي، الَّذي يمكن أن يقول أي شيء، تُريد أن تسمعه هيَ أو إيال، ولا يؤخذ على محمل الجدية، هو الشيء الاعتراضي في حياتها مع إيال، العربي الطيب، الَّذي يُثير الشفقة والحنو مِن قِبلها وإيال عليه، ليربي أولاده، ويُعَلمهم. هو الشيء الَّذي لا تستطيع تحديد كنهه، ولكنه الموجود في حياتهما، حتّى في فُحْش سرير النَّوْم، ما دام ليس ضارًا، هو الشيء الَّذي لا تفكر راحيل وإيال بفقدانه. وإن فُقد، لن يكون غيابه حاسمًا في حياتهما.
عندما غزت دَوْلَة إسرائيل لبنان، في حزيران 1982، والهدف المعلن طرد قوات منظمة التحرير الفلسطينيّة خارجه، أُستدعي إيال للمشاركة في الحرب، وخدم في المخابرات أساسًا، بسبب إجادته الجيدة للعربيّة، وثقافته في الشؤون الشرقية، ويذكر كيف عندما عاد في إجازة مِن الحرب، واتصل بأبي حَصِيرة ليوافيه في المنزل. بعد السلامات وتبادل عبارات الاطمئنان، استبد بإيال غرور العائد مِن الحرب، الَّذي لم يكتفِ بغنيمة السلامة فقط، وإنّما بشعور الساحق للعَدُوّ ، والحامل لتذكارات مِن أرضْ العَدُوّ، منهوبات مِن قصور الخليجيين في لبنان، والمشتريات، ومنها العَرَق الزحلاوي.
تحدث إيال منتشيًا عن بطولاته، وعن المخربين الهاربين أمام النيران الإسرائيليّة، و مُعَسْكَرات الاعتقال التي أقامها الجَيْش الغازي، لحبس المئات مِن العَسْكَرِيين والمدنيين. استبد الغضب بأبي حَصِيرة، وقال له: انتم يا إيال أبطال في دباباتكم، تختبئون خلف الحديد، ولكن لا تواجهون رجلاً لرجل، انزلوا مِن مصفحاتكم، وواجهوا، وسترون ما سيحصل لكم، لن تصمدوا حتّى أمام أطفال الآر بي جي، احترم مشاعرنا يا إيال. يكفيكم قتلاً ونهبًا وغطرسة وغرورًا.
وتدخلت راحيل، طالبة عدم الحديث في السياسة، ومذكرة بالاتفاق غير الرسمي والمعمول به، بأن لا يتحدثون في السياسة أو الدين، وكادت تقول في الجنس أَيضًا، لولا أنها تذكرت ما سمحت لأبي حَصِيرة بالتدخل فيه.

3

عندما اتجه إيال لدراسة اللغة العربيّة في المدرسة الثانوية، كان يعلم، مثل الآخرين المقربين إليه من أفراد العائلة والأصدقاء والزملاء، بأنه يفكر في مستقبلٍ مع جهاز الشاباك أو الموساد، والأمر لم يكن بعيدًا عن تفكيره، ولكن بعد أن دخل الجامعة العبرَّية في القُدْس، لا يعرف لماذا اختار قسم الآثار، الَّذي لم يخطر على باله سابقًا؟ وقادته جولاته في القُدْسيْن، الشرقية والغربية، إلى اهتمام غريب بالعادات والتقاليد، والأولياء والقدّيسين، وشهد، كما كتب في مقالات له، كيف تحوّلت بعض المقامات العربيّة والإسلامية في البلاد، إلى مقامات مُقَدّسة لدى جماعات يهودية، وراقب وما يزال، الصراع على قبور القِدّيسين بين المسلمين واليهود، الَّذي أوقع عشرات مِن القتلى خلال سنوات الصراع الطويلة بين الجانبين.
وسجل مفارقات كثيرة، ففي حين لا يُظهر الفلسطينيون الآن شغفًا بقبور الأولياء، فإن الإسرائيليّين، على خلاف ذلك، وعندما اقترح على زوجته راحيل، تكليف أحد طلبتها في كلية التاريخ، دراسة هذا الموضوع، فوجيء بما وصفها بالإحصاءات المثيرة عن اهتمامات الإسرائيليّين بهذه القبور، ووفقًا للبحث، فإن ثلث اليهود الَّذين يزورون قبور الأولياء هم من الأكاديميين، وأن خمسة عشر بالمئة مِن الزوار هم مِن العَلْمانيين.
ولا تقتصر زيارة هذا النوع من القبور والأولياء على اليهود الشرقيين، كما كان الانطباع سائدًا لدى إيال، خصوصًا اليهود المهاجرين مِن بلاد المغرب العربيّ، فوفقًا للبحث، فإن عشرين بالمئة مِن زوار قبور الأولياء هم مِن اليهود الأوروبيين، أمثال إيال.
مِن خلال عمله واهتماماته، لم يكن إيال يرى قبةً تعتلي غُرْفةً صغيرة، في رأس جبل، أو وسط خلاء، أو داخل مدينة، إِلَّا وذهب إليها، ليرى كتابات عبرية على كثير منها، وسياجًا يحيطها، وعلى الأغلب، سيصطدم بمتدينين يهود يقيمون طقوسًا حولها، أو يرى الآثار التي خلّفوها، مِن شموع، وأوراق تحمل أدعية، أو خِرق معقودة على الأبواب.
لا يعرف إيال، متى أُنشئت هذه الأضرحة، والتي تحمل أسماء أنبياء ذُكِروا في العهد القديم، وشيوخ، وصوفيين، وصحابة، ممن شاركوا في الفتوحات الإسلاميّة، وأناس عاديين غير معروفين، ومِنْ الصعب معرفة أصلها، ولكن المؤكد أن أجيالاً مِن الفلسطينيين بنوها، وكانت تعني لهم شَيْئًا، وتكاد تكون معظم القرى والبلدات الفلسطينيّة أقيمت بجانب أو حول هذا النوع مِن قبور الأولياء. وهذا ما كان يزيد من شغف إيال، لمعرفة مقدار ما شكلته المزارات والمقامات والأضرحة، طوال قرون مِن النسيج الثقافي للفلسطينيين، فلها أقاموا الاحتفالات، والمواسم، والموالد، والاحتفالات الأخرى، ونظموا الأذكار، والأغاني الشَّعبيّة، والأشعار، والأدعية، والتعاويذ، وألفوا الحكايات، والأساطير عن الأولياء، وضربوا الأمثلة بهم، وارتبطت كثير من ممارساتهم بهؤلاء الأولياء والقديسين.
أمّا الآن، فإن المستوطنين والمتدينين اليهود، يبدون شغفًا غير عادي بهذه القبور والمقامات، لا يشبه شغف إيال البحثي والفضولي المعرفي، ونسجوا روايات وحكايات أخرى حولها، غير تلك المتداولة فلسطينيًا، في محاولة لإيجاد مرجعية ثقافية لهذه الجماعات، ولم يخل هذا الشغف مِن أهداف سياسية واستيطانية، جعلت كثيرًا مِن الدماء تُسفح حول هذه القبور، مثل قبر يوسف شرق مدينة نابلس، الَّذي شهد محيطه اشتباكات دموية، سقط فيها فلسطينيون وإسرائيليون، خصوصًا في بداية انتفاضَة الأقْصَى.
وأدى إصرار الإسرائيليّين على الاستحواذ على هذا القبر، الموجود وسط تجمع سكاني فلسطيني، إلى أن يقدم نُشطاء فلسطينيون على حرقه، وكأن شعارهم: “علي وعلى أعدائي”.
وبنى المستوطنون حول قبور مفترضة لأنبياء العهد القديم مستوطنات، سرعان ما تحولت إلى مدنٍ استيطانية، مثل مستوطنة (تكواع) شرق بَيْت لَحْم، التي بُنيت في منطقة يعتقد المستوطنون أن عاموس، وهو أحد شخوص العهد القديم، دُفن فيها، ويعتبرونه نبيًا، على الرُّغم مِن أن الكتاب المقدس يشير إلى ان عاموس “لم يكن نبيًا، بل كان راعي غنم”-هذا ما كان إيال يقوله ضاحكًا، عندما يلتقي مستوطنًا من تكواع.
وأدى بحث إيال إلى اكتشافات بدت مفاجئة، عندما رصد مؤشرات متزايدة على أن المتدينين اليهود لم يكتفوا بقبور الصدِّيقين الموجودة، ولكنهم أخذوا يحوّلون قبور عَلمانيين إلى أضرحة ومقامات تأخذ الطابع اليهوديّ. ومعظم هذه الأضرحة الجديدة تقع على الطرق المؤدية إلى المستوطنات، أو في أماكن قُتل فيها مستوطنون أو جنود، فيتم إنشاء أبنية تشبه الأبنية الفلسطينيّة التقليدية للمقامات، سرعان ما يتمْ تسييج الأَرْض التي تحيط بها، وتتحول إلى مستوطنات صغيرة، وإن كانت شكلاً هيَ مقامات أو قبور.
في جلستهما في المقهى، سأل أُوري إيال عن الجديد في بحثه عن المقامات، فقال له: لقد حوّل جماعتنا مقامات إسلامية ومسيحية ودرزية إلى مقامات يهودية، يقدمون لها النذور، ويوقدون فيها الشموع، في بلادٍ يختلط فيها السياسيّ الدنيويّ بالدينيّ المقَدّس. إضافة إلى إعادة الحياة لمقامات يهودية، هُجِرت خلال العهد الأردنيّ.
أُوري حذر مما سماه الاستئثار اليهوديّ بالمقامات، مشيرًا إلى انها يمكن أن تكون مُقَدّسة لدى الجميع، وتبقى في حدود التدين الشعبيّ، ولكن في هذه الأَرْض المُقدَّسة، لا يوجد ما هو مُقدس، إِلَّا قوة الحديد والنار.
إيال ركزَّ على ان دراسته للمقامات تفيده في عمله وكتاباته، لأنها تساعده على توضيح الغموض في المعتقد الشعبي والخُرافة، وتمكنه مِن المقارنة مع العادات والطقوس القديمة.

