عامان مأهولان: عبد الرحمن الماجدي

عبد الرحمن الماجدي 88
عبد الرحمن الماجدي Abdel Rahman al-<ajedi

أردّدُ اسمكِ في اليقظةِ فتهطلُ ذكرياتٌ عاريةٌ تتكوّمُ على أرضِ النومِ حولَ شجرةٍ وحيدةٍ أوجعها حضورُ الخريفِ. تتأوّهينَ وتهمسينَ باسمي فأحضرُ، عنوةً، في صحوكِ عارياً بلا خريف.
تسيرينَ على مرجٍ ثلجيٍّ ينتظرُ قدميكِ الوئيدتينِ يمسّدهما بتملّقٍ يليقُ بهما، وعيناكِ تبتسمانِ ببرودٍ لا يليقُ بهما، تجردّين الحلمَ الماكثَ في نومي، منذُ عامين، من صورتكِ البيضاءِ بضفيرتينِ حمراوينِ مدلّلتين، وعينينِ رماديّتين تديمان خدرَ الناظرينِ.
كنتُ هشّاً حينَ عانقتكِ في محطةِ الشتاءِ وحولَنا كائناتُ الثلجِ مزيّنةً بفاكهةٍ جافّةٍ، ترمقنا، بحسدٍ، حينَ نسينا باقّةَ الوردِ بينَ كفّينا تترجّح ثملةً، مصدقةً قصةَ عشقٍ بدائيٍّ بهالتهِ المرسلةِ قبسَها الى مصابيحِ الطرقاتِ النائمُ ضوءُها في زجاجِ اليقين.
لم أصحُ، حتّى حينَ بادرتني بالسؤالِ، أولَّ الشتاءِ، عن لقاءٍ قديمٍ، يومَ التصقنا على سريرِ آخرِ العامِ، وضحككِ الحييِّ من طلبي أنْ ندعَ جسدينا يتحدثانِ لغةً بدائيّةً صفّقتِ لها، تالياً، بكفينِ باسمتينِ موقنتينِ من هبةِ العامِ قبلَ بدايتهِ الوشيكة.
رَعْرَعْنا الوقتَ بنشوتِنا، فهرعتْ إلينا أحجارٌ مسنّةٌ، تتمايلُ في انتقالها على الطريقِ الأَسنِّ شابةً تتأمّلنا كإلهينِ قديرين.
أطيلُ النظرَ لوجهكِ النائمِ على قبلاتِ الأمسِ مهّدتْ لأحلامٍ مشوشةٍ ستروينها على خريرِ ماءٍ أخضرَ ينسابُ ساخناً من فمِ المعدنِ، ليهتدي تيهُ عينيكِ الرماديِّ بعدَ رشفاتٍ وقورةٍ، فأحدسُ ضياعاً أبدّدُهُ بعناقٍ مذعورٍ عندَ البابِ تبتلعكِ ظلمةُ السُلّمِ طوالَ النهارِ تدرّبني على فقدانٍ قريب.
أنتظرُ، فأدركُ أنَّ نهاراتِ الشمالِ غُرَفٌ منزوعةُ الستائرِ، تمدّدُني على سريركِ الحديدِ أفسّرُ كلماتِ نشوتكِ في الليلةِ السالفةِ حتى يعيدكِ حوذيُّ المساءِ جذلةً تداعبينَ ذؤابةَ إحدى ضفيرتيكِ الحمراوينِ، تتحدثينَ عن سحنةِ الليلِ يثرثرُ هواءً أجشَّ سينهكُ الفجرَ المغمومَ من شمسٍ منقادةٍ لسباتِ الشمالِ.
أجالسُ النهارَ الصامتَ أتأمّلَ عامينِ مأهولينِ بنا، نزلنا في نهايِتيهما قبراً رماديّاً، فعانقْتُ، وحيداً، تراباً يهيلهُ الواثقونَ من موتي ومن مروركِ، بعيداً، تسيرينَ عاريةً على ثلجٍ هشٍّ تنتظرينَ بزوغ عشقٍ قريب.

[email protected]