شبابيك الفرجة قصة قصيرة للكاتب العراقي محسن حنيص

محسن حنيص

في عام 1986 تلقيت اول رشوة في حياتي الوظيفية. كنت مهندسا في مديرية كهرباء بغداد، براتب شهري لايكفي لتناول سمكة على شاطيء دجلة. وهي رغبة عائلية (انا متزوج ولي خمسة اطفال) مؤجلة منذ سنوات، بانتظار ان يفتح الله خزائنه ويرمي لي مئة دينار، او احصل على مكافأة من المديرية، او افقد غشاء البكارة الوظيفي. كنت مسؤولا عن تأمين التيار الكهربائي لمنطقة الكرادة – في جانب الرصافة، وهو قطاع يضم عددا من مراكز الدولة المهمة أضافة الى مقرات البعثات الدبلوماسية، وثلاثة ارباع الفنادق والملاهي الليلية في العاصمة. وحدث في ذروة الصيف ان هبت عاصفة هوجاء، اطاحت بالاعمدة الكهربائية واسلاكها وفناجينها، واحرقت الكثير من محولاتها. كان علي ان اهجر بيتي وابيت في مقر عملي لاسابيع عديدة، واجوب الشوارع لاشرف بنفسي على احتواء الكارثة. كان من شبه المستحيل اعادة التيار الى جميع المستهلكين في وقت واحد، فكان لابد من العمل بموجب نظام الاسبقية الذي اقرته الجهات العليا في الدولة. وبموجب هذا النظام فقد احتلت القمة بيوت الوزراء والشخصيات الهامة في الدولة، ومقر القيادة القومية للحزب، والجناح الاداري لوزارة الدفاع، وفي المرتبة التالية السفارات والبعثات الدبلوماسية والمستشفيات، بعدها سلسلة الفنادق الكبرى، ثم تأتي المعامل القديمة ( السجائر، والجلود، والخمرة ( العرق)، والدواجن) ، تليها الملاهي الليلية، وسلسلة الحانات الصغيرة، وبيوت الله، ثم يأتي في المرتبة الاخيرة بقية المواطنين. وكان من المحضور الكشف عن هذه الاسبقية، ناهيك عن التلاعب بها.

في ذروة هذه الايام العصيبة وجدت نفسي جالسا مع صاحب ملهى (فينوس) الليلي. لقد سحبني من الشارع بلطف. وضع قبلتان ساخنتان على خدي. ومسح بمنديله العرق عن جبيني. جردني من كل الموانع وادخلني الى الملهى ليريني فداحة الضرر الذي سيلحق به اذا لم يعد التيار اليه. في مكتبه انطفأت الفخامة، واصبحت الارائك الجلدية مصدرا للتذمر والاشعاع الحراري. كانت هناك مروحة تنفث لهبا، وتتغذى من مولد صغير، يطلق زعيقا لايتناسب مع ضآله حجمه وعدم قدرته على تبديد سطوة الحرارة الخانقة ، فهو بالكاد يدير تلك المروحة مع بضعة مصابيح للتواليت والممرات. اما صالة العرض فكانت غارقة في الظلمة، والدخول اليها يشبه الدخول الى فرن حجري.

