“شبح فرويد” قصة قصيرة للكاتبة المغربية لطيفة لبصير

لطيفة لبصير

بدا السيد فريد وكأنه خرج للتو من أحد الكتب المجلدة العتيقة، كان يقف كمن يخبئ شيئا في صدره، قوس كتفيه قليلا وأطرق يتأمل في ملامحي.استغربت الأمر، لكنني حاولت أن أبدو عادية تماما. كانت لحيته كثيفة ومرتبة، وقد ارتدى بدلة رمادية اللون استقرت على جانبها الأيسر ثلاث بتلات حمراء يانعة، وفي الأسفل، كان واضحا أن جسده قد استقر فوق حذاء ذي كعب مرتفع قليلا عن الأرض، يدثره بشكل تلقائي سروال يتسع كلما اقترب من القدمين. كان يفوح منه عطر خشبي يضمخ المكان برائحة القرفة والعنبر وإكليل الجبل، كان يملأ المشهد الذي كنت أتابعه بدون ملل. وقف ينظر إلي بولع شديد تبدى من عينيه البراقتين وكأنه عثر على مخطوط قديم يشبه بردياته الخاصة.

بدت أخته بديعة حزينة ومنكسرة، لم أكن أعرفها قبل هذا اليوم، إلا أنني سمعت الكثير عنها وعن أخيها فريد من فم ابنتها ظلال التي غادرت هذا العالم قبل أيام. أصابني موتها المباغت بالحزن والخوف… كيف غادرتنا ظلال دون سابق إنذار وهي ما تزال مفعمة بالأمل والحياة؟ سؤال ما يزال طريا في ذهني.

لم تكن بديعة قادرة على الكلام، كانت على الدوام شاردة الذهن، وكان الغريب في تلك الغرفة هو مشهد أخيها فريد الذي بدا وكأنه يؤثث ذاكرة أزلية لرجل غير موجود في الزمن المعاصر. كان يداري فرحا خفيفا استقر في منبت شفتيه؛ أدهشني جدا أنه ليس حزينا لغياب شابة يانعة مثل ظلال رحلت عنا فجأة، هكذا دون وداع ؟ !

ودون أن يأبه لأخته بديعة، قال لي وهو يحدق مباشرة في عيني بأنني أشبه زوجة فرويد.

كان ذلك منه مفاجئا وغريبا جدا ! خيل الي أنني أحلم، أو أن الرجل ليس على ما يرام، وكانت جملته في غير محلها في هذه اللحظة؛ ف”فرويد ” عالم نفساني يعرفه الجميع حتى الذين لم يقرؤوا له حرفا واحدا، و يمكنك فعلا أن تصادف صوره في العديد من المكتبات أو وسائل البحث الحديثة، لكن التفكير في زوجته هكذا، بهذه السهولة، لم يسبق لي أن اهتممت بها رغم أنني درست علم النفس وأحببته، وللتو هممت بالانصراف بعد أن تملكتني الحيرة، لكن الرجل وقف في اللحظة نفسها وكأنه يمنعني من المغادرة. حدقت في السيدة بديعة التي بدت وكأنها دخلت في زمن آخر، هالني اصفرارها داخل جلباب مغربي أسود تمزق من الأسفل، كما أثارني منظر الحذاء الرياضي الذي كان غير متناسق مع الجلباب. يا إلهي، أنا الآن مع كائنين غريبين، لا مع كائن واحد فقط !

في شقة عريضة فاخرة، استقرت تحف قديمة وأباريق نحاسية كثيرة، ومفاتيح عملاقة قد زينت الجدران،وكأنها مرصودة لفتح أبواب ضخمة تنتمي لحكايات خرافية .

وسط الصالة الواسعة، نمت حديقة مكتظة بأشجار متنوعة متشابكة، وفي الأعلى تفرعت أزهار صفراء اللون، يظهر من ذا التشابك أنه مر زمن طويل حتى استقرت هذه الأشجار وسط الغرفة.

كان السيد فريد قد عاد بكتب كثيرة، ووضع أمامي صور زوجة فرويد، بدأت أقلب الصور لكنني لم أعثر على الشبه بيني وبينها؛ غير أنه أمسك بيدي بعنف و قال لي:

أنت تشبهينها…

حدقت في الصور جيدا بفعل الارتباك، وقلت:

أنا منذ الآن أشبهها…

أمسك بيدي وأومأ لي بأنه يريدني أن أتعرف على أشخاص يتقاسمون معه الغرفة منذ سنوات، فتشت عن بديعة كي أستنجد بها، لكنني لم أجدها ولم أدرك متى تسللت منسحبة من الغرفة…

كانت يده تضغط على يدي، وفي اليد اليسرى كان يحمل عصا صغيرة ملساء، بنية اللون، مزركشة. كانت كأنها اليد التي تمنعني من الكلام.