4

دعا أُوري إيال، للكتابة في صَحِيفَة هآرتس، ملخصًا لمكتشفاته، تُقدم للقراء مضمونًا أعمق لما يتابعونه مِن أخبار عن الاستئثار السياسيّ والدينيّ والاستيطانيّ للمقامات، الَّذي جعل بعض المناطق في توترٍ دائم، تُسفح فيها الدماء، ولكن إيال أراد أن يكتب شَيْئًا مختلفًا مثيرًا، وهو ما فعله أخيرًا بعنوان صارخ، أو أراده كذلك: (نبيّات العهد القديم يثرن الفتنة).
قرأ لأوري مقدمة مقاله، وهو يسترق النظر إلى وجه صديقه، ليرى مبلغ تأثير الكلمات على محياه:
“في القُدْس والأراضي المُقدَّسة، يحكم الأمواتُ الأحياءَ، وربما لا يوجد مكان في العالم يضاهي فيه تأثير الأموات على الحياة المعاصرة مثل ما يحدث في أرضْ إسرائيل، الَّذين امتد تأثير ما يثيرونه من إشكالات إلى مختلف دول العالم، واستطاعوا مِن قبورهم تقسيم العالم إلى قسمين: مؤيد أو معارض لطرفي الصراع. وفي أغلب الأحيان يستخدم أحد طرفي الصراع العهد القديم، في سلوكه السياسيّ، فيطل أنبياء العهد القديم مِن سُبات آلاف السنين، ليشاركوا في الصراع الَّذي سرعان ما يأخذ طابعًا دمويًا. ولم يقتصر الأمر على الأنبياء، ولكنه امتد للنبيات، وظهر أنّه مثلما كان تأثيرهن في السابق عظيمًا، فانه الآن لا يقل تأثيرًا وقساوة”.
أعطى إيال مثالاً على ما رصده، ما يجري في أكثر المناطق حساسية في الأَرْض المُقدَّسة، وظهور النبيّة خُلدة في الصراع الدمويّ: “تثير حكومتنا في كل فترة مسألة جبل الهيكل (الحرم القدسي)، ولا تخفي جماعات يهودية أبدًا ما يسميه الفلسطينيون “أطماعها” في المكان، لإعادة بناء هيكل سليمان، الَّذي يوصف فلسطينيًا وعربيًا وإسلاميًا “الهيكل المزعوم”، رغم ان لديهم تراثًا زاخرًا في الإشادة بهذا الهيكل، وزعم أسلافهم أنَّه عندما بنى عمر بن الخطاب المسجد الأقْصَى، بناه مكان الهيكل المدمر، الَّذي تبنوا تقديسه، ومنذ نحو قرنين، وقبل تأسيس دولتنا الديمقراطية العتيدة، وضع آثاريون غربيون تصورات عمَّا كان عليه الهيكل على تلة موريا، عندما بدؤوا عمليات البحث الأثري الكبيرة والواسعة مستهدين بالعهد القديم كوثيقة تاريخية”.
وأضاف: “المصلى المرْواني هو المساحة الموجودة تحت المسجد الأقْصَى الحالي، وهو التسوية الشرقية للمسجد -التي تمت تسويتها فوق الصخور- لتسهيل بناء المسجد الأقْصَى الحالي. وخلال الحروب الصليبية تمّ تحويله إلى إسطبلات، وسمي (إسطبلات سليمان)، وحكومتنا، وجماعاتنا التي لن يهدأ لها بال حتّى ترى دماءً غزيرة تسيل في أكثر المناطق قُدسية، يبدو انها قررت الدخول إلى جبل الهيكل، مما تعتقد إنّه النقطة الأضعف، وهي المصلى المرْواني، الَّذي يمكن الدخول إليه مما يعرف بالبوابة الثلاثية في جداره الجنوبي، وهي بوابة مُغلقة منذ زمن الصليبين، وكانت فُتحت لإدخال الخيول والأحصنة إلى إسطبلات سليمان. وقد تذكرون كيف وصل قبل سنوات إلى المنطقة أيهود باراك، رئيس حكومتنا آنذاك، ووقف أمام البوابة الثلاثية، وربما عَلِمَ حينها، أو كان لديه عِلمٌ مسبق، بانه يقف أمام بوابة نبيتنا العظيمة خَلْدة، التي كانت تتعبد في جبل الهيكل، ويبدو أنّه لم يكن يحلو لها الدخول إلى قُدس أقداسنا، الَّذي يزاحمنا عليه مسلمو العالم، إِلَّا من هذه البوابة المهيبة. اسم خَلْدة، يعني بعبريتنا: ابن عرس. أيُّ اسمٍ هذا الَّذي حملته امرأة شالوم، تنبأت بخراب الهيكل، ولكن، ولان الملك يوشيا كان تقيًا، فإن الله سيغمض عينيه إلى الأبد رحمة به، كي لا يرى بعينيه الورعتين كارثة الخراب. صدقت ابنة عُرس، وتصدق الآن، وهي على وشك الشهادة على خراب مخيف، سيتسبب به حكامنا غير الأتقياء”.
هز أوري رأسه، إشارة إلى رِضاه.
“أشعر بالقلق، لاستدعاء نبيتنا الزاهدة خَلْدة، المجهولة لكثيرين مِنّا، مِن سُباتها العميق، الَّذي لم يقلقها فيه أحد على الأرجح، حتّى تمّ تذكرها الآن، وأصبح اسمها يتردد، ليس فقط في أروقة تنظيماتنا المتطرفة، ولكن بين أروقة ديوان رئيس حكومتنا، ومكاتب رؤساء الموساد والشاباك والشرطة والمخابرات العسكرية، وربما سنرفع قريبا شعار: خَلْدة أو الموت.