شرح صاحب الملهى ورطته باقل مايمكن من الكلمات. لقد استورد ثلاثة عشر حسناء من امريكا اللاتينية. راهن بكل مدخراته، واستلف اموالا من اقاربه. دفع الكثير للحصول على التراخيص الامنية والصحية والسكنية. جلب منظومة تكييف يابانية حديثة، بطاقة كهربائية عالية. حيث ان سخونة فتياته تتطلب تبريدا مركزيا فائقا اثناء المضاجعة. ثم راح يصف لي الخصائص الاسطورية لتلكم الفتيات. قال انهن يتقن فن احياء الموتى. فعرفت من خلاله ان الرجل لايموت حين يتوقف قلبه، ولكن حين يتعذر عليه الانتصاب. انهن مدربات لاخراج الجن من الخصى. خبيرات في ايروتيك اللسان: من المسح الدقيق لشرايين القضيب، مرورا بلطع اخاديد ومقرنصات كيس الصفن، وشفط اللعاب المنوي، وشم رحيق فتحة الشرج، وعمليات ايقاد البضر بالاصابع، وخلط بصاق الزبون بزبدة المهبل وتوزيع مذاقه على الشفتين. لقد اطنب في وصف الكثير من الرغبات الداعرة التي تراود اخيلة الزبائن. واحسب ان الرجل قد راهن على اغرائي، قبل ان يعرض علي ثلاثة من اجمل فتياته مقابل عودة التيار الكهربائي. لم يقل ذلك بشكل فج، بل عبر عنه بطريقة ودية وصادقة، قائلا ان وحشية المناخ العراقي في تموز لاتسمح بالوصول للذروة (اورغازم). مؤكدا ان ملامسة المرأة في هذا الشهر يشبه نكاح الابل في الصحاري. وانه يمكنني ان اعيش ساعات خارقة للعادة مع الفتيات الثلاث مع عودة التيار وتشغيل منظومة التكييف. كان الرجل فياضا سمحا، وقد سلم باني لن ارفض هذا العرض الباذخ. اصبح اللقاء على مقربة من ساعة الفصل. قلت له : (ان لطفك يحرجني. واضح انك تقدم لي احسن ماتملك. غير اني يا عزيزي لا اقدر ان اعاشر امرأة دون حب. انا متزوج يا عزيزي واب لخمسة اطفال، ولا اتخيل نفسي اخون زوجتي بهذه السرعة). رأيته ينكمش مثل قنفذ. وشعرت ان زمام اللقاء اصبح بيدي. في ظل انعدام الخبرة، وتحت وطأة تاريخ وظيفي ناصع البياض ، يقترب الآن من السقوط في حفرة سوداء. في لحظة ارتباك واضحة تلفظت بعبارة تنتمي الى فقه االفساد الاداري:

(انك تطلب مني ان اعبر المحضور، و اتلاعب بنظام الاسبقية. اليس كذلك؟)

فقال: (انا حاضر لكل ماتطلبه)، وهي الجملة العراقية اللائقة لتقديم الرشوة. كان الرجل في ورطة حقا. شعرت انه يشبه عفريتا مأزوما خارجا توا من مصباح سحري، وقد ضم كفيه الى صدره قائلا : (شبيك لبيك …)، وان علي ان اقول كل ما اتمناه. شعرت ان الفرصة اصبحت مواتية لتحقيق حلم يشبه جائزة اليانصيب، يراودنا (انا عائلتي) منذ سنين، يتجسد في سمكة نهرية، نلتهمها على طاولة مطعم في كورنيش ابي نؤاس، مثلما يفعل ذوي الحظ العظيم.

قلت له دون تردد: مااتمناه هو سمكة (مسكوفة) على شاطيء دجلة، ليست امنيتي وحدي، بل امنية زوجتي واطفالي.

