“عامُ الدجاجات الخمس” قصة قصيرة للكاتب التونسي كمال الهلالي

كمال الهلالي

(1)

مواعظ ب ب المسكين

خيوط سوداء، زرقاء من الدخان الذي خلّفته إطارات السيارات المشتعلة، هي ما كان يلمحه ب ب المسكين وهو يلوي عنقه وينظر من الزجاج الخلفي للسيارة. الأوقات صعبة في هذا البلد، ردّد في دواخله الصامتة. في شوارع الحاضرة البعيدة كان المتظاهرون يحوّلون كل شيء إلى وقود يقول غضبهم المتفجر من الأعماق: إطارات السيارات، فضلات المغازات والحوانيت المنهوبة…

ضوء الخريف ناعس وكئيب كآبة مرحة، على عكس كآبة مدن الشمال. ثمّة نزق وانفلات في كيفية توزّع الغيوم البيضاء، الأرجوانية، الزرقاء… ثمة ألوان لا تسمّى. كان ينظر إلى الخلف بحثا عن صنوبرات بعيدات. غير أنّ ما كان يمْثُل في الأفق هو مشهد حرائق تونسية.

كان ب ب المسكين، مع صديقه ” باول” الصحفي بمجلة ألمانية ذائعة الصيت ودليل من أهالي البلد درس الألمانية بالجامعة، في سيارة فارهة يشقون بهدوء طريقا مطيرا. بين أشجار السنديان رأوا عند حلول الليل شبحا زريّا وسط أشباح خضراء صديقة، يلوّح باتجاههم، منحنيا انحناءة تليق بشجرة مثقلة، كي يحملوه معهم. كان لديهم متّسع في السيّارة لكنهم واصلوا السير بهدوء. سمع صوته يقول برنّة كئيبة: “لا يمكننا اصطحاب أحد”. كان ب ب المسكين قد قطع مع صاحبيه مسافة طويلة، يوما ربما، حين صدمه فجأة صوته ذاك، تصرفه ذاك وهذا العالم بأسره.

قضوا ليلتهم في فندق صغير وسط غابة من الصنوبر والفلّين على أطراف مدينة عالية. باول كان يرغب في تجميع مادة جيدة ليكتب تحقيقه الصحفي. كان يسأل كل من تضعهم صدف الطريق أمامهم عن كل شيء: أثمان علف الحيوانات، العلاقات قبل الزواج، التسامح مع المثلية الجنسية، أداء الشعائر الدينية، شحّ الأمطار، تجاربهم في الأيام الأولى من أحداث العام 2011..

تضيء عيناه أحيانا حين يفرغ من الحديث مع عامل عجوز في محطة بنزين مهملة، أو مع راع بعيد يصعد إليه مترجّلا من السيارة مع الدليل. من الممكن البلوغ إلى “تالة” في أقلّ من يوم، لكن للرحلة تعرّجاتها. في الجنوب سيلتقون ب “أمّ الخير”، أم الشهيد “محمد” لسماع قصّتها مع الرئيس الفار.

فكّر ب ب المسكين في المتع التي تهبها الرحلة: أول نظرة من النافذة في الصباح حين يستيقظ في فندق محاطا بالصنوبر والفلين، الوجوه المتحمّسة، حبّات البرد، نهايات الفصول، الكلب في الباحة، الديالكتيك، الإستحمام، الحذاء المريح، تقبّل الأشياء، الأفكار الذكية كأن تقول إن الأشرار ترهبهم مخالب الأسد بينما يعجب النبلاء برشاقته، السفر، نبيذ البراري البعيدة، أن تكون ودودا…

رفع ناظريه وهو يحاول جاهدا إذابة السكر في القهوة السوداء.

– ههْ ب ب هل الحال جيد؟

– لعلّها كذلك.

ردّ ب ب على تحيّة باول الصحفي المتحمّس لما يحدث في شمال افريقيا كما لو أن بقدرة هذه الأحداث أن تغيّر العالم. فطن أنه لا يزال يحرّك الملعقة في الكأس. السكر جامد وكثيف ويحتاج إلى حركة حانقة من اليد حتى يذوب تماما. وضع النادل الأشيب قطعتين من السكر في كأسه دون أن يستشيره، ربما بسبب حاجز اللغة. تحلّل السكر أخيرا وحين رفع ب ب الملعقة فطن إلى أن عنقها متكسّر.

