عاشور الطويبي: وقفتُ تحت نافذة القرطبي وكان المطر يهطلُ

عاشور الطويبي

البادىءُ بحمد نفسه، الناظرُ إلى مرآة ذاته. قرعُ طبول، همسُ غابات، خفق أجنحة. صهيل خيول، كلامٌ، قديم، كلامٌ جديد. حرف يَسبح في محّ بيضة، حرف ينبض في المطر، حرف ينبض كما تنبض الكرة في يدِ لاعب السلّة. حرف يقطعُ المَلا والمَلا. لا عطش ولا جوع.

 

*

الشكّ مستوطن في اليقين. اليقين برقع غابت صاحبته في ليل كثيف.

فصيحٌ معارضٌ، عييٌّ لبيبٌ، وبليغٌ شكولٌ.

 

*

حائط الأجساد لا يمنع الفكرة من العبور، الجسد بطن وفرث، الجسد قلب وفؤاد، الجسد أوراق شجر؛ خضراء في وقتها، صفراء في وقتها. الجسد نكسات وعثرات وسفائن تائهة في بحر لجّي لا ساحل له. الجسد كينونة النقطة وخرير الأنفاس في نهر سّيالٍ. الجسد أرض وسماء، هواء ونار.

 

*

أين تحطّ فمكَ على موضع، تراه بعين الذوق. أين تحطّ يدك على موضع، تراه بعين الحسّ. أين تحطّ قلبكَ على موضع، تراه بعين الكينونة، فلا ترى شيئاَ غيرك في سواك.

أين تحطّ عينك على موضع تراه بألف عين وعين. أين موضع لا تحطّ عليه، غائبٌ عنك.

 

*

القراءة أحمال فوق أحمال. ما أطول أكمام القميص! ما أشدّ زرقة السماء! ما أقرب حفيف السراب! تخفق الأجنحة في أوّل السرب مثلما تخفق في آخره. الطيران أحمال فوق أحمال.

*

فضوحاتُ اللسان في الليل غير فضوحات اللسان في النهار. كذلك فضوحاتُ القدم واليد والعين والقلب. ليس كلُّ فضوحٍ يوصلُ إلى شارع أو سقيفة. ليس كلُّ فضوحٍ بغيضاً. فضوحُ الوردة عطرها، وفضوحُ البريد ضحضاحٌ شاسعٌ. فضوحُ الظهيرة ظلٌّ مكسور.

 

*

ليكن عَلمك على جبل فلا تضلّ. ليكن عَلمك على شجرة فلا تكمدْ. ليكن عَلمك على منارة فلا ترقدُ على الرمل ميتاً. ليكن عَلمك كرسيّ تتلو عليه تعاويذ الفراق.

 

*

اللحن يدور على نفسه كما يدور الثور على الطاحونة، والطاحونة على الشعير، والشعير على الحقل، والحقل على الريح، والريح على جناحي طائرٍ. الطائرُ في الهواء نقطة، وعلى الأرض نقطة، والنقطة شاهدة على نفسها كما يشهد الكلام على الكلام، والكلام حبلٌ معلقة عليه الكائنات، والكائنات فرح منثور وحزن منثور.

 

*

هاتِ القوس مشدوداً، هاتِ الفرس نافرةً، هاتِ المرأة فرحاً، هاتِ الجرح ناتئاً، هاتِ الليل كظيماً، هاتِ القلب على ظهر خنفساء، هاتِ اللسان مبسوطاً فقد وجبت القراءة.

 

*

لك أن تقطعَ الحنين قِطعاً قِطعاً، ولك أن تدسّه بين جنبيك فلا يراك أحدٌ إلا قال هذا شاعر مجنون.

ولك أن تقطع النهر قِطعاً قِطعاً، ولك أن تنثره على البريّة، فلا يراك أحدٌ إلا قال هذا سقّاؤهم الذي يوعدون.

 

*

وضع يده على رأسه وقال له: هل ترى ذلك الحبل المعلّق في السماء؟ هل ترى ذلك النهر الجاري بين الحقول؟ هل ترى ذلك البيت على الجبل هناك؟ هل ترى تلك الأترجّة على المائدة؟

 

*

لا تبرح مكانك وأنت بين ليلين. لا تبرح مكانك وأنت بين أمرين. لا تبرح مكانك وأنت لا أنت أنت.

 

*

يا صاحب الأسفار، سيأخذك الكلام المقلوب إلى قومٍ يعصرون خمراً، فانظرْ إلى كيف يهمهمون في الأفجار وكيف إذا ما غربت شمسهم، رفعوا أصواتهم بالغناء الماجن. لا تتوقف على طريق قريتهم، امضِ ولا تلتفت وراءك.

 

*

أحزنٌ على لسانك أم فرح؟! نحن قومٌ نغنّي حيواتنا لشحّ مائها، وشحوب ترابها، ويباس سمائها.

نحن قومٌ نستلّ اللحن من قلوب الأشجار ومن أخفاف الإبل. نحن قومٌ تفوح مباخرنا بأنّات التلال والأجراف الشاهقة. نحن قومٌ أصابعنا مشدودة بخيطٍ يتدلّى من سماء قريبة. نحن قومٌ نسمّي أولادنا بأسماء طيورنا، ونسمّي أحجارنا بأسماء أصنامنا.

 

*

نبْرةٌ على راحلة. هكذا يتقطع صوت النبيّ.

 

شاعر ومترجم ليبي، يقيم في النرويج

[email protected]