للوهلة الاولى لم يستوعب صاحب الملهى طلبي. رأيته يحدق في لثوان بعينين مليئتان بالشفقة والرثاء. كان على وشك ان يبكي على حالي. تركني اتلفظ على مضض راتبي الشهري ( 96 ) دينار، والثمن المتوقع للسمكة ( 120 ) دينارا. اظهر الرجل حزنا وتفهما عميقا. لم يتباطأ. اخرج محفظته، وكان سخيا للغاية، فاستل منها مئتي دينار. لم احتمل فداحة تلك البهجة المعجونة بخيط مر، فاغمضت عيني، وتركته يدس اوراقه الخضراء في جيب سروالي، ويطبطب على كتفي، محاولا تخفيف وطأة اللحظة. لم يكتفي الرجل بتقديم المال لي وسرني بشيء لا اعرف كيف اثمنه. قال ان عنده وظيفة لي قد تنقذني من العوز. سحبني الى غرف الفتيات او (الخلوة) كما يسميها. مررني على شبابيك مدورة بحجم الكف تطل على الغرف. ذكرتني بشبابيك الفرجة في مطاعم السمك على دجلة. قال ان الشبابيك المدورة هي للتلصص على الزبائن اثناء المضاجعة. رغم ان اسمه (تلصص) لكنه يجري بعلم وارادة الزبائن، يدفعون ثمنه برحابة صدر، حيث تتضاعف اللذة الجنسية للزبائن حين يكون هناك من يتلصص عليهم، خصوصا حين لا يقدر (المتلصص) ان يحتل مكانهم، بسبب العجز عن دفع فواتير الملهى. البعض من الزبائن يجلب معه متفرجه الخاص: خادمه، او صديقه، او سائقه، او مستخدميه. الزبائن عموما يفضلون متفرجا من ذوي الدخل المحدود. ولهذا فان مدير الملهى يجدني لائقا لشغل هذه الوظيفة. الامر سيكون سريا للغاية. ولن تكون هناك اية خيانة زوجية. وستؤمن لي الوظيفة دخلا اضافيا يتجاوز راتب الحكومة. وستحدد اوقات العمل بحيث لاتتعارض مع دائرة الكهرباء. واصل الرجل تقديم الدلائل الكافية لضميره الحي. لم يكن امامي سوى ان اعانقه بحرارة. وعدته ان افكر جديا في الأمر، وارد عليه لاحقا. ومن مكتبه اتصلت بمساعدي، وابلغته ان يترك كل شيء، ويتوجه الى ملهى فينوس، ولا يبارح مكانه الا بعد عودة التيار الى الملهى. وابلغته ان لاينتظر عودتي الى الدائرة. احتاج ان استريح بضعة ساعات مع عائلتي. غادرت الملهى متوجها الى شاطيء دجلة.

٭٭٭

مررت عمدا بالمواضع التي تذكرني بالعوز الدائم: سلسلة الحانات التي تقدم الخمرة المحلية (العرق) لذوي الدخل المحدود. الافلاس يدمر اللذائذ، ويضخم صورتها في نفس الوقت. كلما فتحت زجاجة العرق وعبرت حاجز النصف (نصف لتر) يرسل الله اشارة تؤكد لي انه ليس بلشفيا، وان الطبقات من صنع يده. يذكرني بكلمات بليغة ان شمسه تشرق على الاغنياء والفقراء. ألله يؤمن بالاستقطاب: الغنى الفاحش والفقر المدقع يبعدان بنفس المسافة عنه. ووجود المخلوق في اي منهما هو رهن بالاعتباط. وبموجب الاستقطاب الألهي فقد وجدت نفسي في جهة العوز، غير انني صنعت منه نافذة لرؤية الوجه الاملس للعالم. ودربت عيون اطفالي. السمكة التي لاتطالها يدي التهمها بعيوني. اضاعف جرعات الخمرة كي يلتهب الوهم مثل نار الخشب الحي. سلكت الطريق الى شارع ابي نؤاس. سأعيش ساعات خارج المألوف. دخلت فندق الميريديان. قررت ان اصرف اول دينار على البيرة قبل اللقاء بالسمكة الحلم. كبست على آخر زر في المصعد. ورحت افكر فيما جرى. مع كل طابق كان جسمي يصعد الى الاعلى، بينما روحي تنزل الى الاسفل. كنت انتظر ان يتذكرني مدير عام كهرباء بغداد، فيقدم لي مكافأة على بقائي سبعة ايام بلا نوم. لكن ذلك لم يحصل. وتقدم صاحب ملهى ليلي فوضعني امام سرير مخملي وثلاثة مغارات لاتينية لانام فيها، فرفضت، لكني قبلت ان يمد اصبعه في جيبي ليفض بكارتي المهنية.

في الخارج تحتفل سنتنا بالدخول الى قعر جهنم. كان الفندق محتاطا لاي انقطاع كهرباتي، حيث يغذى من ثلاثة قابلوات ارضية لا تتأثر بالعواصف. لفحتني برودة الطابق الاخير. وحين جلست تغيرت معتقداتي. بهذه البرودة المباغتة يمكن اطفاء اكبر الثورات. كمية العنف المكدسة في طبعي بدأت تتقهقر. ارتخت عضلات الاحتقان الطبقي، فتمددت شفتاي. رحت ابتسم للحيطان وللمقاعد الوثيرة وهي تحتضن جسدي المتهالك. جيبي عامر، ولاحدود للرغبات المؤجلة. طلبت بيرة مثلجة للمرة الخامسة. طبعت قبلا على خدها الندي، ورسمت بأصبعي دروبا على زجاجها المضبب. من برج الميريديان رحت انظر الى شبابيك الفرجة الممتدة على طول كورنيش ابي نؤاس، بموازاة مطاعم (جرادغ ) السمك المسگوف. انا وعائلتي ننتمي الى صنف المتفرجين. كانت حصتنا ثمانية شبابيك، نحشر فيها وجوهنا اربعة مرات في الشهر، لنتفرج على افواه الآخرين وهم تلتهم اطباق السمك المسگوف.

