سفيان رجب: هذا العالم قصة قصيرة

سفيان رجب

1

يبدو هذا الوجود كتابا عظيما، وتبدو حيواتنا قصصا قصيرة تشكّل نسيجه السرديّ. حين ننظر في السرديات الكبرى نجدها تحاكي كتاب الوجود، فهي بالأساس عناقيد قصص قصيرة متلاحمة، تفضي القصّة منها إلى الأخرى.

 

2

أتصوّر أنّ الإنسان حين احتاج ليخاطب ذاته اكتشف الشعر، وحين احتاج ليخاطب الآخر اكتشف السّرد، لذلك فإنه بعد الحرب العالمية الثانية والتي كانت شرارتها انطلقت من عدم فهم الآخر، كان مشروع الفكر الإنساني أساسه هذه النقطة: محاولة فهم الآخر، وكان المنجم الذي فتحه الإنسان لبناء مشروعه الفارق هذا هو السرد، فظهرت مشاريع الرواية والقصة الحديثة التي هتكت التصوّر الميلودرامي المطمئنّ، والذي يقوم على ثنائية أنا الملاك والآخر الشيطان.

 

3

حين كتبت “روايتي” القرد الليبرالي جعلت بطلها كاتب قصّة، بل إنني وضعت مجموعته القصصية التي كتبها في الرواية كوتدٍ تدور حوله الأحداثُ.

 

4

كلّ فنّ منبعه الطفولة.

فتحت عينيّ على الحياة في بيت جدي، بيت ناء في حقل زيتون ولوز، كنت أقصر من سنابل القمح، أمارس ألوهيتي على النمل والجنادب والحلازين… أطعمها أحيانا، وأفتكّ منها قوتها أحيانا أخرى، وربما بدأت نصوصي الأولى تتشكّل منذ تلك اللحظات. كان جدي مؤدّبا في القرية البعيدة، وكنت أرافقه قبل شروق الشمس، متأبّطا لوحي مثلما يتأبّط طفل اسكندنافيّ لوح تزلّجه على الجليد، في جيب معطفي أخبئ دواتي وحبري الذهبيّ “السمق” كما كان يسميه جدي، هو مسحوق من صوف محترق ممزوج بماء، كنت أخطّ به الحروف العربية على لوحي، وأرتّلها مع الصبية الذين ينحنون على ألواحهم قبالة جدي المؤدّب.

أتذكر حين دخلت المدرسة، كان جدي يسألني: ماذا تريد أن تعمل حين تكبر؟. كنت أجيبه: سأصبح كاتبا.

في العاشرة من عمري تقريباً، أواخر المرحلة الابتدائية من التعليم، بدأت في كتابة قصص وخواطر، كنت أحتفظ بها لنفسي، تستطيع القول إنها الخميرة الأولى للكتابة رغم سذاجتها وعفويتها. لكن البدايات الواعية الأولى كانت في بداية الألفية الثالثة، حيث بدأت أنشر نصوصاً في مجلة الحياة الثقافية، مجلة وزارة الثقافة التونسية، نصوصا أثارت جدلاً بين الكتاب والمثقفين التونسيين… كانت نصوصا ممسوسة بنار السوريالية لكنها تنحت أصالتها بعيدا عن المألوف وهذا بشهادة أغلب النقاد الذين اطلعوا على التجربة خاصة في كتاب الحدائق المسيجة الذي صدر في نسخ محدودة عن بيت الشعر التونسي، والذي أعتبره أساس تجربتي الأدبية.

 

5

بدأت كتابة “الحدائق” في السنة الخامسة من الألفية الثالثة، كانت فكرتها تقوم على استعادة روح السرديات الأولى، لكن بتفريغها من هالاتها المقدسة، وبدمغها بطابع ساخر، كنت أبحث عن الحبل الأول الذي قاد الوحش إلى قفصه في الحديقة. هذا المشروع ثبّته أكثر في كتابي القرد الليبرالي، والذي كتب الناشر على غلافه رواية، وورّطني في حملة من الأسئلة النقدية الملحّة:

– لم تحوّلت من كتابة الشعر إلى كتابة الرواية والقصة؟

كان هذا السؤال جنديّا منضبطا من جيش النقد التقليديّ الذي يحرس الحدود بين الأجناس الأدبية، ويطلق النار على كلّ من يحاول محو تلك الحدود. الحقّ أنا لا أحمل إجابات واضحة في ما يخصّ هذه الإشكاليات الأجناسية تحديدا، يحدث أن نظلّ شعراء في السرد ويحدث أن يموت الشاعر فينا ونحن لم نفارق القصيدة.

في قصائدي ثمة سرد كثيف أيضا، وقصصي لم تنج من الاستعارات ومن هندسة قصيدة النثر التي ترفض المجانية. شخصيا أفكّر داخل الكتابة بالمعنى الدولوزي الذي ينظر إلى الفنّ كبيت للفيلسوف.

