“ضباب البعث” قصة قصيرة للكاتب المغربي هشام ناجح

“الإنسان حمولة من الأطفال، فلنبحث نحن البالغين عن آبائنا في الأطفال ولو في الصين”.

(هـ.ن)

 

هشام ناجح

الطفل سان وان يو لم يكن يستوعب الفرق بين التيه والشرود. لكنه يحس ثمة نشوة تربطهما معا، حين يشرع مبضع مخه في شرخ الصور من خلال مخزون السياق الإيجابي الذي تشكل سلفا من إحساس لم يكتمل. حالة لا اكتمال كانت تدفعه إلى أن يستند على حركات الآخر في رصد المعنى الحسي. فيلتقط من معلمه شان لو شان، وهو يقرع الأرض بحذائه الأسود السميك: “أخبرنا أيها التائه”؛ إشارات تؤكد أن التيه سلوك أرضي، وحالما يلكزه والده تاو هو جين بكوعه، ملوحا ببصره في الأفق: “أيها الشارد”؛ يتفطن إلى أنه سفر سماوي. لكن، حتى نستوعب الحالة الذهنية لسان وان يو يجب أن نحيط بطبيعة الضباب الذي يلف مدينة بيجين. لهذا فحالة لا اكتمال ترتبط في عمومها بتعليقات الآخر للإحاطة بين الكلمتين. إن لم نقل بين الحركتين والضباب الرابض على مدينة بيجين. حركة الأرض تبدو قريبة المأخذ لأن الدعامة تسعفه على تبني الحركة بدون مشقة، إذ يتخيل أطيط الأحذية، إلا أن الحركة السماوية، لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال التحليق بعيدا؛ إذ كان ساو يتخيل أن لمخه أجنجة، فيشرخ الضباب، أو يلاحق الغبار الرمادي المتماسك ـ حسب تعريفه للضباب الرابض على مدينة بيجين ـ مع العلم أنه كان يحاول إخفاء ملامحه للحد من التيه والشرود على الأقل في نظر المعلم أو الأب، فيزداد حجم الغبار الرمادي الرابض على مدينة بيجين، وتزداد نشوة حالة لااكتمال ــ التي ــ بدورها تقوده إلى حالة مصاحبة من التركيز الدقيق، وهنا يمكننا أن نحدد سياقات هوية الطفل سان المتحدر من الأصول التبتية المشبعة بحكايات، ومواساة السيدة تاو زهانغ التي كانت تحاول أن تخفف مرارة يتم ساو بذلك العطف البودي المنسجم مع التطلعات إلى استقلال إقليم التبت وهي تلقي بيديها في الهواء بحركة استعراضية متموجة ، بعد أن تقفل عينيها، حتى يدب اليقين إلى ساو، رادفة بصوت هامس: ” إن الأرواح الجميلة تلتقي ببعضها ولو في الضباب. الأرواح المهمة بالطبع”.

كانت كلمة “مهمة” تمجد لدى أهل التبت نعمة الحب والأخلاق والتمسك بلوعة الغياب. إنها كلمة منذورة لكل شيء حسن يتوافق مع المحبة الخبيئة للحيز المتصل دائما بهضبة التبت أو بسقف العالم كما يعشق أهل التبت أن يتذوقوا اسم وطنهم المنفلت. بما أنه كان يهتدي بإحساسه أن يجد مكانا لتحية الأرواح الجميلة، فهو يرتبط بالأقارب فقط. لكي لا تتفرع كلمة “مهمة” إلى سيل من التصورات التي يمكن أن تخذله، فينثرها على الأرض بعد أن يلملم أعقاب الطباشير التي تسقط من يد المعلم شان لو شان. إذ كان يرغب في ترجمة الأرواح المهمة إلى رسوم، وليعلم سان الحدود القصوى للأفق المتاح، فقد اختار الجزء الشمالي من حائط السور العظيم كمجال عمودي يلفه الغبار الرمادي المتماسك في الصباحات المبكرة مخافة أن تخون مدينة بيجين نشوة لا اكتمال. كانت الدراجة الهوائية مسلوبة الإرادة للحركة الدائرية لرجلي ساو بقعقعتها المموسقة في بنية الاتجاه نحو الحركة التي تفيد الخلاص أو الخلق أو الالتقاء قبل أن تتسلل خيوط الشمس الأولى، فيشرع في رسم الزهور من الأسفل إلى الأعلى عكس ما تلقنه في المدرسة، وحتى يجعل من التيه دعامة لخلق الأرواح كانت تفوح روح والدته من زهرة اللوتس، وقطته شاميا من زهرة البابونج، وروح الغائب/ الحاضر “الدالاي لاما” من النرجس الأصفر، فتتعالى الروائح والألوان على حائط السور العظيم، منتعشة من الغبار الرمادي الرابض لتتضح الرسوم مليا. القطة شاميا ترفع ذيلها تطالبه بالمزيد من التمرير، صادحة بموائها، تذكره بجبنتها المغرية، تترنح بمزيد من الشوق وهو يدخل يده في جيبه. وبعد الاطمئنان على شاميا، يطوق زهرة اللوتس بذراعيه ويقبلها. تبزغ امرأة تسمو بالأحزان إلى حد الرضا.عيون تتطلع إلى الرغبة في سماع ابنها الوحيد. تنفلت الدموع من عينيه، يمسحها، فاتحا شفتيه بابتسامة خفيفة، فيردف بصوت فيه غنة لطيفة:

” أمي العزيزة كان يوم الأمس رائعا. زرت العجوز نانغ شانغا شين، وقدمت لها باقة من الورد، بالرغم من أنها ضريرة، فقد تحسست الباقة، واستنشقت عطرها، وميزت كل عبق، وحكت عن كل وردة حكايات “تزولي” بوداعة طفولية بديعة لن أنساها أبدا.

كانت صورة الزعيم ماو ببزته العسكرية تبدو مقيتة، لم يبق من مائة زهرة سوى عبودية الخوف وهلوسات التصنيع.

لا أرغب يا أماه في أن أذكرك باللحظات المهزوزة. نحن شعب تتوسلنا الخصوصيات فنرحب بها، لأننا بكل بساطة نلغي المواضعات الخبيثة، ونهتم بتيجان السيحان.

أعلم أن روحنا تغلف المكان، أكاد ألمسها يا أماه، فهي مصابيح لا تطالها العتمة، فيزداد التوق دائما إلى الضباب.

حتى لا أنسى يا أماه، سيحج المعلم شات سن ناغ إلى جبل تشومولانغما. لقد وعدني بإحضار الماء المبجل. إنه حقنا في محو الخطايا، سأكون سعيدا وأنا أغسل أطرافك صحبة القطة شاميا”.

تومئ الأم برأسها مؤكدة شوقها بابتسامة صامتة. القطة شاميا تتشعلق في سرواله بعد أن أنهت جبنتها.

مسحة من الشمس تلقي بخيوطها الأولى، تدفع الضباب إلى الهجرة صوب اللامعلوم. تختفي الأزهار تدريجيا، فلاتسمع سوى قعقعة الدراجة الهوائية المسلوبة الإرادة للحركة الدائرية وهي تودع الجزء الشمالي لسور الصين العظيم.

 

هشام ناجح كاتب مغربي مقيم بفرنسا.

[email protected]