الاستحواذ على البوابة الثلاثية وجبل الهيكل، رغم ما يمكن توقعه مِن ردود فعل غاضبة من جيراننا، الَّذين نستغرب أحيانًا كيف يدفعون بأنفسهم، رِجالا، ونساءً، وأطفالاً، ليموتوا برصاص جنودنا الَّذين وضعناهم على مداخل جبل الهيكل، وعلى الأسوار، لحمايتهم وهم يصلون، ليرحم الله نبيتنا خَلْدة، وليعيدها إلى نومتها، بالتأكيد لم تكن ستسعد بكل هذا العنف الَّذي يستخدم باسمها”.
ضحك أُوري، بعد أن وضع إيال الأوراق التي كان يقرأ منها على الطاولة قائلاً: “تتمنى حكومتنا المحتلة، لوْ انها تتمكن من إحياء خَلْدة، لتقود جيشنا المظفر، للسيطرة على المسجد الأقْصَى، الَّذي يقع في منطقة يعترف كل العالم بانها مُحتلة”.
طلب الاثنان مزيدًا مِن البيرة المثلجة، وشربا في صحة خَلْدة، ولكن إيال طلب أَيضًا أن يشربا في صحة راحيل:
“ليس بعيدًا عن جبل الهيكل، وعلى مشارف مدينة بَيْت لَحْم، يقع ضريح يسمى (قبة راحيل)، يُقدّس من قبل المسلمين والمسيحيين، الَّذين تبنوا جَدتنا راحيل، وأدخلوها في موروثهم الديني، على طريقة إعادة التدوير الدينية، والثقافية، والأسطورية، التي تُعرف بها الأَرْض المُقدَّسة، ولم يكونوا يدركون أنَّهُ سيأتي يَوْمٌ تتحوّل فيه راحيل، إلى مثار خلاف سياسيّ يتخذ شكلاً دمويًا. “ستنا راحيل” كما يسميها السُّكَان المحليون هيَ بالنسبة لنا أم يوسف وبنيامين، وزوجة النبي يعقوب. يقال بأنها توفيت في هذا المكان عند الكيلو 5،7 على طريق القُدْس-الخليل، وهي الطريق التاريخية التي تربط جنوب البلاد بشمالها، عندما أتاها المخاض، لتنجب بنيامين، الَّذي يقول جيراننا العَرَب، بأنه سُمي بذلك، لأنه كان “ابن يومين” عندما توفيت أمه”.
ضحك أُوري كثيرًا، وقال له بأنَّ ما جمعه من معلومات، يشبه عمله عندما يذهب إلى المدن الفلسطينيّة، ويحاور النَّاس، ويجالسهم، ويستضيفونه في منازلهم، وطلب منه أن يكمل:
“منذ أن وحَّدنا عاصمتنا القُدْس، وأعلناها موحدة لأبد الأبد، في حزيران 1967، عملت حكوماتنا المتعاقبة بدأب، وضمن خطة مدروسة، وبقوة الحديد والنار، للاستحواذ على مقام جَدتنا، الَّذي أصبح قلعة عسكرية، يحوي كنيسًا، ومن هذه المستعمرة يخرج الرصاص لقتل أطفال الجيران، وشبابهم المحتجين على محاصرة مدينتهم، ومصادرة منازلهم، وإغلاق متاجرهم المحاذية لضريح جَدتنا”.
قال له أُوري: “أتعلم؟ مِن الصعب إحصاء عدد الفلسطينيين الَّذين قُتلوا برصاص الجنود الَّذين يعتلون أبراج قبة راحيل، رغم عِلمهم أنهم ينفذون مهمة ليست مقدسة، كما قال أحد الجنود لي: في الواقع نحن نحرس قبرًا عربيًا من أصحابه العَرَب، ولهذه الغاية نقتل شبانًا وفتية عربًا أَيضًا”.
واقترح أُوري على إيال أن يكتب عن حالة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، الَّذي قال بأنه يشكِّل نُموذجًا صارخًا على حالة التأثير البالغ للميثولوجيا الدينية، في شؤون الحاضر.
توجد في المسجد أضرحة وقبور لأبي الأنبياء إبراهيم، وأبنائه وزوجته سارة، وزوجات الأبناء، مثل رِفقة زوجة اسحق، ولائقة زوجة يعقوب.
وحسب العهد القديم، فإن إبراهيم، وبعد وفاة زوجته سارة، اشترى مغارة المكفيلة مِن عفرون بن صوحار الحثّي بأربعمائة شيقل كنعاني. وهو ما اعتبره المستوطنون اليهود، وهم يلوحون بالعهد القديم، أقدم صك ملكية في التاريخ.
قال إيال: “بالطبع، زرت الخليل عدّة مرات، ودلفت إلى المسجد المقسم بين المسلمين واليهود، والمبني على مغارتنا التي اشتريناها، واكتسبت قُدْسيتها من دفن سارة فيها أولاً، ثمّ باقي العائلة الإبراهيمية، وبالقرب مِن أضرحة سارة ورفقة ولائقة، وهي أضرحة وقبور أموية ومملوكية وفاطمية، يقدسها جيراننا الأغبياء، سُفكت الكثير مِن الدماء، وأبرزها ما اقترفه دكتورنا الإرهابي باروخ غولدشتاين يَوْم 25 شباط 1994، عندما فتح النار على المصلين فجرًا، فقتل نحو أربعين منهم”.

