صباح الناصري: في تـمـجـيـد جـمـال الـعـالـم

صباح الناصري

في الـقـرن الـتّـاسـع والـعـشـريـن

يـمـسـك شـابٌّ مـنـثـال الـشّـعـر عـلى الـكـتـفـيـن

بـيـد الـبـنـت الـحـسـنـاء بـجـانـبـه

ويـسـيـران

تـحـت الـثّـلـج الـمـتـســاقـط كـثّـاً

ويـلـتـجـئـان

إلى قـاعـة فـنٍّ دافـئـة الأرجـاء

ويـلـتـصـق الـجـسـدان

لـيـصـيـرا جـسـداً ويـصـيـرا عـيـنـاً واسـعـةً

تـتـأمّـل لـوحـة

ــ مـا اسـم الـفـنّـان ؟

ــ رافـع الـنـاصـري .

ويـقـول الـشّـابًّ : “قـرأتُ مـقـالاً عـنـه

في مـوسـوعـة فـنّ

لـكـنّي لا أذكـر في أيِّ زمـان عـاش

في الـقـرن الـسّابـع أم في الـقـرن الـثّـامـن والـعـشـريـن

يـبـدو أبـديـاً

يـخـتـرق الـفـنّـان الأزمـان

لا تـعـلـو صـفـحـة لـوحـتـه الأغـضـان”

وتـحـلّ الـبـنـت شـرائـط نـعـلـيـهـا

وتـنـزعـهـا عـن قـدمـيـهـا

وتـخـوض بـصـمـت في زرقـة مـاء الـلـوحـة

تـجـري زرقـة مـاء الـنّـهـر الـفـيـروزيـة ِ في وسـط الألـوان

يـجـري نـهـر الأبـديـة، دجـلـة، في ذاكـرة الأكـوان

وتـداعـب أسـمـاكٌ قـدمـيـهـا

في الـمـاء الـصّـافي الـدّفء

يـتـمّـوج ضـوءاً

فـوق حـصىً يـتلألأ نـوراً

يـتـلامـع بـرّاقـاً تـحـت الـتّـيّـارات

وتـجـول الـبـنـت بـنـظـرات زرقـاء

عـلى أغـصـان الـطّـرفـاء

اشـتـبـكـت جـدرانـاً لـلـسّـيـبـاط

وسـقـفـاً، وفـتـحـة بـاب

وتـرى امـرأةً نـورانـيـة

إنـتـصـبـت واقـفـة بـيـن الـنّـهـر وبـيـن الـسّـيـبـاط

وتـنـادي الـمـرأة طـفـلاً بـرّاق الـعـيـنـيـن

مـحـمـرّ الـجـلـد،

يـسـبـح في وســط الـصّـبـيـان

ويـضـرب بـكـفـيـه الـمـاء :

” رافـع !”

