عاشور الطويبي: عندما قابلتُ حافظ الشيرازي في الغابة

عاشور الطويبي

الغابة بجانب المرفأ تطفو

ثم تعلو ثم تطفو ثم تعلو

الغابة تنتظر!

*

عند الغسق تأتي القوارب،

تطوي أشرعتها تحت الجسر الوحيد

في البلدة التي لا ينطق سكّانها اسمها

فقط أعلام تُرفع على صوارٍ،

بخطّين حمراوين مائلين ودائرة زرقاء

*

الليل دائمًا يقترب من جانب الجبل

يحمل في زوّادته خبزا للمطابخ

ولحوم أيائل جفّفتها رياحُ الشمال

*

بحاّرة بوجوه متشابهة

تصعد، تنزل المرفأ البارد

بحّارة قلوبها في بلاد بعيدة

سيّان عندها دفء الحانة الثقيل

أو أغانٍ أثقلها صمتُ البِحَار ودوارُ الحنين.

*

“جئتُ من كوّة في السماء

تكلّمتُ بلا لسان

وقفُ بلا قدمين

ثمّ مشىيتُ خلف قلبي

في الساحل

في الجبل

بين الناس

وكلّما أوجعني صخبُ السؤال

جلست على حجر وحدّقتُ في الأعالي

لم أسع وراء جواب

لم أسع وراء طمأنينة عابرة

لم أسع وراء شيء.”

قال حافظ

*

“كانت الشجرة أعلى من رأس يقطر بدمٍ غزير

كانت الأرض أبعد من كوّة في السماء

كان الألم كُرة تتدحرج من أرض أخرى

كان الألم نشيدَ إلهٍ مكسور الجناح.”

قلتُ

*

قصيدة غزل رقيقة، ما بيني وبين حافظ

أنا أرقّقُ حكايات الغابة بين اصبعين مرتعشين

وهو يدوّر شهقات الشهوة يأخذها بعيدًا عن حانة

وبعيدًا عن شجرة تين وراء النافذة المشرعة.

“لا تتعبْ الوقتَ قبل أن ينضج التين”

قال حافظ

*

“أيّ الدروب أقصر لساحة الرقص؟”

قلتُ

*

“ساعة قبل الشفق،

ترسل الشمس أجنادها

لتوقظ الظلال الرابضة على الجبال

وبين جيوب السحب وفوق الأشجار

كي تولد غربانا كاملة من جديد.”

قال حافظ

*

” كيف إذن، على كلّ شفة بئر، غراب فرحان؟!

وكيف لهذا القلب أن يلتقط في الهواء

همسَ شرانق تفتح أبوابها للكون؟”

قلتُ

*

“للصيّاد المنهك، السحبُ الواطئة سرب أطيار

للجندي العائد من الحرب، الأشجارُ ملأى بالرغبات

للسراب في الصحراء، المدى طيّارات ورق تقترب وتبتعد

للبذور المدفونة تحت الأرض، نغمٌ تنهض وتسقط عليه الكائنات

للبحر البعيد، سفائنُ في حلوق الطير.”

قال حافظ

“بشرٌ يتزاحمون في قاعة واسعة

ماذا يريدون؟

ما الذي جاء بهم، هذه الساعة؟

عطور تفوح وهمهمات تصطدم ببعضها

ونهارٌ يقصر من أكمامه

وسحب دخان تنزلق على الحيطان

وحده وردُ الأصّيص في الركن يراقب بلا اكتراث!”

قلتُ

*

“كلّ سماء قريبة من الغابة لها رقصتها

ولها دهشتها والكثير الكثير من الضحكات.”

قال حافظ

*

“كلّ شمس قريبة من الغابة لها رقصتها

ولها خيلها ووشمها والكثير الكثير من دنان الخمر.”

قلتُ

*

“النمل لا يتلصّص على العشّاق

غايته أن يصعد ساق شجرة

أن يستنشق في طريقه وردة الحارس العجوز

غايته أن يستريح في الظهيرة تحت الجسر

غايته على بعد نملتين

أن يقطف حبة شعير أو حبتين.”

قال حافظ

“إذا أخذنا من الوجود سكرته

إذا أخذنا من الأجساد صبواتها

إذا أخذنا من الألوان حيواتها

إذا أخذنا من المحبّة أتباعها

ما الذي يتبقّى؟

أصداءُ كائنات تعوي في الوديان!”

قلتُ

*

“من طرف الغابة إلى طرف الغابة

تعبر الأقدام بصخبها بصمتها

أقدامٌ من زمن بعيد بعيد.”

قال حافظ

*

“صوت قبلة حارّة يملأ الغابة!

قلتُ

*

“لنأخذ العاشق إلى النهر يودّعه ويودّعه.”

قال حافظ

*

“لا، بل نأخذه إلى صحراء يسمع هدير الصمت.”

قلتُ

*

“ها قد وصلنا البحيرة!

سأنزل الماء، سأبحث عن مكان ظليل

أجمع أخشابا للنار

سأتحدّث مع البومة والغراب

وعندما يجىء الليل سأجد سمكتي.”

قال حافظ

*

“الغراب الذي وقف أعلى الصاري

كان غريبا مثلي، لكني نزلت

المرفأُ كأيّ مرفأ، يراك ولا يراك

يئنّ بأثقال البحّارة الغرباء

يهب طعامًا وخمرًا ويأخذ منك الطمأنينة

المرفأُ لحظة غياب أبدي!”

قلتُ

 

شاعر ومترجم ليبي، النرويج

[email protected]