6

عندما استقر العمل في الحفرية بعد بضعة أيّام، وأخذ طابعًا روتينيًا، أكد إيال لعَرِيف العمّال على ما يجب انجازه، وخرج متشوقًا ليجول في الكيبوتس، وليرى موقعًا مثيرًا للاهتمام بالنسبة له، وهو مقام الشيخ نوران، في خربة مَعين بمحاذاة تل جمة، وشمال تل الفارعة. كما يخبره الكتاب الَّذي معه عن أسماء الأماكن العربيّة ونظيرتها العبريّة.
سمى مؤسسو الكيبوتس كيبوتسهم مَغين، ويعنون بذلك الحماية والدفاع، ولكن بدون أن يقصدوا، عبرنوا الاسم (مَعين)، وهو ما لاحظه إيال، مُعتبرًا ذلك مِن أسرار هذه الأَرْض، التي رغم توالي الغزاة عليها، تجد الطريقة لتحافظ على حِقْبها التاريخية. هو يعلم ان لجنة تحديد الأسماء في النقب، التي شكلها بن غوريون مؤسس دولة إسرائيل مِن تسعة علماء كبار، وجدت نفسَها في حَيْرة، عَقدت أربع وعشرين جلسة عامة، واجتماعات عديدة للجان الفرعية، ونفذت جَوْلات جَوّية، وناقشت 2500 اقتراح لإطلاق أسماء على المواقع، اختارت منها 503 أسماء، منها 175 اسمًا، هيَ ترجمة مِن العربيّة إلى العبرَّية، و150 اسمًا اختيرت لقربها مِن اللفظ العربي، و50 إسمًا لشخصيات توراتية، و30 اسمًا تمّ تحديثها، و8 أسماء لم يتمْ تغييرها، و120 اسمًا تاريخيًا.
المَقَام عبارة عن مبنى حجري، أمامه ساق شجرة ميتة، ويعلوه بُرْجٌ عسكري قديم، ذكرى لما جرى في هذه المنطقة لما يسميه الإسرائيليون حرب الاستقلال، والفلسطينيون النَّكْبَة.
شكر إيال حُسن الظروف التي جعلته يصل إلى هذا المكان، في الربيع.
وراء الجدار الخلفي للمقام، الَّذي سقطت العديد من حجارته بفعل عوامل الزمن على الأرجح، تنتصب أشجار الصبّار، وحوله وعلى مساحات واسعة، نبتت أزهار الربيع الملونة بكثافة، بالإضافة إلى مقبرة إسلامية، اعتاد البَدو قبل أن يتشردوا، ويصبحوا لاجئين دفن موتاهم فيها، تقربًا، ليس فقط مِن الأحياء، للشيخ نوران، ولكن من الأموات، الَّذين حظوا بمستقر أخير قرب قبر الشيخ.
شعر بارتياح لأن اليهودَ لم يتبنوا الشيخ نوران، ولم يحولوه إلى قديس لهم، وقال لنفسه بأنهم في الواقع لا يحتاجون لذلك، فالمقام تحت سيطرتهم، وأُبقي باعتباره ثكنة رابط فيها الجَيْش المصريّ قبل دحره، في حرب 1948، ليذكّروا الأجيال الجديدة مِن أبناء الكيبوتس والنقب، والإسرائيليين عمومًا، والزوّار، بمآثر أجدادهم، وبعملية (أساف) ضدّ الجَيْش المصريّ، خلال ما يسميها الإسرائيليون المرحلة الثالثة من حرب الاستقلال.
بدأت العملية يَوْم 5 ديسمبر 1948، واستمرت بضعة أيّام فقط، خاض فيها الطرفان: العصابات الصهيونيّة، والجيش المصريّ، معارك طاحنة، وكانت بالنسبة للعصابات الصهيونيّة، أكثر حَسّمًا مِن عملية آن-فار (مناهضة فاروق).
على واجهة المَقَام، عُلقت لافتة زرقاء، عَرِف بأنها تعود لمؤسسة صيانة المواقع والبنايات القديمة، التي ﻻ يشملها قانون حماية الآثار كون المَقَام لا يزيد تاريخه عن مئتي عام.
“كيبوتس مَغين (الشيخ نوران).
قبر الشيخ نوران أقيم في أواخر القرن التاسع عشر في أعلى نقطة بالمنطقة. مِن حِجَارَة خِربة بيزنطية بالجوار. وقد استعمل كموقع عسكري في الحرب العالمية الأولى، وبعد أن أُحتل مِن قبل البريطانيين، تمّ ترميمه كبادرة حسم نية تجاه بدو المنطقة، وفي حرب الاستقلال أُستعمل كموقع عسكري مِن قبل الجَيْش المصريّ، حتّى احتل يَوْم 5-12-1948، بعملية أساف، وعند إقامة كيبوتس مَغين سنة 49، رُمّم الموقع كنقطة استطلاع وحراسة” (1).
لم يمنع ابتسامة صغيرة رُسمت على شفتيه، وهو يتخيل زميلاً له مختصَّاً بالآثار، يعد ما يجب أن يُكتب على اللافتة، ويحرص على الإشارة إلى إعادة تدوير الحجارة البيزنطية. لا يعرف لماذا كل ما يتعلق بإعادة التدوير يلفت انتباهه بشدة، وهذا ما يحدث له فقط منذ تخلي راحيل عنه، هكذا على الأقل يتذكر.
حاول الصعود إلى سطح المَقَام، ليعاين بشكل أكثر قُربًا البُرْج العسكري الصغير، ولكن عندما وضع قدمه قرب الجدار، ولم يَرَهَا مِن كثافة الزهور البَرِّيَّة النابتة، خَشي على نفسه مِن لسعات زواحف غير مرئية، فتراجع.
تملكه شعور حميم تجاه المكان، وأخذ يَحصر المعلومات التي لديه عنه، وهو ينظر إلى الوادي الَّذي غزا الربيع ضفتيه، وحوّله إلى قوس قزح ممتد مِن النباتات، وتساءل كيف يمكن لمكان يبدو معزولا مثل هذا، أن يشهد المعارك بين البريطانيين والعثمانيين، وقبل ذلك وبعده غزوات البَدو، ووجودهم الممتد عميقًا في التاريخ، ثمّ حرب 1948. وأذهله الوادي الَّذي يحمل مياه جبل الخليل، وجبال النقب، ويصب في البحر الأبيض المتوسط، وفي كل منطقة يحمل اسمًا، مثل وادي غَزّة، ووادي الشلالة، ووادي الشريعة، كما هو الحال في المكان الَّذي يقف عليه الآن، وكان يعلم بوجود جسر مُهيب على بعد مسافة قصيرة، لعب دورًا في معارك الحرب العالمية الأولى، وعيون ماء عديدة تنبع من حوافه، يعلم البَدو أمكنتها جيدًا. وهو على اطلاع، من خلال قراءاته في تاريخ النقب عن المشاكل التي وقعت بين قبيلتي الترابين والتياها على وادي الشريعة، فهو يقع بين أراضيهما، وليس مِثل السيطرة على المياه في الصحراء موجبٌ للقتال بين القبائل. وأهمية الوادي أَيضًا مِن أهمية الطريق الرئيسة، التي ربطت مدينتي غَزّة وبئر السبع، التي تمر عبر الجسر الطويل على ضفتي الوادي.
لقرونٍ طويلة، سكن البَدو في هذه القِفَار، وارتادوا وادي الشريعة، الَّذي لم يكن موطنًا لهم فقط، ولكن أَيضًا للذئاب والضِباع، وأنواع عديدة مِن الحيوانات، ويمتاز بغطائه النباتي الكثيف، وأشجاره مثل: الجميز، والكينيا، والسرو، والأشجار الحرجية، والأَثْل.
وله هزج البَدو، كما أخبره راعي أغنام التقاه قرب الوادي:
وادي الشريعة يا هنيال من جاك……..من صادفك يَوْم، طول الدهر ما ينساك
أخرج إيال من جيبه المطوية الرسمية التعريفية، عن كيبوتس مَغين:
“يقع في شمال غرب النقب، في منطقة المجلس الإقليمي اشكول، وهو محاذي للمؤسسات العامة للمجلس، والمدرسة الابتدائية والثانوية، وبناية المسرح. مساحة الأراضي الزراعية في الكيبوتس 22000 دونم.
أسس الكيبوتس نواة من منظمة هشومير هتسعير (الحارس الصغير) مِن يهود رومانيا، الذين ولدوا في البلاد، بتاريخ 16-8-1949، على موقع الشيخ نوران، موقع معارك في حرب الاستقلال، وهو أعلى نقطة في المنطقة، وتستعمل كمطل على مستوطنات أشكول، وجنوب قطاع غَزّة.
مصدر الدخل الرئيس للكيبوتس هو مصنع “ايكو انرجي” لإنتاج الطاقة السوﻻرية. أمّا الزراعة فهي: البطاطا، والفستق، والفجل، والقمح، ويوجد حظيرة أبقار بمشاركة كيبوتس إري، بالإضافة إلى أشغالٍ خارجية” (2).
ما أثار خياله، تأسيس الكيبوتس على أيدي أعضاء هشومير هتسعير، الَّذين طالما اعتبرهم أبطاله، يُذكرونه بمآثر الطلائع الصهيونيّة، التي كان همها البناء، ولذا فانهم لم يضيعوا وقتًا، بعد الانتصارات التي حققتها العصابات الصهيونيّة على الجَيْش المصريّ، على طول التلال وجانبي وادي الشريعة، وبعد تراجع الجَيْش المصريّ، وضعوا حجر الأساس للكيبوتس.
تأسست هشومير هتسعير عام 1913، في أوروبا، على مباديء الصهيونيّة الاشتراكية، وجمعت آلاف الفتية اليهود، وانتقلت إلى فِلَسْطِين، لتؤسس في عشرينيات القرن الماضي العديد من الكيبوتسات. إيال لم يخفِ في شبابه تأثره بهذه الحركة، وبقادتها المبادرين، ووصاياها العشر، والقمصان الزرقاء التي يرتديها الأعضاء، والرموز التي يتبنونها، مثل: نَجمة داود، والخطوط البيضاء الثلاثة، التي ترمز إلى القيم الثلاث الرئيسة للحركة: الصهيونيّة، والاشتراكية، والأخَّوة بين الدول، وزهرة الزنبق، رمزًا للحركة الكشفية، وشجرة البلوط ترمز إلى الطبيعة والجذور، وشجرة الزيتون ترمز إلى السلام، واللون الأحمر يرمز إلى الاتصال بالاشتراكيّة الدوليّة.