كان كل ما في الغرفة يثير الذهول، أصابع فرويد في الصور وقد أطرتها أقواس حمراء، صور فرويد في كل مراحل العمر ومعه زوجته وأخواته وكلابه وخدمه، هالني منظر الأصابع التي سيجت بأقواس حمراء، سألت بوجل:

لماذا وضعت أصابع فرويد بين أقواس حمراء؟

أجابني واثقا بأن أصابعه تلك تنتقل من جيل إلى جيل وهي تحل كروح في كل الأفراد، تماما كما حلت في بدنه، إنه الآن يتمم ما بناه فرويد بدقة، فأصابعه تلك هي التي اكتشفت اللذة في كل المحرمات، نظر إلي باهتمام أكبر وأضاف:

هل تعرفين بأن المحرم لذيذ جدا، ومرغوب جدا، وفرويد اكتشف ذلك وهو يمرر تفاحة باردة على خد أخته حين كانت مريضة؟

ولكنه كان أول من ضحى بأخواته وهو يوقع عريضة المنفى، تخلى عنهن فجأة في الوقت الذي أخذ معه خدمه وكلابه…على أية حال، هو غادر هذا العالم…هل يجوز أن أقول رحمه الله؟

قاطعني بعصبية:

كلا، فرويد لم يمت.

وكأنه سمعني أتساءل وأين هو.

هو في كل الأمكنة…إنه يعود من خلال الأشخاص، أشعر بأنه يسمعنا الآن…

في تلك اللحظة أردت أن أنسحب فعلا، كنت كمن يتابع شريطا قديما لأناس لا يعيشون في هذا العصر، أناس يبدون كأنهم يقيمون أبدا في كتاب، لكنه وقف مثل المارد وقال لي بأنني لن أغادر الآن، وبعصبية بالغة، أخبرني بأنني لو خرجت للتو، فسيصيبه الأذى، فهو في لحظة كمون وينبغي أن يمضي إلى الآخر. ومرر أصابعه برفق على شفتي، فأحسست بانفراج خفيف في كل أنحاء جسدي يمتزج فيه الخوف بالرغبة.

هذا الرجل لا يشبهني في شيء، وكأنه قادم من عصور سحيقة. تذكرت في تلك اللحظة بعض الحكايات المقتضبة التي كانت ظلال تؤثث بها حواراتنا بين الفينة والأخرى، من ذلك أن خالها فريد لا يغادر الغرفة منذ طويلة؛ منذ أن عاد من باريس وقد قضى سنوات مضنية في دراسة علم النفس، منذ ذلك التاريخ أقسم ألا “يرى” العالم الخارجي إلا محمولا على نعشه. كان فريد يدخل على الدوام في شجار حاد مع أخته بديعة، لكنهما في بعض الأحيان يحنوان على بعضهما البعض مثل طائرين صغيرين.

يا إلهي ما الذي يحدث؟ وكيف سأغادر هذه الغرفة؟

في اللحظة التي بدأت أفكر في التخلص من هذا الشخص الغريب الأطوار، كنت أشعر بأن حبلا يشدني إلى هذه الغرفة، بدأت أشعر بأنني أوجد هناك حيث العالم الآخر لا مكان له هنا، فالغرفة بالرغم من كونها بلا نوافذ فلم أعد أريد أن أغادرها !

جلست أنظر الى العديد من الأوراق التي تكسو جدرانها وأقرأ الكثير من المشاعر التي خطتها أصابع المبدعين وهم يئنون من قسوة المشاعر.

كان فريد قد هدأ تماما. بدا وكأنه يحلم. أشعل سيجارا ضخما وأخذ يتأمل. كان غريبا فعلا بالنسبة إلي، أو ربما كنت أبدو غريبة بالنسبة إليه، ربما يكون هو يعيش عصره الذي رأى نفسه فيه، أو ربما أنا أعيش عصري الذي أرى أنه ينبغي أن أعيش فيه!

وجدت ألبوم ذكرياته الخاصة، نظرت إليه لكنه لم ينتبه إلي، حملت ذلك الرصيد وتابعت مسار حياته. قال لي بهدوء:

بديعة هي توأمي، ونحن معا لم نستطع أن نغادر بعضنا البعض منذ الصغر، و كلما رحلت بعيدا أعود إليها… منذ الطفولة رأيت عينيها الصغيرتين تنظران إلى عيني ورأيتني أمسك بأصابعها. هل تدركين بأن الإنسانية جمعاء نبتت من الأصابع؟

أعتقد أن الإنسانية جاءت من الرغبة…

الرغبة تنبع من الأصابع…كل مشاعرنا تنبجس منها، لذا أنا لا أثق سوى في أصابعي.