“لا بدّ أنّ عيبا ما ظلّ في أعماق هذه الملعقة زمنا كافيا. ولا بدّ أنّ نادل الفندق لم يكن يهتم بالأمر. هذه الملعقة تذكّرنا أنّها كانت ذات يوم كاملة”، ردّد في دواخله الصامتة بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة سخرية. لم آت إلى هذا البلد من أجل الحكمة. لا يحتاج العالم إلى مزيد من الأثقال. يكفي فقط أن تموت الآلهة القديمة المحتضرة.

استعاد صور الوجوه التي التقاها: تونسيون حانقون، يلفّهم شعور من الخوف وعدم تصديق أنهم أنجزوا أمورا خارقة. هذا البلد جميل وضوؤه جليل ويبدو غير مبال بسكانه. فكّر ب ب: لست مسؤولا أحيانا عن الأفكار التي ترد إلى ذهني من تلقاء نفسها. لا يليق بي أن أقول أنّ البلد غير مبال بسكّانه. يجدر بي أن أقول أنّ الكون تسكنه أفكار مهيبة متهوّرة تتسكّع من تلقاء نفسها. أنا هنا لأكتب قصّة للذين لم يولدوا بعد، لأسأل أيّة أفكار بدأت في التسكع من هذا البلد في العام 2011؟

فكرة وحيدة تطوف بقسوة مرحة، هي فكرة الكرامة، وحيدة دون عون من إله أومن ملاك أومن أبطال خارقين. فكرة الحرية دخان، فكرة العدالة دخان.. آه الدخان؟

شاهد ب ب المسكين من نافذة بهو الفندق منزلا صغيرا مقاما بين الأشجار قرب بحيرة جبلية. من السقف كان يتصاعد الدخان. فكر في دواخله: “بدُون الدخان ما أشدّ ما تكون وحشة المنزل، والأشجار، والبحيرة.”

– السيد ب ب سنغادر. قال له المترجم. جال بعينيه في الفضاء بفتور تسرّب الى روحه دون سبب واضح.

سيذْكر ب ب المسكين دخان حرائق بعيدة. شجرة كمثرى بأغصان متدلّية تشغل الفناء الخلفي لمقهى متهالك، بجوار مرحاض أعدّ على عجل. رأس خروف يتدلّى في واجهة حانوت جزّار، غير مفصول عن جلده الدائر حول قلب فارغ. الخروف يعضّ على لسانه مغمض العينين. سيفكّر ب ب في دواخله بأنّ هذه التفاصيل تليق بأهل البلد الذين لا يعجبهم الظلم والشرطة وقطر وأمريكا، كما لا تعجبهم أنفسهم. وسيسأل عما إذا كان سيبلغ “تالة” وعن جدوى ما حدث ل “أم الخير”؟

تسلّل إلى وعي ب ب رجل الجمارك الذي استوقف لاو-تسو وطلب منه أن يترجّل عن ثوره وأن يملي تعاليمه على صبيّه كي يسمح لهما باجتياز الحدود. منحهما زادا لمواصلة الطريق وأعطاه الصبي إحدى وثمانين حكمة أملاها عليه المعلم العجوز العارف كيف يُبلي الماء الواهن الصخور الصلدة. بحث ب ب عن غليونه فلم يجده. لا بأس، قال. ثم إنّه فكّر في معلّم عربي غامض، يحبّ الطيوب والنساء والتجريدات الأكثر التباسا عن الألوهة ويعتبر الأرض مسجدا كبيرا. معلّم كانت تظلّله غيمات غير مرئيّة، في حرّ القوافل. يرعى الغنم متفكّرا في المطلق وفي الوازع الذي يجعل إنسانا يقتل إنسانا. معلّم تقول عنه زوجته الصغيرة أنّه كان يقبّلها “شقّ تينة”. ماذا لو اكتفى بالقول أن المطلق يصنعه بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق؟

عوض أن يقابل ملاكه ذاك، ماذا لو قابل على التخوم، كما حصل مع لا-تسو شيخ عشيرة أو راع صبي وأملى عليه حكمه العربية؟

وصل ب ب المسكين مع صاحبيه بعد الظهيرة إلى القيروان. كانت السيّارة تتجوّل بسرعة منخفضة قريبا من ساحة المسجد الخلفية. ثمّة شجرة زيتون تتدلّى من أغصانها شرائط ملوّنة صغيرة. مقبرة بيضاء بشواهد قبور ذات أشكال غريبة.