اللذة الميتافيزيقية للسمك المسگوف، على هذا النحو، لم تكن طارئة في شاطئ دجلة، بل عقيدة قديمة وراسخة، نابعة من مزاج عريق، تحول الى رؤيا جمالية تتلخص بمبدأ اللذة القصوى: لكي يكون الشيء طيبا ينبغي ان يتناوله اقل عدد من الافواه. ولكي تكتمل عناصر اللذة لابد من رؤية الافواه المحرومة بشكل مباشر ومتزامن. هذه الرؤيا هي التي تفسر شبابيك الفرجة.

لم يكن السمك قلبلا في النهر. كان الصيادون يتعمدون اخراج اقل ما يمكن منه. وكان أئمة هذه العقيدة، وهم غالبا من الأثرياء وذوي النفوذ، يقفون فوق رؤوس الصيادين، يعدون السمك في الشباك ليضمنوا عدم وجود فائض لأمثالنا. وكلما أصطادوا اقل عوضوهم بزيادة السعر. يمكن ان اسميه الدعم الارستقراطي للسمك. الوحيد الذي يرفض هذه العقيدة هو السمك نفسه. في نيسان تقذف كل سمكة الى النهر مليون بيضة، تتحول بعد ساعات الى قطعان سابحة. السمك يستغيث، يقفز فوق الماء، يتحرش بشباك الصيادين، يرقص على ايقاع مجاذيفهم، واحيانا ينط في قواربهم طالبا ان يخرجوه من النهر، ولكنهم لا يقبلوا خوفا من الاخلال بمذهب اللذة القصوى. كان أئمة هذه العقيدة يدفعون لهم الفرق. يريدون ان يظل السمك عزيزا ذو مذاق خرافي، أن لا يكون بمتناول كل يد، ان تظل العيون جاحظة مشوهة، والشفاه يابسة، والرؤوس مليئة بالأخيلة، والامنيات المستحيلة. أغلقوا جميع المنافذ: أشتروا الشاطئ، وضعوا لوائح تمنع الصيد، لم يسمحوا حتى بسنارة، وضعوا اسعارا خرافية، اشتروا جميع افراد الشرطة النهرية.

سنوات طويلة ونحن نتفرج على هذه المطاعم النهرية. لم يكن بمقدورنا أن نجلس حتى ولو مرة واحدة. تربت اعيننا وانوفنا، وصرنا نلتهم ونشم عن بعد. سال لعابنا مرارا. ونزل مخاط اطفالنا. خرجت ديدان الشهوة من بطوننا. امعاؤنا ارتبكت، فلم تعد تفرق بين اللحم وبين الوهم، وكانت تفرز عصارات هضمية لهبرات سمك لا وجود لها الا في افواه الاخرين. صاحب المطعم يسأل الزبون ان كان يريد السمك بالفرجة او بدونها. اغلب المتفرجين هم من المشردين او العاطلين عن العمل، ولكن بعد الدوام الرسمي ينظم اليهم ذوي الدخل المحدود: موظفو الدولة، ومعلمون، وفنانون بلا دخل، وعمال ملوا الوقوف في المسطر ، وغيرهم وكان البعض منهم يصحب عائلته مثلي. البعض من زبائن المطعم يجلب معه متفرجه الخاص: صديقه او سائقه او خادمه او مستخدم عنده. اما تجار الخردة فكانوا يفضلون متفرجين من ذوي الشهادات العليا. كل ما يخرج من افواه المتفرجين من عصارات معوية، يتجمع في اوعية وضعت تحت الحنك، حيث يقوم عامل المراقبة بايصالها الى الزبائن، كي يروه باعينهم، فتتضاعف لذتهم وشهيتهم ،ويواصلوا اكلهم. كانت الشبابيك مزودة بفتحتان صغيرتان للشم. المطعم يلبي الطلبات الخاصة ايضا، حيث يشترط بعض الزبائن ان يكون المتفرجون من ذوي الشهادات العليا حصرا. كان الزبائن يدفعون ثمن السمك اضافة الى ثمن التفرج عليهم. في نهاية اليوم يتحاسب صاحب المطعم مع المتفرجين عن عدد الساعات التي قضوها وراء الشبابيك. يعطوهم اجورهم، لكنهم لايحصلون على السمك بتاتا، كي لا تنطفيء شهوتهم. كان هذا هو الشرط الاوحد للسماح لهم بالعمل وممارسة الفرجة .