 

6

الكثير من النقّاد يسألون عن السخرية في كتاباتي.

السخرية في منطلقها هي ملاذ من إكراهات الواقع ومن حرّاسه المنضبطين ومن اليقينيات البليدة، لكنها في عمقها هي غابة من الاستعارات المخاتلة والمرحة التي تمجّد الطفوليّ والمشاغب فينا، وهذا ما نجده في القرد الليبرالي، فالبطل شابّ ريفيّ من الجنوب التونسيّ يجد نفسه في العاصمة تونس، في البداية يلوذ بالسخرية من كلّ ما يحيط به، لكنه يتحوّل إلى كائن مثير للسخريّة.

شخصيا تمثّل السخرية أسلوبا خاصا بي، وربما يتعلّق الأمر بشخصيتي وبطريقة تفكيري أيضا. ستقوى سخريتي أكثر في الساعة الأخيرة: السخرية من البراغماتية المقيتة للنظام العالمي الرأسمالي، وفضح منظوماته وهتكها، فالنصوص التي أكتبها تحفر في التاريخ الانساني المليء بالخدع والمغالطات، وتنتصر للفكر الهامشي الذي يضحك من المنطق.

إنّي أفعل ما فعله ديوجين حين نتف ريش دجاجة وقال لهم: هذا إنسان أفلاطون الذي عرّف الإنسان على أنه حيوان أملط وذو ساقين.

تفكك كتاباتي تاريخ التدجين البشري، وتلعب على الخيط الفاصل بين الإنسان والحيوان.

 

7

جائزة للقصّة في الكويت، وكتابي القصصي الأول يصل إلى قائمتها القصيرة، إنها قصّة حقّا بما في الكلمة من معنى: أواخر الثمانينات، وتحديدا في شهر أكتوبر من سنة 1989، كان عمري عشر سنوات ولم أكن أعرف شيئا أبعد من قريتي الصغيرة التي أدرس فيها، والطريق الترابية التي يذهب منها الكبار إلى المدينة، كنت أسير في طريق مدرستي حين وجدت قطعة نقدية من فئة دينار تونسي، كانت كنزا في جيب طفل ريفيّ يلبس حذاء بلاستيكيا مهترئا، وكانت تكفيني مؤونة شهر كامل من الحلوى والشوكولا الرخيصة، لكنني اخترت أن أعطي الدينار إلى معلمتي، وقلت لها آنستي اشتري لي بها مجلة، كنت أتصوّر أيامها أنه لا يوجد شيء اسمه مجلّة سوى مجلة عرفان التي كنّا نقرؤها في المكتبة المتجوّلة. اشترت لي المعلمة “مجلة العربي”، كانت مجلة للكبار لكنني فرحت بها كثيرا، وقرأتها كلّها، فهمت منها ما فهمت، واستمتعت بصورها الجميلة، وحين التحقت آخر تلك السنة بالمعهد الثانوي، صارت مجلة العربي النجمة التي أنتظر اطلالتها كل شهر في مكتبة “السلامي” المكتبة الوحيدة في مدينة النفيضة التي تبيع المجلات، وحرب الخليج أيامها كانت ترجمتها لي أنا الصبيّ الصغير هي أنّ مجلّة العربي توقفت عن الوصول إلى مدينتي الساحلية الصغيرة، لم أكن أعرف عن الحرب شيئا، لا أقرأ جرائد، ولا تلفاز في مبيتنا الثانوي الذي كان يشبه المعتقل.

بعد ثلاثين سنة بالتمام يأتيني هاتف من الكويت:

– ألو صباح الخير، معي الأستاذ سفيان رجب؟

– مرحبا، أنا سفيان رجب.

– معك طالب الرفاعي من الكويت، أردت تبشيرك بوصول كتابك الساعة الأخيرة إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى للقصة العربية.

وأعادني الاسم إلى قصص قرأتها في مجلة العربي، كان خبرا كالمطر. أعدت الكلمتين في الهاتف: خبر كالمطر. فأعاد الأستاذ طالب الرفاعي الكلمتين: خبر كالمطر. وقال: مرحبا بك في الكويت. كان يوما مشمسا ولكنني سرت يومها تحت المطر.

يوم الإثنين، ذهبت إلى مكتبة السلامي، واقتنيت نسخة شهر أكتوبر من مجلة العربي، والغريب أنها لا تزال بدينار تونسي. بعد ثلاثين سنة أعادتني الكويت طفلا في العاشرة من عمري. عدت إلى الطريق الريفية التي وجدت فيها دينارا، في المكان نفسه ألقيت دينارا: ربما يجده طفل في العاشرة من عمره، ويشتري به مجلة العربي، ويُكمل تفاصيل هذه القصة.

 

 

شهادة أدبية قرأها الكاتب التونسي سفيان رجب، في فعاليات جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في الكويت في ديسمبر (كانون الأول) 2019. وتنشر هنا بالاتفاق مع المؤلف.