سيف الرحبي: غزة الزمن العربي – ما أشبه الليلة بالبارحة

         إلى الصديق عاطف أبوسيف-

سيف الرحبي

صار الشاعر العربي والكاتب ، من فرط تزاحم الأحداث الدمويّة ، مثل تزاحم الأضداد والأجداث في مخيلة أبي العلاء المعري الوجودية الراعبة. ومن فرط احتشاد القتل والإبادات في أكثر من بلد عربي وتناسلها من غير بارقة خاطفة تؤشر لأفق النهاية والخلاص.. صار الشاعر الكاتب والانسان قبل كل شيء، لا يملك كأعزل وسط جَلبَة السلاح والكراهيات المتراكمة في الداخل ، والإحتلالات المتعّددة وعلى رأسها الاحتلال الصهيوني المديد للأرض العربية الفلسطينية، لا يملك أمام حالة العجز الجماعي، إلا سفح الكلمات الدامية أو ما يشبه المراثي والنعي ، نعي وهجاء عالم يغور أكثر فأكثر في طبقات الجحيم والإنحطاط القيّمي الوجداني والسياسي الانساني.

مسميات الأماكن تختلف من بلد عربي الى آخر ، لكن وجوه الضحايا وفحوى المجزرة واحد. المجزرة في وجوهها ومعانيها المختلفة، من المعنى المادي المباشر الذي يعني جزْر ، وتشريد الآلاف والملايين ، في صحارى العري الراشح بالموت الجماعي، والأخاديد التي فتحتها الطبيعة الأزليّة بخضمّ الرمال المتحّولة، الى المعاني الرمزيّة، والأخلاقيّة الروحيّة التي قُبرتْ قبل دخول الضحايا المثوى الأخير في مقابرهم الجماعيّة، والفرديّة.

المعنى الأخير يمهدّ للأول ويعبّد له الطريق لإنجاز مهامه الضاربة في الإستباحة الماديّة العارية من غير غطاء ولا قناع.

لم يعدْ القتلة في اسرائيل كما في ديار العرب نفِسها، بحاجة الى ثرثرة كما في السابق، من قبيل الأقنعة الأيدويولوجية أو أي ادعاءات أخرى إلا من باب استهلاك المُستهكلك وتسويق المُتْبَتل في السلوك والخطاب.

عدا أولوية «محاربة الإرهاب» التي انخرط فيها الجميع كباراً وصغاراً حتى ضباع الإرهاب الحقيقي، عتاة القتل والإجرام والتصفية. الكل يحمل نفس الراية إزاء هذا الحيوان الاسطوري الذي يجثم على صدر البسيطة من الأدنى إلى الأقصى.

القتل العاري في ضوء سطوع شمس الصيف العربي، وسطوع شمس العالم الذي لم يعد يعبأ بأي إنتهاك أو استباحة خارج ممالكه ، مصالحه وحدوده حتى لو كان يمتلك القدرة الجليّة على فعل ذلك.

ما سُمي بحرب الخليج الأولى والثانية ، لم يكن فاتحة لتدمير الشرق (العربي خاصة) التي ما زالت تأخذ المدى الوحشي الأقصى، وإنما أحدثت تحولاً بالمعنى السلبي، في وعي الشعوب الأوروبيّة حيث اللامبالاة تعالياً واستخفافاً إزاءَ خراب العالم واستباحته، حتى من قبل النخب الثقافية والمعرفيّة.

وفي السياق نفسه ذهبت الدولة العبريّة، نحو التطرّف أكثر في عربدتها الدمويّة على الأراضي العربيّة تلك التي تحتلها منذ 1948، أو الأرض الواقعة تحت قدرة نيرانها وتدميرها.. وأي الأراضي والبلدان ليست كذلك؟

في حملتها الوحشيّة الجديدة على القطاع ، لا تُذّكر إلا بحملات سابقة، استنساخ حملات ومجازر.

رئيس الوزراء الأكثر تطرفاً في تاريخ الدولة العبريّة، يجتمع بجنرالاته لمزيد من التهديد والوعيد، في ظل استمرار القصف البربريّ والتهديم. الأنظمة العربية تشجب وتدين على جاري العادة (فاقد الشيء لا يعطيه). والصمت الدولي يخيّم وبتواتر.. المقاومون في القطاع يطلقون مئات الصواريخ تعترضها القبّة الحديدية، يسقط قتلى اسرائيليون، فتنطلق الكلمات مهللة، لينبني الخطاب الوهميَّ بالنصر القريب.

هل من تغيير في تفاصيل هذا المشهد المتناسل في دمويّته ووحشيّته؟!

يبقى سؤال البرنامج ، كما في الفضائيات العربية، هل هناك أرض وبشر في العالم المعاصر، في الهوامش والأطراف تحديداً، تشهد مثل هذه الإستباحة والتنكيل؟!

إنه سؤال أزمنة الانحطاط الكاسرة.

يبقى أن الهويّات الكبرى في تاريخ البشر، لن تموت وتضمحل، رغم الداء والأعداء، حسب جملة الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، ورغم الظلمة المفعَمة بالهواّم وضواري الأشباح.

على مسار الأحداث التراجيدية الكثيرة التي تتواتر على المجتمع الفلسطيني، ظل هذا المجتممع على نحو من حيوية إبداعية وانتعاش أدبي وفكري، في الضفة وغزة وداخل فلسطين الخط الأخضر. علامة انتصار الحياة حتى في أحلك شروط الاحتلال والإنقسام، انتصار روح الإنسانية والجمال.

6 – مايو – 2019م