خرجت من الميريديان. فقدت الحذر. كلامي مبعثر، وغنائي موجع. احمل أحقادا قديمة، ولا اعرف كيف افرح. لا اعرف كيف اردم الهوة بين جيبي المثقل بالدنانير والعوز القديم. تركت الرصيف و نزلت الى النهر. كانت المثانة ممتلئة بخمسة زجاجات بيرة. سحبت سروالي وقذفتها في النهر. شعرت بلذة عارمة، وانفتح علي بئر من الجوع . تقع مطاعم السمك المسكوف ملاصقة للنهر. يتم اصطياد السمكة مع الماء الذي تسبح فيه. تتوهم السمكة أنها مازالت في النهر فلا تصيبها الكآبة. هكذا يفسر الصيادون سر الطعم اللذيذ. تنتظم المطاعم في نسق اخلاقي صارم، لايسمح لأكثر من واحد بالمئة من الناس بالدخول اليها.

حين دخلت مطعم السمك المسگوف، تقدمت أربعة وجوه جافة واحاطت بي، لتمنع تقدمي نحو طاولة فارغة محاطة بسبعة كراس. كنت معروفا لديهم، وان مكاني المعتاد هو شبابيك الفرجة.

تقدم الي ذو الكرش المدور، سألني بنبرة خالية من الود: هل معك مال؟

قلت له: معي مال يكفي لاكبر سمكة عندك.

سألني: هل يمكن أن أراه؟

بفضل الاوراق الخضر لم تستغرق أهانتي وقتا طويلا. قلت لهم لا داعي للأعتذار، فانا اتفهم تماما فلسفتكم. اتصلت بزوجتي. طلبت منها ان تلتحق بي ومعها الاطفال على الفور، وان تؤجل اسئلتها الى مابعد. اوصيتها ان لاتساوم سائق التاكسي، فقط تعطيه اسم المطعم وكورنيش ابي نؤاس.

حجزت طاولة لسبعة اشخاص. هذه هي المرة الاولى التي نجلس في جهة المتن ( الحالة الصلبة) للمطعم. وسيكون هناك من يتفرج علينا . كنت اعرف الكثير من وجوه المتفرجين، حتى ان احدهم ابتسم ولوح لي بمايشبه التباريك، واحسب انه تمنى ان ياتي اليوم الذي يجلس فيه مكاني.

اوصيت زوجتي ان تؤجل فضولها الزائد عن اللزوم. قالت انها تخشى ان تغص بعظمة اذا لم تعرف سر المال. وعدتها ان اخبرها بعد تحقق الامنية. اوصيتها ان تنسى العوز وتبالغ في التبذير. المطلوب هنا هو مداواة جوع العين. هو التحول من حالة الفرجة الى الحالة الصلبة. اخترنا سمكة بحجم الحلم. لم تكن معروضة في الحوض بسبب ضخامتها. كانت تعيش في النهر ومربوطة بحبل غليظ الى المرسى بأنتظار من يدفع سعرها. سمح لاطفالي بالاقتراب منها قبل الاجهاز عليها. نقلت الى وعاء كبير (بانيو) لتبقى حية لآخر لحظة. تجمع الاطفال حولها وراحوا يلعبون معها، يطعمونها فتهز زعانفها لهم، وتفتح فمها لتلتقط الخبز منهم.