7

أراد إيال، معلومات إضافية عن الشيخ نوران، الَّذي كان حظه أفضل من مقام آخر على ضفة وادي الشريعة، هو مقام أبي هريرة، الَّذي دُمِّر في السنوات الأخيرة. والَّذي حظي باهتمام من قبيلة الملاحة، وهو نموذج للتسميات الصوتية، كما يسميها إيال، فصاحب رَسول المسلمين هذا، أصبح اسمه أبا هارور، والتلة التي بُني عليها، سُميت تل أبي هارور، وهو اسم لا معنى له بالعبرية، وهناك في المنطقة مقام آخر للشيخ صَليب، بجانبه مقبرة.
طلب مساعدة أُوري، الَّذي ضحك كثيرًا مِن شغف إيال بالمقامات قائلاً: المهم أن تتوقف عن مطاردة الأموات، وتفكر بالأحياء أصحاب الأَرْض، الَّذين طهرهم جيشنا، الَّذي يفخر بطهارة سلاحه، عِرقيًا من أرضهم، فكر أين ذهبوا؟ وماذا يمكن فعله لإعادة الحقوق لأصحابها؟.
إِستُفِزَّ إيال مِن كلام أُوري قائلاً: ما حدث حدث، نحن انتصرنا، وهم هُزموا، ولوْ انتصروا، لكانوا ذبحونا، واغتصبوا نساءنا.
اتصل إيال بأبي حَصِيرة، طالبًا منه المساعدة، إذا كان يعرف أحدًا مِن اللاجئين من خِربة مَعين، أو (مَعين أبو ستة) على اسم القبيلة المعروفة.
وكرر الاتصال أكثر مِن مرة بأبي حَصِيرة، الَّذي حاول مساعدة صديقه، عندما عَلِم باهتمامه المُلِح بالمسألة، ولكنه عندما يسأل، يعرف بأنَّ معظم اللاجئين مِن تلك المنطقة إِمّا في قطاع غَزّة، أو في الشتات.
وخلال زيارته لكبار السن الَّذين يعرفهم، عَلِم بالمكانة التي تمتع بها الشيخ نوران لدى النَّاس في النقب، الَّذين كانوا يزورون المَقَام، ويفون النذور، ويذبحون الحيوانات، ويطلبون البَركة.
ظلّ إيال على اتصال مع أبي حَصِيرة لتحفيزه، على البحث، ولم تكن النتيجة سيئة، اتصل به أبو حَصِيرة بعد أسابيع، وقال له بأنه سيرسل إليه، عبر الايميل صفحة مِن كتاب وجده عند صديق مثقف، للمؤرخ سليم عرفات المبيض، ذكر فيه، أن الشاعر ابن زقاعة الغزي، لم ينسَ مواقع رموز أهل التصوف مِن أولياء الله الصالحين على ضفاف وادي غَزّة، مِن أمثال الشيخ نوران، والمنطار شرقي غَزّة، الَّذي التجأ كثيرًا لإحدى مغاراته، عاكفًا ومتصوفًا فنظم:
قل بل عنصر عند “نوران” كذا ولذاك منطــاراً قام بغــزة
ولخص أبو حَصِيرة ما جمعه عن الشيخ نوران، بأنَّ مكانته كانت عظيمة لدى البَدو، يقصدونه للتبرك، ويضعون في المَقَام الزيوت، ويشعلون الشموع، ويعلقون الخِرق. والذهاب إليه بمثابة مسار ديني وترفيهي، فيحمل الزائر منهم طعامه، ويذهبون جماعات وعائلات على خيولهم وجِمالهم، مهللين فرحين، والنساء تطلق الزغاريد:
يا شيخ نوران عربانك جلت عندك
سمر المسايح على عسلوج يردك
يا شيخ نوران نذرك كبش وقلادة
من يوم قالوا سميح الوجه في بلاده
وقال أبو حَصِيرة لإيال: أرجو أن لا تطلب مني تفسيرا لهذه المنظومات، لأنني لا أعرف بعض المفردات التي يذكرونها.
وأشار أبو حَصِيرة، حسب معلومات جمعها بمساعدة أولاده، مِن مواقع فلسطينية الكترونية، تهتم بالقرى المهُجرة، إلى ان البَدو، اختلفوا في هوية الشيخ نوران، وهل هو وليّ صالح، أم نبيّ مُرسل من عند رب العالمين، ولكنهم اتفقوا على أنّه عاش نحو 1500عام. وعندما قال ذلك، جاءته قهقهة إيال على الهاتف. فقال له: لا تضحك يا إيال، لديكم أنبياء عاشوا أكثر مِن نوران بكثير..!.
وأضاف المزيد:
“العبارة التي ردَّدها البَدو، والمتعلقة بالشيخ نوران: الشيخ نوران نوره بان، ومِن كراماته، أنَّه عندما مدّ الأتراك، الَّذين تحسبوا للمواجهة المقبلة مع الانجليز، خَطّ سكة حديد، كان المسار يَقسم المَقَام إلى قسمين، ولكنهم عندما كانوا يأتون صباحًا، يجدون أن قطع الحديد، والأدوات اللازمة لتشييد السكة، وببركة الشيخ نوران، قد أُزيحت بعيدا عن المَقَام. ومع تكرار ذلك، خضعوا مضطرين لإرادته، وغيروا مسار السكة”.
هذه المرة لم يضحك إيال، وقال: أعرفها هذه السكة، بقاياها ما زالت موجودة.