فُجع ب ب المسكين حين رأى سربا من السلفيين، بسراويلهم القصيرة ولحيّهم السوداء المرسلة بعناية، قريبا من مدخل المدينة العتيقة التي كان يتهيّأ لدخولها مترجّلا مع صاحبيه. كانت تنبعث منهم رائحة عطر رخيص. خمّن أنّهم يصلحون كأشباح لها رائحة خاصة، في مسرحية لن يكتبها، لأنه ببساطة قد مات منذ زمن طويل. وليس من يتجوّل في الأسواق ويأكل الطعام، متسائلا عن الأفكار التي تتسكّع عبثا في العالم، سوى فكرته، هو الشبح المقيم، في رأس “توفيق”، الذي كان يتدبر حاله بالعمل كدليل مع “باول”. ويتلهى في أوقات الصمت بقراءة طبعة لبنانية مهترئة من كتاب “قصائد برتولد برشت، ترجمة أحمد عباس” الصادر عن دار الفرابي، بانتظار أن يقلّ الكدر من حوله وأن يسمع قصصا غير التي يسمع: أبطال دون ادّعاء، مهملون. جرحى ثورة مزيفون. أتقياء يتكلّمون في كلّ شيء. بشر ملتاعون لأنّ أولادهم سافروا إلى سوريا والعراق لمجرّد قتل بشر يشبهونهم…

في السوق القديمة ترك ب ب المسكين صاحبه يساوم بائع زرابي وولج محلا لبيع التحف القديمة. كان خفيفا كما يليق بفكرة عظيمة. غبار خفي يملأ المكان. البائع ينعس في الركن غير معني به لأنه لا يحتاج إلى شبح شاعر ومسرحي ألماني يبشّر بمواعظ جديدة. بين القطع القديمة عثر ب ب على نقش ياباني يتدلّى من الحائط. قناع شيطان، مطلي بالذهب. مشفقا لاحظ ب ب “العروق النافرة على الجبهة، التي تبيّن كم يرهق المرء أن يكون شريرا.”

(2)

في الطريق إلى “تالة “

في الطريق إلى تالة، لن تلتقي بقطاع طرق أو بلصوص، سترى حقولا صغيرة من الرمان، واللوز، والزيتون والتين. سفوح جبال واطئة. بيوتا متناثرة من الآجر الأحمر. أشجار يوكالبتوس بجذوع رمادية ذات جروح، على جانبي الطريق. ستلتقي ولدا لم يجفّ على شفتيه خيط المخاط وبنتا نحيفة يرعيان قطيعا من المعز في غابة من الصنوبر.

ستشعر أنك حيّ ونزق حين ترى جديا ينزلق في منحدر أخضر. ولن ترغب في مواصلة التفكير في الطرق التي تجعلك سعيدا؟ يكفيك أنّك لا تزال موجودا، بكيفيّة ما، وأنّك في الطريق إلى “تالة”. كن مبتهجا ومتوتّرا.

ستجاوزك شاحنة يابانية تحمل نساء بدويّات يلوّحن بالمناديل ويطلقن الزغاريد في الريح. سيملأ غناؤهن شغاف قلبك وسترجف.

سترى عجوزا تتعثّر وهي تجري خلف سرب من الدجاجات كنّ يحاولن الطيران عبثا. وسترغب بقوة لو أنّك تطارد مثلها إوزّا ينفر منك في يوم عاصف. سترغب في أن تكون زوجها وأن تهرم في دعة معها. أن تكون جارها الخبيث يبهجك أيضا.

في الطريق إلى ” تالة ” لا تفكّر في “ايثاكا”. ما حاجتك إلى البطولة وأنت تمتطي جحشا رماديا صغيرا. زنابيلك ليست مليئة تماما. مشط من العاج، لفائف من السواك الحار، سلّة صغيرة من التين، ثوب داخلي من القطن الناعم، حلوى من الشام، هي كل ما اشتريته بدراهمك المعدودات من السوق.

لن تدخل “تالة”. ستشرف عليها من ربوة قريبة وستتأمّل أنوار قناديلها من على ظهر جحشك. ثم ستخز بعصاك بطن الجحش حتى يحملك إلى البيت حيث تنتظر زوجتك الصغيرة عطاياك.

في الطريق إلى “تالة” ترفّق بجحشك، وترفّق بقلبك وأنت ترى خيط دخان المواقد يرتفع من باحة دارك. كفاك أنّ بيتك يقع قريبا من ” تالة ” البعيدة والوحيدة وأنّ زوجتك الصغيرة تملك نهدين إجّاصتين..