وصلت السمكة على محفة يحملها اربعة عمال مصريين. وقفنا نصفق بعيون وافواه مفتوحة. جاءت محاطة بطوق من الالعاب النارية، اسهما ونجوما ملونة تتساقط فوق ذلك السهل الفسيح المدهون بتمر الهند والفلفل الاحمر وقشر الليمون، ولب البصل الحائل، وخبز التنور وسفافيد الطماطم والبصل المشوي. سوف تمتد الاصابع لتحفر هذا السهل اللحمي الغارق بالزيت واللذائذ. كان المشهد في ذروته. واحسب ان عائلتي لم تشعر بوجودي الباذخ مثلما شعرت في تلك الساعة. ألقت زوجتي نظرة على كل ما يحيط بنا. شعرت بتلك اللذة الغريبة التي تفوق السمك، اللذة الكامنة في عيون المتفرجين في تلك اللحظة. تركت السمك وراحت تراقبهم وهم يمدون رؤوسهم ويلعقون السنتهم الخاوية. دخل مصور فوتوغرافي متجول، فنادت عليه، وطلبت منه التقاط صور للطاولة من كل الجوانب.

وحين تأخذ زوجتي مكانها سوف تحرص على التحقق من وجود اللذة المضاعفة. تزيل العظام من اللحم الابيض، وترفع هبرة لتدسها في فمها. يتساقط زيت السمك من بين اصابعها. تلتفت فترى وجوها ملتصقة بشبابيك الفرجة: اعين جائعة تتلصص، واخرى خجولة تتظاهر بالفضول والرغبة في رؤية النار، واخرى تحاول جاهدة حفظ ماء الوجه. سوف تنهار هذه الوجوه تباعا، وتتقيأ لذتها في وعاء تحت الحنك. وفي لحظة بعينها ينفتح فم على مصراعيه. تتدلى الشفة السفلى ويسيل لعاب كثيف مخلوط بعصارات هضمية ملونة. وان كفا تمتد على عجل لتسحب الوعاء الذي استقبل هذا الفيض من اللذة الميتافيزيقية. كانت هناك كف عامل المطعم المكلف بمراقبة المتفرجين، وردود افعالهم. في تلك اللحظة رصدت اول عملية سيلان للعاب، فانطلق على الفور وسحبه ليطوف به على الزبائن، يريهم لعاب المحرومين في الخارج، مشيرا الى رقم الشباك والعينين المتبلتين بالشبق لهبرة لحم. تتضاعف اللذة على الفور، ويكتسب المطعم سمعة طيبة، ومصداقية في تأمين اللذة والتمسك بقواعد النقابة.

يقف صف من العمال مثل الملائكة ليخدمونا طوال الوقت. وضعت زوجتي ورقة خضراء في كف احدهم فصار يتطافر مثل فرس جامح. يكاد وجهه يتمزق من فرط الابتسام. وحين انتهينا جاء الكرش المدور بنفسه حاملا شيشة عطر ليرش بها على وجوهنا وأيدينا ودون اسماءنا في سجل المطعم .

طلب الاطفال ان نذهب لتناول الايس كريم في مرطبات (الفقمة )، كانت هناك رغبة اخرى مؤجلة. وجدنا تطورا جديدا في الخدمة. اضيف جدار عازل مزود بشبابيك للفرجة. اثبتت قدرتها على مضاعفة اللذة، والسعر ايضا. وفي طريق العودة مررنا بمطعم (دجاج بالتنور) فرأينا لوحة تشير الى دخول شبابيك الفرجة الى التنانير نفسها،عدا الفرجة على الزبائن. وكتب محل للعصائر اعلانا عن حاجته الى عمال اجراء يتفرجون على الزبائن وهم يشربون كوكتيل طبيعي من خمسه فواكه بمافيها الموز والمانغا. وافتتح احدهم مسبح صيفي بسعر خرافي حيث لايتسع حوضه سوى عشرة اشخاص احيط بسياج كونكريتي عال يحوي الفي ثقب للتلصص. سحبتني زوجتي من استغراقي في ملاحقة شبابيك الفرجة وهي تتمدد في جسد المدينة، وطلبت مني ان افي بوعدي:

هل يمكن ان تشرح لي ماذا حصل، من اين اتيت بهذا المال؟

 

[email protected]