8

رغم بطء العمل، وآذار المتقلب في كيبوتس مَغين، إِلَّا أن هناك دائمًا ما يخدش رتابة الملل، باكتشافات صغيرة تظهر تباعًا، تجعل إيال يشعر بأهمية وجوده هُنا، خصوصًا عندما يكتب في تقريره اليومي بنبرة الواثق، محددًا الموقع، باعتباره مستوطنة بيزنطية متأخرة، وإسلامية مُبكرة، ويبتسم وهو يتخيل شكل البيان الصحافيّ الَّذي سيمليه في النهاية على مسؤول الإعلام في سُلطة الآثار، ويشير فيه بتذاكٍ وبتظارف، إلى أَنه يبدو ان المسلمين الأوائل أبدوا تسامحًا غير معهود مع أعدائهم البيزنطيين، الَّذين سُمح لهم، أو لبقاياهم، بممارسة عباداتهم، كما تظهر الدلائل الأثرية.
ألهى إيال نفسه، بالاهتمام بجدران المباني العامة المكتشفة، وصهاريج ونظام مُحكم مِن قنوات التصريف، ومساحة ممهدة بالبلاط والحجارة، وأفران كبيرة، وغيرها مِن المرافق، حرص على ذِكرها بالتفصيل، ومراحل الكشف عنها. لعله منَّى النفس بأن تؤول دفاتر اليوميات الأثرية هذه إلى أجيالٍ مُقبلة، لا يعرف أحد هويتها، ستقرأ بشغف ما كُتب في هذا المكان، الَّذي يبدو ان الله خلقه لينتظر،… ينتظر كشفًا جديدًا، صاروخًا جديدًا، حروبًا أخرى.
حِرصه على تسجيل التفاصيل مُفيد له، ليس لأنه سيُذَكّره في يَوْمٍ من الأيَّام عندما يتقاعد، بمآثره في مجال الآثار، وهو يعيد تصفح الدفاتر التي خَطَّها، ولكن لأنه من المهم أن يذكر في تقريره اليومي والنهائي المرفوع إلى المسؤولين في السُّلطة، وهم مثل باقي البيروقراطيين، مغرمون بالأوراق والانجازات والأرقام، الكثير من التفاصيل.
وهو يجلس تحت مِظَلَّته يفكر، ويتأمل الرَصّفِية وسط المستوطنة البيزنطية-الإسلامية المكتشفة، شعر بشيء يشبه الشعاع غير المرئي، يخدش عينيه، صادر عن حجرٍ مُلقىً في الرَصّفِية.
كان يعلم ان هذه الرَصّفِية عبارة عن حِجَارَة بناء مِن عصور سابقة، تمّ تدويرها وإعادة استخدامها. إعادة الاستخدام هذه شائعة في الأراضي المُقدَّسة. مِن خلال عمله أو جولاته يدرك إيال كيف بنى فلاحون فلسطينيون عمارتهم التقليدية مِن حِجَارَة خِرب، تعود لحضارات سابقة، ويمكن ان تجد منزلا لمسلمين ورعين، وعند التدقيق ستجد مثلاً حجرًا منقوشًا عليه شارة الصَّلِيب، يمكن معرفة الفترة التي يعود إليها مِن شكل الصَّلِيب، يمكن ان يكون نَقَشهُ مِعماري صليبيّ، أو يعود لفترة أسبق لمِعماري بيزنطيّ، ليس مثلهم هؤلاء البيزنطيون قدرة على الإدهاش، مستوطناتهم تظهر في كل مكان، ورثة الرومان، ومُتبنو الدين الجديد، أعطوا الأَرْض المُقدَّسة هويتهم، التي استمرت في أوجه كثيرة حتّى اليَوْم.
تذكر ما قرأه لابن خلدون: “العَرَب أمة وحشية، أهل نهب وعَبَث، وإذا تغلبوا على أوطانٍ، أسرع إليها الخراب، يهدمون الصروح والمباني، ليأخذوا حجارتها أثافي للقدور، ويخربون السقوف؛ ليعمّروا بها خيامهم”.
وما ذكره ابن خلدون، يصح أَيضًا على كل مَنْ استوطن هذه البلاد، مِن سُكّان الخيام، والمغر، والقصور، والفيلات الحديثة. الكل يُدوّر، تكاد تكون الحجارة هيَ نفسُها، التي بُنيت منها المعابد الوثنية، ثمّ الكُنس اليهودية، فالكنائس المسيحية، فالمساجد الإسلامية.
عندما بدا له أنّه رأى شَيْئًا في هذه الرَصّفِية، سيقول فيما بعد أن شَيْئًا غريبًا طرق جوانحه بشدة، جعله ينهض عن كرسيه، ويتقدم نحو الحجر الغريب، الَّذي ميزه بين حِجَارَة الرَصّفِية الكثيرة، كيف تنبه له؟ هل هيَ العَيْن المدربة؟ أمّ تلاقي خواطر تفكيره في الأمم السابقة، وفرت له اتصالاً ما، لا يعرف كنهه، مع أولئك الَّذين يعيشون في العالم الآخَر؟.
عندما وصل الحجر، أيقن أنَّه فعلا مختلف. أراد أن يطلب مِن أحد العمال مساعدته في نزعه بوساطة نباشة صغيرة، ولكنه قرر، مدفوعًا بحسِّ لحظة تاريخية، أن يمدَ يده بنفسه، وهذا ليس تواضعًا، بقدر ما هو شغف يميز كثير مِن الآثاريين.
التقط الحجر، ولكنه لم يكن كأي حجر، متطاول بشكل غريب، ولكن المفاجأة الحقيقية، كانت عندما قلبه، وعلم أَنَّه لم يكن يرى إِلَّا خلفه، كانت المفاجأة التي جعلته يصرخ: وجدتها، وجدتها، وكأنه يردد صدى كلمة العالم الإغريقي: يروكا يوركا.
جامله العمّال بالضحك، فهم على دراية بغرابة أطوار عالم الآثار هذا، وليس هو فقط، فبالنسبة لهم كثير مِن العلماء يصنفون في خانة المجانين، وهذا ما يرددونه بين أنفسهم خلال وجبات الأكل، فهم يهمهم فقط البحث عن العُمْلات النقدية أو قطع ذهبية، وإخفاؤها إذا تمكنوا من ذلك، كي يبيعوها في السوق السوداء، ورغم خشيتهم من المسؤولين الإسرائيليّين، إِلَّا انهم يخَشْون مِن أنفسهم أكثر، يعرفون ان آفتهم الوشاية، ويردد الواحد منهم على مسمع الآخرين، بأنَّ العَرَب وُشاة بالفطرة، وهناك الأمثلة الكثيرة عن قَصَصٍ عديدة، تتمحور حول عُمّال وجدوا سبعة جرار ذهب في تنقيب، فاختلفوا، وتقاتلوا، فجاء المسؤول اليهودي، وأخذ كل شيء، ورماهم في السجن. هذه الحكاية النموذجية لا يمل العمال العَرَب من تكرارها، أو سَماعها.
ابتسموا له وضحكوا وصفقوا، كان هو بحضرة تمثال صغير يمثل دُلْفِين مُفترس، يلتقط سمكة. لم يكن بحاجة إلى تفكير كثير، ليدرك روعة وفنية التمثال الرخامي، الَّذي جعله يرى نفسه محظوظًا في هذه الحفرية الإنقاذية، التي تسبق مدّ خَطّ للمياه في النقب الشمالي.
وهو يُقلب الدُّلْفِين، عرف بان ما لديه ليس إِلَّا جزءً من شيء أكبر، وتصوّر نفسه وهو يدلي بتصريح للصحافيين عندما يتدفقون إلى الموقع: “هو تمثال من الرخام ارتفاعه 42سم، على شكل دُلْفِين يفترس سمكة، يعود تاريخه على الأرجح إلى الفترة…” تخبط في المسألة، أدرك ان الأمر يحتاج إلى دراسة.