(3)

دجاجات “أمّ الخير” الخمس

قرّرت “أمّ الخير” أن تغلق على نفسها بابها وألا تستقبل أحدا. لم تعد ترغب في زيارات الصحفيين ورجال أنيقين وجلين يزورونها عرضا، حين يضطرون لزيارة “تالة”، حتى يسمعوا قصتها مع الرئيس.

في البداية كانت تستسلم أمام الكاميرات والهواتف النقالة وآلات تسجيل معقوفة الميكروفونات. أصبحت لها القدرة على تمييز الصحفي الذي يستغل في إذاعة، لهم آلات تسجيل تشبه حقيبة يد، من الصحفي المشتغل في جريدة، في العادة يستعملون هواتفهم النقالة لتسجيل شهادتها، هم في الغالب الأفقر لأن الجرائد التونسية لا تدفع جيدا. كما أصبحت تميّز جنسيات الصحفيين. من السهولة أن تفرّق بين صحفي ألماني وآخر فرنسي، لكن التمييز بين صحفي ألماني وآخر هولندي يرهقها. تحّب “أمّ الخير” الزائرين اليابانيين، بعيونهم تلك. هم متأدّبون جدّا يرطنون بلغة عجيبة لها وقع آسر.

طرق بابها سياسيون أصبحت تميّز أحزابهم بعد دقائق معدودة من الحديث. لا تحبّهم ولا تتعاطف معهم. الشفقة شعور رائع لا تذخره إلا للرئيس السابق. لقد جثى على ركبتيه باكيا وهو يشدّ بقوة على يديها. أدركت ماذا يكابد الرجل وأحسّت أنه مسكين حقيقي.

كانت تشعر بالخفّة وبخدر لذيذ يسري في جسدها. تعُوزُها جرعة قويّة من الغاز المسيل للدموع. في الأيّام الأولى، حين كانت الشرطة تهوي بالهراوات على الجميع، استنشقت قنابل غاز منتهية الصلوحية، كانت أشبه بمنبّه. تدمع العينان فقط وتتفتّح المسام كما لو أنّها بانتظار هبة حسيّة كبرى. بعدها صارت الشرطة تستعمل قنابل غاز مصنوعة في البرازيل ذات فاعلية قصوى. تنهمر الدموع بنزق بالغ. الرائحة تنفذ بفحولة في مسام جسدها. تحاول أن تعود من السوق إلى بيتها ولكن دخان قنابل الغاز كان يرسم سياجا لامرئيا لا تقدر على اختراقه. تعرف أنّ بيتها قريب غير أنها لا تبلغه.

الرائحة شرسة، قويّة، متهوّرة. ليس من السهل أن تتسلّل بين الأزقّة الطينيّة. ناسها الذين تعرفهم تحوّلوا إلى أشباح صاخبة تقارع أشباحا نظامية وسط غلالة ضبابية زرقاء. أصوات الرصاص تصمّ السماء. باب بيتها القصديري تحوّل إلى حلم سهل يستعصي عليها بلوغه. وتحوّل البيت إلى زريبة مشتهاة.

بتؤدة، تعود إلى المقبرة وتجلس قرب قبر ولدها الشهيد. لا يبلغ الغاز المشلّ للحركة هناك. فقط يبلغ الصياح والأصوات الغاضبة وأزيز الطلقات الطائشة. تمسح على الشاهدة بحنان. تتذكّر أنّها لم تحفر حوضا صغيرا في القبر، حتى تشرب الطيور العابرة. أردى الرصاص ابنها، عبثا، ولن تعرف أبدا من قتله. لا شيء تغيّر في مدينتها المهملة سوى أنّ اللحي السوداء والسراويل القصيرة ازدادت، وازداد الحنق في العيون.

دجاجاتها الخمس لم يمتن بسبب تنشّق الغاز لكنّهنّ توقّفن عن المبيض.

ما تغيّر في حياتها هو أنّها أصبحت تزور المقبرة باستمرار. لا تعود إلى البيت إلا مع حلول المساء، حين ترى أوّل خيط دخان من المواقد يرتفع في الافاق البعيدة، المحيطة بالمقبرة. لم تعد تصنع الخبز البلدي منذ أن استشهد ولدها وتحوّل غضبها النبيل إلى شفقة فيّاضة. شفقة على الرجل القوي الذي كان يرجف وهو يقبّل يديها، على البلد وعلى ناسه. قال لها أنّه لم يأمر بإطلاق الرصاص. سألته من أمر بذلك، فسكت. حاول أن يدسّ مغلّفا كبيرا من النقود بين يديها، فلم تفتحهما. لن تعيد النقود ميّتا من منازل الموتى.

