“شبح” قصة قصيرة للكاتبة الإماراتية مريم الساعدي

مريم الساعدي

يسير دوماً محني الرأس، يتجنب الكلام مع أي أحد. يقول “صباح الخير كيف الحال” بشكل آلي أتوماتيكي وكأنها واجب ثقيل، يرميها هكذا وهو محني الرأس، دون أن يرفع رأسه أو عينيه ناحية الشخص الذي صادفه في طريقه واضطر إلى القاء التحية الثقيلة عليه. يحاول أن يحافظ فقط على هذه الممارسة الطبيعية “التحية الصباحية”، يظن بذلك أنه يُبقي على وضع “الفرد الطبيعي”، دون أن يدرك أنها تجعله أكثر الأشخاص غرابة على الاطلاق. ماذا فقط لو سار وهو صامت، لن يلفت انتباه أحد، لكن أن يتحدث إليك وهو صامت، هذا يجعله أشبه بالكائن الميت الحي. تريد أن تقول له “أرجوك لست مضطراً لذلك، فقط اذهب في طريقك، لا تهتم لأجلي، لست مضطراً لذلك” تودّ أن تقول له ذلك وأنت تراه يلقي التحية كمن ينتزع شوكة علقت في ظفر إبهام قدمه.

الرجل مكتئب، اكتئابه مزمن، يبدو ذلك واضحاً على وجهه، على طريقة مشيته وعلى طريقة جلسته وفي كل لفته من جسده، لا شيء يبهجه منذ مدة. تعرف أن البهجة غادرت أحدهم من طريقة تعامله مع جسده؛ يسير به كحمل ثقيل عليه أن يحمله؛ لا يسير فيه، هو يسير به، واجب ثقيل، منهِك، كمن يحمل شوال مليء بالأحجار الثقيلة على ظهره كل يوم دون هدف. واجب ليس واجبك، لكن من طول ممارستك له نسيت أنه ليس واجبك، نسيت أنك يمكن أن تظل فقط مستلقٍ هناك في الفراغ حتى تتخفف من ثقل الجسد. لكنه الروتين، والالتزام، وكل الأعباء التي تعلّم أن يقوم بها منذ صغره، هو يقوم بها مثل أي رجل عليه القيام بواجباته. هو مثل أي رجل. .. لديه عمل، ولا زال يلقي التحية الصباحية على الزملاء.

حين يلقي أحد الزملاء نكته يضحك عليها الجميع إلا هو، هو حتى لا يرفع رأسه، ولا يهتم بكل الضحك حوله، يواصل الضرب على لوح المفاتيح وعينيه محدقة في الفراغ وهو ينجز المعاملات اليومية. اعتادوا على رؤيته هكذا، كشبح يسكن المكان، دون أن يهتم أحد بالاقتراب منه، ولا يمكن أن تلومهم؛ هناك أشخاص يعلنون وفاتهم وهم أحياء، كيف تحاول إنعاش جثة هامدة متفسخة؟

الرجل ليس مكتئباً فقط، بل هو اكتئاب على شكل رجل. وغالباً هو لا يتعالج، لقد استسلم. أو فقط لم يظن لوهله أنه يمكن ألا يستسلم؛ هناك أشخاص لا يمتلكون حسّ المعركة. يذهب إلى العمل بشكل آلي، ويخرج بشكل آلي، ويسير بشكل آلي، يأكل بشكل آلي، وينام بشكل آلي، ويستيقظ بشكل آلي. يعيش كمن ينتظر الموت فقط، يبدو كأنه يحدّث الموت كل يوم قائلاً “ها، متى نذهب؟”، كزوج ملول ينتظر زوجته في رحلة تسوّق أبدية، ويبدو كأنه يصاب بخيبة أمل في كل يوم يمر ويجد نفسه لا زال مطلوب منه أن يسير بهذا الجسد وينتزع الشوكة من إبهام قدمه وهو يلقي التحية.

هو لم يكن كذلك طوال عمره، كان شابّاً عادياً، يجيد الضحك وإلقاء النكات وترتيب المقالب، وكان يلعب مع الأطفال ويتشاجر مع الزوجة، أصيب بالاكتئاب فقط منذ عشر سنوات، حين تم تشخيصه بوجود ورم خبيث في الرأس.

 

كاتبة من الإمارات

[email protected]