ضريح “سيدي كرّام الضيف” بعيون وأنامل الفنانة البولونية باربرا بيكارسكا أبو هلال

باربرا بيكارسكا أبو هلال

باربارا بيكارسكا أبوهلال فنانة وطبيبة علم النفس سكنت في المغرب ثمانية سنوات قامت بعدة معارض شخصية في الدار البيضاء، مراكش ومدينة الجديدة التي كانت تقطن بها، ومؤخرا اقامت معرضا لها في لندن. نص “سيدي كرام الضيف” هو جزء من يومياتها في المغرب. وقد نشرته بالبولونية في مجلة ثقافية تهتم بالشعر والفنون. وننشر هنا الترجمة العربية التي قام بها حسن الرحيب.

 

 

لقاء مع ضريح سيدي كرّام الضيف 28 مارس 2017:

تتوحد الأضرحة وأسماؤها في المغرب لأنها تدلّ على أشخاص مقدّسين من المنظور الإسلامي الشعبي. وتتميّز كلها ببيوت يتوسطها قبر. تكون غالباً البناية صغيرة الحجم. مربّعة الأساس لتتّخذ في النهاية شكلاً مكعّباً بسيطاً وجميلاً في نفس الوقت. ينتهي بسقف مخروط الشكل conique. وبجدران ساحرة البياض. وفي المغرب يمكنك رؤية الأضرحة في كل مكان. إذ تتماهى وتندمج بشكل رائع وجميل في الوسط الطبيعي والثقافي للبلاد والسكان. كما أنها محمية بقوة وغيرة من طرف الدولة والأهالي معاً. فالضريح مكان ومحجّ للزيارة والتعبد أيضاً.

من أعمال باربرا بيكارسكا أبو هلال

يكمن سرّ جمال الأضرحة وهيبتها الساحرة والرهبة المنبعثة من رمزيتها الدينية في نوافذها المستطيلة بشكلها المحيل على أشكال المعابد وبعدها السماوي. والأبواب المقوسة القديمة. وما تثيره من وقار ورهبة في نفوس الرجال والنساء. كما تشكل امتداداً لرهبة المآذن والجوامع المشرئبّة أعناقها نحو عنان السماء إلى ما لا نهاية ولا تحديد. وأيضاً على الصخور وأشكال الأواني المستعملة إذ كلها تتخذ أشكالاً وطابعاً دينياً مقدّساً ! أردتُ اكتشاف أسرار الضريح الماثل أمامي والمسمّى سيدي كرّام الضيف. انبهرت به وأنا أراه عن قرب في الوهلة الأولى. كما انبهرت به وبنفس الإحساس بالرهبة والخشوع وأنا أتأمله عن بعد. فوجدت نفسي مدفوعةً بالرغبة الجامحة لأخذ صور فوتوغرافية لكل جوانبه وزواياه المختلفة نظراً للرهبة والجلال الذي تبعثه في النفوس. تأملت الأجواء المحيطة به. أنصتتُ للّامرئي والغامض حواليه. حاولتُ رؤية ما لا يُسمع أو يُحَسّ. ثم وقفت أنتظر وأنتظر وأنتظر.. أنتظر انكشاف الحجاب عن سرّ مختف وراء هذه الرهبة السماوية المحيطة بالضريح الملغز والغامض. والذي يمتدّ سحره وهيبته وفخامته رغم ضآلة بنايته إلى ما وراء السماء. كما تنحدر نحو الأسفل أي عمق المحيط (بحر الظلمات) وصدى الصخور الأبدي. ذات يوم وبعد تردد شديد انكشف الغطاء. وانهتك الحجاب وزال السرّ كما ينزاح الستار عن المسرح التراجيدي حين ينجلي المشهد عن قرب وبوضوح. لقد كان أول ولوج لي لضريح مغلق يحمي أسراراً أبدية بتحكم وغيرة. لقد توفرت لي الفرصة الآن لأعرف سراً غير مسبوق يعرفه فقط المغاربة ويبخلون به على الأجانب من ثقافات أخرى مختلفة. باستطاعتي الآن الذهاب إلى عمق ما وراء الحجاب. والغوص في باطن السرّ المكنون وفي النهاية فكّ اللّغز الغامض. فقد ظلت تراودني أحاسيس غامضة وتداعبني آمال عريضة ممزوجة بتوتر غريب حول ما سأشاهده وألاقيه بعد حين. لكن للأسف انطفت جذوة حيرتي. وزال فضولي فجأةً لأني لم أرَ شيئاً مما كان يخالج أحاسيسي. ويراود توقعاتي الميتافيزيقية. حقيقةً لم يكن هناك شيء سوى بعض التجهيزات المغبرّة والبئيسة التي قد لا تستهوي لصّاً فيدعها باحترام في مكانها تعففاً من إزعاجها وإيقاظها من سباتها الأبدي: حصائر نال منها العفن ورطوبة البحر منذ مئات السنين.

من أعمال باربرا بيكارسكا أبو هلال

كان هناك أيضاً ثوب أخضر مثيراً للرعب يغطي طول القبر المثلث. وربما كان هناك أيضاً كرسي أو شيء معدني اعتلاه الصدأ ونخر جوانبه المتعفنة توالي السنين. وعبق الماضي البعيد. كما تشبّع الفضاء برائحة الرطوبة والموت والأعشاب المحترقة. تسمرتُ مندهشةً أحملق في باطن الضريح وأرجائه لعلّي أكتشف المزيد مما توقعت. مستعدّةً لكل احتمال أو مفاجأة كيفما كانت نتيجتها أو وقعها الغامض. لكن كان كل شيء غارقاً في صمت القبور. ورائحة الماضي تملأ المكان رهبةً وخوفاً من المجهول. ربما كان عليّ أيضاً الابتعاد بأفكاري عن الشعوذة والمعتقدات المرتبطة بثقافة الساحرات الأوروبيات خلال العصور الوسطى. كي أفهم الطابع الخصوصي المنفرد لشيء يبقى عادياً على الأقل من منظوري الخاص.

 

من أعمال باربرا بيكارسكا أبو هلال

ترجمة حسن الرحيبي