قال الرئيس: قيل لي أنّك تشتغلين في معمل البلاستيك. قالت أمّ الخير أنّها تجمع البلاستيك من المزابل وتبيعه بثمن بخس إلى عضو الشعبة، كما أنّه لا توجد مصانع في “تاله”. قال الرئيس: قيل لي أنّك تملكين سبع بقرات وحقلا من الزيتون. قالت أمّ الخير: وحقّ ربي العزيز أنّها لا تملك سوى خمس دجاجات وعشرين دينارا أعطتها لعون المراسيم الذي يشتغل عنده حتى يشتري لها زوجا من الأحذية اللائقة، بعد أن جاء بها الأمن الرئاسي غصبا من حوشها. لم يتركوا لها الوقت اللازم حتى تجد فردة حذائها البلاستيكي اليسرى.

كانت منهمكة في فكّ رباط دجاجاتها كي يسرحن خارج البيت بحثا عن الدود والحبوب الخافية. لم تفطن بهم إلا وهم يحيطون بها. في الطريق إلى قرطاج، حشروها بينهم كما لو أنّ بقدرتها أن تهرب.

كانوا وجلين صارمين أمّا هي فقد كانت هادئة بهيّة. لم تعرف أنّها ستقابل الرئيس إلا حين اقتربت السيّارة المصفّحة الداكنة من أقواس الفناء الخارجي للقصر. تعرف زريبة الرئيس من نشرات الأخبار.

قال الرئيس: قيل لي أنّ ابنك “محمد” سكّير وكان بصدد السرقة حين مات. قالت أمّ الخير: هو لا يملك ثمن علبة سجائر “كريستال”. قال الرئيس: قيل لي أنّه مدمن على شرب “القوارص”. قالت أمّ الخير: العطور الرخيصة فاسدة لا تسكر دجاجة، ولم يمت ولدي وهو يسرق بل ثقب الرصاص جبهته وصدره النحيف.

المسكين، قالت أمّ الخير، كان يرتجف وهو يمسك بيديها بقوة. كان يبدو مجهدا وزائغ النظرات. وجهه أصفر كمن أفاق على حين غرّة على مصاب جليل لم يكن يتوقّعه أبدا. حضور أمّ الخير، سطوتها الهادئة والكرامة التي تشفّ من أعماقها، ذكّرت الرئيس بأمّه الميّتة فجثى باكيا على ركبتيه قدّامها.

قالت “أمّ الخير” إلى “الزين” أنّ البلد قد تغيّر. أنّ الغيم حبيس في السماء يأنف من النزول إلى “تالة”. أنّ اللصوص قرفوا من العطالة لأنّهم لا يجدون عندنا ما يسرقونه. أنّ الماء عزيز وأنّ الثعالب تبول على أحجار التيمّم وأنّ الله يحبّ الأغنياء. وهبك طفلا وأخذ منّي ولدي.

بدأ خيط رهيف وبعيد من الدخان الأزرق يرتفع في الأفق. الغيوم وطيئة. غيوم حمراء، بيضاء، أرجوانية، يكفي أن ترفع يديك لتمسك صوف السماء. طرفت عين أمّ الخير اليمنى وهي ترفع يدها. لم تمسك سوى بخشونة تجويف كفّها. تساءلت في دواخلها: ماذا يفعل الله في عزلته القطنية؟

كانت تغفو وحيدة، قريبا من شجرة اليقطين التي نبتت بنُبْل عفوي بجانب قبر ابنها، حين أيقظها من نومها القطني الخفيف، وقع أقدام. استقامت في جلستها محدّقة في زائرين كانا ينظران إليها. شاب بحاجبين كثيفين كان يرطن بالألمانية مع كهل ذي بشرة ذهبية خافتة الضوء. لابدّ أنّه صحفي ألماني جديد يرغب في سماع قصّتها مع الرئيس، بصحبة دليل من الأهالي. التفتت يمينا وهي تحسّ بوجود ثقيل آخر.

قرب شجرة السدر، حيث دُفن جارها “عصام” السلفي الذي قضى في السجن بعد أن خاض إضراب جوع وحشي، رأت “أمّ الخير” شبّانا سلفيين بلحيّ سوداء كثّة، يقفون بخشوع فائض عن الحاجة مطأطئ الرؤوس يتلون صلواتهم بألسنة خليّة من النحل.

هم غرباء، لا تعرفهم.

 

فيفري (شباط)2015

* من المجموعة القصصية : ” أحد ما يموت في الجنوب ” ، منشورات نادي الصحافة ، تونس، 2020