ويـجـري في أعـراق الـطّـفـل

فـرح شـمـسيّ يـطـيـر بـه نـحـو الـسّـيـبـاط

وتـراه يـتـمـايـل جـذلانـاً

بـيـن صـفـوف الـلـوبـيـا الـخـضـراء

وصـفـوف خـيـار أيـنـع في الـشّـطّـيـة

وبـيـن الـقـرع وبـيـن الـبـطّـيـخ الـشّـمّـام وبـيـن الـبـطّـيـخ الـسّـنـدي

الفنان الراحل رافع الناصري

ويـقـطـف رافـع سـنـديـة

يـفـتـحـهـا بـالـسّـكّـيـن

ويـقـصـمـهـا نـصـفـيـن

فـتـشـعّ الـحـمـرة مـنـهـا زاهـيـة الـلـذّة

أحـلى مـن قـبـلـة عـاشـق

وتـرى الـبـنـت الـزّرقـاء الـعـيـنـيـن

رافـع يـجـلـس فـوق حـصـيـرة قـش

يـفـرشـهـا فـوق بـسـاط حـصى ضـفـة الـنّـهـر

يـصـيـد بـعـيـنـيـه الـلامـعـتـيـن

نـور الـشّـمـس وهـبّـات الـرّيـح

وسـمـاءً بـاهـرة الـزّرقـة تـمـتـد إلى الأفـق الـمـهـتـز

وجـرف الـنّـهـر

وطـريـقـاً تـتـلـوى تـصـعـد نـحـو الـمـرتـفـعـات

ويـصـيـد عـطـوراً وروائـح مـنـشـورة

وأصـوات غـنـاء

تـتـزلّـق فـوق الـمـاء

وأنـغـام غـنـاء مـنـثـورة

وضـحـكـات عـالـيـة الـنّـبـرات

تـخـرج مـن أفـواه الـفـتـيـات

يـغـمـض رافـع عـيـنـيـه

لـيـحـفـظـهـا في ذاكـرة شـاسـعـة الأرجـاء

يـخـلـق مـنـهـا كـونـاً تـتـلاءم فـيـه الأشـكـال

تـتـنـاسـق فـيـه الألـوان

ويـخـتـلـط الـضّـوء بـه بـالـظّـل

والـجـزئـيـات الـمـحـسـوسـة بـالـكـلّ

تـمـتـزج الـقـوّة بـالـرّقـة فـيـه

عـذوبـة ضـوء الـبـدر بـعـنـف الـشّـمـس الـبـاهـرة الإشـعـاع

والـصّـخـر الـصّـلـد الـقـاطـع

تـعـلـوه سـحـابـة

تـتـطـايـر في خـفّـتـهـا هـفـهـافـة

كـثـوب نـدى يـخـلـعـه الـفـجـر لـيـصـعـد في الآفـاق

وهـشـهـشـة الأوراق

تـتـمـايـل سـاقـطـة مـن شـجـر الـتّـوت

وتـسـتـلـقي فـوق تـراب الأرض الـمـحـمـرّ ثـراءً و خـصـوبـة

وتـنـام يـهـدهـدهـا إنـشـاد الـمـلـكـوت

تـحـمـلـه مـسّـات نـسـيـم شــفـقـيـة

وعـطـور نـبـاتـات عـبـقـيـة

فـاحـت مـن مـرج يـسـقـيـه الـطّـل

تـتـسـاقـط فـوق ذراهـا أذيـال نـجـوم مـمـدودة

ونـيـازك تـهـوي مـن سـمـت الـزّرقـة

لـتـغـور بـأعـمـاق ٍ نـيـلـيـة

وتـضـيـع بـأحـشـاء الـلـيـل

يـنـادي الـشّـابُّ الـمـنـثـال الـشّـعـر عـلى الـكـتـفـيـن

حـبـيـبـتـه الـحـسـنـاء الـزّرقـاء الـعـيـنـيـن

لـتـخـرج مـن سـحـر الـلـوحـة

لـكـنّ حـبـيـبـتـه كـانـت تـتـمـشّى بـيـن الألـوان و بـيـن الأشـكـال

تـسـتـلـقي فـوق صـخـور جـبـال

وتـركـض نـحـو كـثـيـب رمـال

وتـغـوص بـأعـمـاق الـمـاء الـدّافئ

ويـرى بـسـمـتـهـا إشـعـاعـاً يـتـسـلـل في الـزّرقـة

ويـذوب بـهـا

وقـصـائـبـهـا ذهـبـاً يـتـنـاثـر في الـنّـور الأحـمـر

ويـرى ورد الـجـسـد الـبـضّ

يـطـيـر غـيـومـاً هـفـهـافـة

تـصـاحـب طـيـراً يُـبـحـر عـبـر الـرّيـح إلى الـغـرب

وحـروفـاً تـتـمـاوج مـمـتـزجـة

تـتـصـاعـد أنـغـامـاً لـم تُـسـمـع مـن قـبـل

تـتـراقـص شـدواً بـلـغـات الـحُـسـن

تـمـجـيـداً لـجـمـال الـعـالـم

وتـرشّ بـلاسـم بـرد وسـلام

عـلى آلام الـحـرب

وبـؤس الإنـسـان

لـيـلـتـئـم الـجـرح الـدّامي في الـقـلـب

ويـصـيـر مـروجـاً و حـقـولاً خـضـراء

تـورق ضـحـكـات هـنـاء

في قـلـب الـطّـفـل الـبـاكي

وزغـاريـدَ نـسـاء

وعـصـافـيـرَ تـغـرّد نـشـوانـة

تـتـطـايـر في هـبّـات الـبـهـجـة

ويـصـيـر الـكـون جـمـالاً تـحـويـه الـلـوحـة

 

 

[email protected]