9

غلاف مجموعة قصصية للكاتب اسامة العيسة رسول الاله الى الحبيبة
غلاف المجموعة القصصية للكاتب اسامة العيسة بعنوان “رسول الاله الى الحبيبة”

لم يهتم كثيرًا لمسير الحفريَّات في باقي الأيَّام، ومنع نفسه مِن التفكير بانه يعمل بجانب برميل بارود لا أحد يعرف متى ينفجر، أو أي مجنون يمكن أن يكون له السَبَق في ذلك، والمقصود قطاع غَزّة اللعين والمسكين، وأهله المحاصرون.
في الأيَّام اللاحقة، وبعد أن نجح في إثارة اهتمام رؤسائه بالتمثال، وصل العديد مِن زملائه إلى الموقع، لمناقشة كل ما يتعلق بالدلفين الصغير، أصبح هناك إجماع بأنَّ التمثال يعود للفترة الرومانيّة، نَحته شخص ما قبل نحو ألفي عام، ولكن كيف تسلل إلى المستوطنة البيزنطية؟ هذا هو السؤال المحير، وقرب بحر غَزّة، هذا البحر الَّذي تخرج منه عناصر حماس من الضفادع البشرية، وتطير فوقه الصواريخ المحلية الصنع، بينما هم يرسلون فوقه وبجانبه، آلات الحرب العنيفة.
في الأيَّام التالية، انتظر وصول الدكتورة رينا، المتخصصة بالفترة الرومانيّة، ورغم أَنَّه كان بحاجة إلى آرائها، إِلَّا إنّه حَصَّنَ نفسه أمام ثِقل ظلها، وعشقها لاستعراض معلوماتها، بمراجعته لعدة مراجع أثرية وتاريخية.
جلست الدكتور رينا، على كُرسيِّ أمام طاولة المَيْدَان، كما يُسميها، بينما جلس هو على الطرف الآخَر من الطاولة، وبينهما الحجر، الَّذي لا يعرف لماذا أقدم نَحّات رومانيّ على تشكيله على هيئة دُلْفِين؟ ولماذا يهتم اثنان من علماء الآثار في دَوْلَة جديدة تدعى إسرائيل، لا تكاد تلتقط أنفاسها مِن الحروب التي تخوضها، كل هذا الاهتمام؟
الدكتورة ربنا، وكنوع مِن الفذلكة، كما سيصف ذلك لاحقًا، لصديقه أُوري، بدأت تشير للدُّلْفِين، باعتباره (خِنْزِير البحر)، وبعد تقليبه وفحصه، وتبادل الكلام مع إيال، قالت بتأكيد، لم يكن لإيال إِلَّا أن يوافقها عليه: “يبدو خِنْزِير البحر مجرد جزء صغير مِن تمثال أكبر، ارتفاعه التقريبي بطول رَجل طويل القامة، مثلك يا دكتور إيال، يمثل إلهًا أو آلهة مرتبطة بخنازير البحر، ومن الممكن أَيضًا أن التِّمْثَال لإله البحر بوسيدون”.
كانت الدكتورة على الأرجح، كما قال لنفسه، حضّرت نفسَها جيدًا، وكان مستعدًا لتلقي المعلومات والخطابات بحماس، واستمع إليها وهي تتحدث عن بوسيدون حسب الأساطير اليونانية القديمة، فهو ابن الجبارين كرونوس وغايا، وشقيق كل من زيوس وهيرا وديميتر آلهة الأَرْض والخصب، وهاديس سيّد العالم السفلي. وهو يُعتبر مِن الآلهة الأولمبية العظيمة، لأنه وزيوس وهيرا من أقدم الآلهة، متزوج مِن أمفيتريت، إِلَّا أنَّ له ارتباطات مع غيرها من الزيجات، سواء الإلهية الخالدة، أو الإنسانية الفانية.
ووفقًا للأساطير اليونانية، وقع بوسيدون في حُبّ أمفيتريت، عندما رآها ترقص مع أخواتها في جزيرة ناكسوس، فقرر أن يتزوجها، ولكنَّها هربت منه، فأرسل بوسيدون دُلْفِين ليجد حبيبته، ويكلمها، ويقنعها بالزواج مِنه.
وهما يتناقشان جالسين على طاولة المَيْدَان، أراد هو الآخَر استعراض معلوماته، مشيرًا إلى ان عبادة بوسيدون وأفروديت، معروفة في المدن الساحلية الجنوبية في فِلَسْطِين القديمة، مثل عسقلان، التي كان فيها معبد هام لافروديت-أورانيا، وتم العثور على نقود قريبًا من عسقلان وغَزّة، تحمل صُوَر بوسيدون.
وحاول أن يشد انتباه الدكتورة إلى جهة نقاش أخرى، بالإشارة إلى الشيخ نوران، وإذا ما كان هذا القديس الإسلاميّ تطوّر من تمثال الدُّلْفِين-الإله، ولكنه تراجع في آخر لحظة، تاركًا الموضوع له وحده يبحث فيه، لعله يكتشف شَيْئًا مُبْهِرًا يعزز مكانته كعالم آثار، ويعوض عليه ملل أيّامه في كيبوتس مَغين.
واتفق الاثنان، على أنَّ الغموض ما زال يحيط بالتِّمْثَال: من أين جاء؟ وفي أّية ظروف تعرض للكسر؟.
في المساء، وهو يجلس مع أُوري في مقهى رَحَافيا، قال: “قد تعتقد أن اثني عشر ميلاً في اليابسة من البحر الأبيض المتوسط، ​​هو آخر مكان يمكن العثور فيه على دُلْفِين يمسك سَمَكةً بين فكيه، يمكن أن يكون جزءً من تمثال لافروديت آلهة الحب والجمال، التي وُلدت من زبد البحر، أو لبوسيدون إله البحر، ما هو أصل التِّمْثَال؟ مَن دَمَّره؟ ومتى؟ وتحت أي ظروف؟ ومَنْ أحضر الدُّلْفِين قريبًا من الشيخ نوران؟”.
كان يقول ذلك، وهو يتذكر دون سبب موجب، أبا حَصِيرة، الَّذي قال له يوْمًا بانه رَسول الحب بينه وبين راحيل. الجميع يحتاجون إلى رُسل حب، حتّى الآلهة.