دون أن أشعر، انزلقت عيناي الى أظافره وكأنني كنت أتوقع أنني سأراها طويلة أكثر من اللازم…

لم يكن في ألبوم ذكرياته أية صورة لأبيه، سألته بهدوء:

وأين صور الأب؟

قال لي:

لم يسبق أن وجدنا صورة واحدة له في المنزل، وأمي أخبرتنا أنه ودع قبل ولادتنا، لكننا لم نبحث عنه. كذلك أخبرتنا أمي، وكذلك لم نبحث عنه وظل طيفه يراودنا بين لحظة وأخرى، أتخيله عبقريا مثل فرويد وأتخيل فرويد أبا لي…أمي كانت غريبة الأطوار، كانت تشتغل دون أن تشتكي أو تتبرم، كأنها امرأة لا تتألم أبدا، تتركنا معا أنا وبديعة وتغيب لساعات طويلة، وكنا نشعر بالخوف حين يهطل المطر، ويهدرالرعد، كنا نشعر بأننا حين نتمازج سنكون أقوى من كل ما يحدث في العالم الخارجي، حتى أننا ابتلينا بعدم الرغبة في رؤية الخارج. أمي كانت تصمت طوال ساعات، بعض الكلمات فقط كانت تخرج من فمها من حين لآخر، ووجهها كان يصير أجمل وهي تغادر المنزل. كانت تبدو مثل عروس جذابة، تضع مساحيق كثيرة تبرزعينيها العسليتين وفمها المشتعل وسط سمرتها الخفيفة الصافية، وكانت جدائل شعرها طويلة حمراء، كأنها تشبه بطلات الكرتون، كنت أتوق لعناقها على الدوام، لكنها لا تفعل. وحين تعود، تمسح كل أثر الأصباغ ثم تسهم طويلا وهي تهيئ لنا حساء دافئا، ودون أن تقبلنا تغط سريعا في نوم ثقيل.

كانوجه فريد قد صار مثل طفل صغير، بدا وكأنه يحلم، فكرت في تلك اللحظة بأنني لا أريد فعلا أن أغادر هذه الغرفة !

كنت أشعر بأن أنفاس ظلال تحوم في الغرفة، بل كنت أراها وكأنها نمت هنا. لم تكن غريبة عن هذه الغرفة، فلطالما كانت تحب الفضاءات المغلقة وتشعر بالضجر من ضجيج الشارع والمارة. كانت تحس بضيق شديد حين نكون مع الآخرين، وكثيرا ما أخبرتني بأن أحلى اللحظات عندها هي لحظة العودة إلى البيت. كانت تشعر بأن كيانها الحقيقي هو مع والدتها وخالها. أخبرتها مرارا أننا محللتان نفسيتان وأن المواد التي نشتغل عليها هي الكائن البشري في حد ذاته، وينبغي أن نكون أبوابا مفتوحة! لكنها كانت ترفض وترغب في العودة سريعا الى البيت.

لم تكن كل الأشياء التي قلتها هي الحقيقة. الحقيقة لا أدركها تماما، والمكان الذي أعيش فيه في كثير من الأحيان ينمو بداخلي…

المكان الذي أرتاح إليه وأرتاح فيه يوجد بداخلي؛ إنه يشبه هذه الغرفة تماما، مكان بدون نوافذ!

أمسك بأصابع فريد وأتأمل الخاتم المرصع بأحجار كريمة وقد نقش عليه اسم مطلسم… بدا وكأنه يقيم في مكان ما من التاريخ…تدخل بديعة وتجلس بالقرب منه وتمسك بأصابعه، أبتعد أنا قليلا، وأنظر إليهما وقد غابا عن العالم متقوسين، فبدا لي جسداهما وقد نبت لهما جناحان كبيران غمرا المكان، أنظر إلى صورة ظلال وهي تبتسم ابتسامة كبيرة فوق الجدار وبالقرب منها صورة كبيرة لفرويد… أغلق ورائي باب الغرفة جيدا وأغادر…

بالخارج، يسطع عالم آخر أكثر ضياءً… أحاول عبثا أن أتخيل إلى متى سيلبثون في تلك الغرفة !

 

كاتبة من المغرب

[email protected]