10

كان يمكن للقِصَّة أن تنتهي بالنسبة لإيال، وتدخل في باب استرجاع الذكريات في جلسات المقهى، ومساءات القُدْس الصيفية الرَّطْبَة، وينشغل بقصَصٍ أخرى، ولكن بعد شهرين مِن الإعلان عن اكتشاف الدُّلْفِين الأثري، صَدَرَ إعلان مثير للاهتمام مِن غَزّة، نقله إليه أُوري، الَّذي هاتفه في ساعة متأخرة ليقول له بأنَّ وسائل الإعلام الفلسطينيّة تناقلت خبرًا، يفيد بضبط دُلْفِين قبالة سواحل غَزّة، مهمته تنفيذ اغتيالات.!!.
ضحك إيال، وقال لصديقه:
-لا شك بأنك تمزح..!
رد أُوري:
*أنت مثل مجتمعك الَّذي لا يريد أن يرى أبعد مِن أنفه، تعتبر كل ما يصدر عن غَزّة مزاحًا..!
_وهل تريدنا أن نكون مثلك معصوبي العينين، بكل ما يتعلق بغَزّة، وجيران السوء..!
*طيب، بدون مناكفات، اسمع ماذا كتبوا:
” كشفت مصادر خاصة، أن عناصر من الضفادع البشرية التابعة لكتائب القسّام الجناح المسلح لحركة حماس، أحبطت عملية خاصة لقوات البحرية الإسرائيليّة قبالة سواحل غَزّة منذ أيّام قليلة. وحسب المصادر، فإنه تمّ الكشف عن تحركات غريبة لدُلْفِين، قبالة المنطقة الساحلية المجاورة لميناء غَزّة، تابعتها مجموعة من أعضاء الكوماندوز البحريّ للقسّام..!”.
*وهل لحماس كوماندوز بحري؟
-اترك الأسئلة للنهاية، اسمع يا أخي: “..وظهر على الدُّلْفِين، جهاز مُثبت، لمتابعة أيّة حركة تحت الماء ومراقبتها”.
*هههههههههه..!
-وأشارت المصادر، التي لن يعرف القراء مَنْ هيَ أبدًا، كما هيَ عادة وسائل الإعلام الفلسطينيّة: “إلى ان مختصين مِن كتائب القسّام وصلوا للمكان، بعد نجاح أفراد الضفادع البشرية بالسيطرة على الدُّلْفِين، وتم إخراجه إلى الشاطيء، ليتسنى لهم فحصه، حيث ظهر عليه جهاز يمكن التحكم فيه عن بعد، وكاميرا تبث ما يمكن أن يلتقطه الدُّلْفِين”.
-كاميرا؟..يا للدُّلْفِين المسكين..!!
*وبحسب المصادر نفسها، الغامضة والغريبة: “فإن الجهاز الَّذي وُجد بمقدوره أن يطلق أسياخًا وسهامًا صغيرة كان يحملها، تستطيع قتل أي إنسان يُبحر إلى عمق مُعَيّن تحت الماء، أو إصابته بجروح خطيرة على الأقل، مبينةً (المصادر العتيدة) ان سلاح البحرية الإسرائيليّة كان يهدف مِن ذلك إلى استهداف عناصر الكوماندوز البحريّ للقسّام خلال التدريبات، أو مراقبتهم على الأقل في الفترة الحالية. ولفتت (بالطبع المصادر) إلى ان الكتائب ما زالت تفحص ما يمكن أن يحمله الدُّلْفِين من أجهزة أخرى، مشيرةً إلى أن تعليمات صدرت للكوماندوز البحريّ بأخذ الحيطة والحذر والتنبه من ذلك”.
-ههههههههه..يبدو ان حماس تابعت ما نشرناه، فألَّفت هذه القِصَّة، أو ان مخابراتنا، استقت الفكرة من دُلْفِيننا المسكين، بعد أن أعدنا له الحياة..!
*مبغضو حماس، استغربوا الأمر، وتساءل بعضهم على الفيس بوك ساخرًا، إذا كان الدُّلْفِين المقبوض عليه ذكر أم أنثى؟ ولكن عالم بيئة رصين استفسرت منه، أفادني بأنَّ الحيوانات قد استخدمت لأغراض تجسس وهذا معلوم علميًا وأمنيًا..!
-أخبارك المثيرة تكفي لهذه اللَّيْلَة، غدًا نكمل البحث في موضوع صديقنا الدُّلْفِين، في المقهى، لَيْلَة سعيدة..!

آب 2015م

و(2): أشكر الباحث خالد حمّودة على ترجمته الفقرتين مِن العبرَّية إلى العربيّة خصيصًا لهذه القِصَّة.

من المجموعة القصصية التي تحمل نفس الاسم، صدرت مؤخرا في القدس

[email protected]