عبد العزيز بركة ساكن “فَنْطَاسِيَا الشَبَحْ” مونودراما قصيرة

عبد العزيز بركة ساكن

يُرفع الستار: “تظهر في الخلفية مباني وبيوت محروقة يتصاعد منها الدخان، تُسْمع أنَّات وصرخات تأتي من كل أنحاء المكان. صوتُ تفجيرات وبعض قعقعة الرشاشات الخفيفة، يَظهر وسط المسرح رجلٌ ضخمٌ يرتدي الزى العسكري، على كتفيه عددٌ كبيرٌ من الأنواط والعلامات العسكرية. يقف على كومةٍ من المعدات والآليات العسكرية المعطوبة، وتظهر تحته أيضاً، بعض الأدوات المنزلية وبقايا جثث بشرية، أحذية جنود، أحذية مدنيين، جلود حيوانات، قذائف فارغة، وبعض قطع السلاح. ويظهر في خلفية المسرح أيضاً، ويبدو بعيداً بعض الشيء، جبلٌ كبيرٌ مخضر كثيف الأشجار. يتصاعد خيط خفيف من الدخان من تحت قدمي الجنرال، متسربا من بين الأشياء. يبدو الجنرال منتفخاً ومزهواً، ويغمره إحساسٌ بأنَّه نبي، أو رب صغير استثنائي. عندما يكتمل رفع الستار، ينظر إلى البعيد، وكأنه يخاطب أشباح لا وجود لها في الواقع، يصرخ بصوتٍ غليظٍ مبحوح”:

الجنرال: “ينظر يميناً وشمالاً، ثُمَّ إلى الأمام وكأنه يبحث عن شيء ما” يا أهل سُوبا. “يصمت قليلا، يُسمع الصدى مكرراً صوته: يا أهل سُوبا” يا أهل سُوبا، ماذا ترون أني؟

الصدى: “يرد بذات الصوت يملأ الأمكنة كلها” يا أهل سُوبا ما ترون أني ني ني” وتسمع الكلمات الثلاث الأواخر واهنات، وتكرر الأخيرة عدة مرات”

الجنرال: “يضحك بصوتٍ ساخر ومرعب” ها ها ها ها ها ………..ها. “تعلو ضحكاته تدريجياً إلى أن تصبح مثل هزيم الرعد، ويكررها الصدى”

صوت: “يُسمع هدير طائرة تعبر السماء بمستوى منخفض جداً، يطغى صوتها على كل الأصوات الأخرى، يختفي تدريجياً، يتبعه صوت امرأة في شكل آهة ممطوطة” آآآآآآه يا رب؟

الجنرال:“يلتفت في عدة اتجاهات في تعجب” هل من منادٍ؟ أنا سمعتُ صوتاً ينادي، أيوجد شخصُ حيٌ هنا، هل هنالك من يحتاج لمساعدة؟ شخصُ جريحٌ، أسيرٌ، ميتٌ، منتهي؟ خائنٌ أو صديقٌ أو أي شيء؟؟ أنا سمعت صوتَ شخصٍ يناديني “يصرخ بكل ما أُوتي من قوة” يا ناس هل من مناد!!!

“يصمت قليلاً، يتحدَّث بصوتٍ منخفض مبحوح” على ما اعتقد أنا الآن وحدي، وحدي، وترقد المدينة المشاكسة تحتي، تحت قدمي، تحت حذائي “بصوتٍ أعلى قليلاً” تحت بوتي أنا وحدي. “يضرب بشدة برجله على كومةِ الأشياء تحت قدميه، فتُسْمع آهٌ عميقةٌ، ممطوطة، تخرج من تحت قدميه. يقفز من أعلى البقايا التي يقف عليها، يتعثر مراراً، يتمالك نفسه، يقوم ببعثرة الأشياء بسرعة، وبدون تركيز، بحثاً عن مصدر الآهة، وهو يطنطن بكلامٍ غير مفهوم. يرمي بالأشياء في كل الاتجاهات، مُنْتُبِاب، بقايا أطعمة، أحذية، قطع أثاث، عُقد سيدة، شاشة تلفاز، قدم جندي في البوت، جثمان امرأة، يهزه قليلاً ليتأكَّد من أنَّها ميتة، يرمي به جانباً، قطاً ميتاً، جركان ماء نصفها محروق، ريش دجاج، كتاب كبير الحجم، كتابان صغيران، لوحة تشكيلية، يرميها سريعاً، يقذف بها لأبعد ما يكون، ينصت، دجاجات ميتات، يرمي بالدجاجة بعيداً في قرف، فتصدر صوتاً غريباً، يذهب نحوها في حذر، يُمسك بها، تبدو في تمام النفوق، يرمي بها بنفس الطريقة الأولى، فتصدر ذات الصوت، كأنَّها تقول: آآآآآآآه يا رب. يأخذها مرة أخرى ليتأكَّد من أنَّ الصوت يصدر عنها بالذات، يضعها تحت رجله اليمنى، يضغط عليها بشدة، فلا تصدر أية أصوات، يدور بها، وبكل ما أُوتي من قوةٍ، يرمي بها بعيداً، وبعد لحظات تعود إليه مقذوفه بشدة وبقوة في اتجاهه، يميل بجسده في حركة رياضية للخلف، متجنباً جثة الدجاجة، تسقط قريباً منه، يركلها برجله في قرفٍ لا يخلو من الخوف.

صوت: آآآآآآآآآآه يا رب.

الجنرال: “منزعجاً” أنا سمعت صوتاً، أيوجد شخصُ حيٌ في مكانٍ ما؟ شخصٌ يحتاج لمساعدة، شخصٌ جريحٌ أو محروقٌ أو يُحْتَضَر، شخصٌ محتاج لكي ينجو، ينجو من الموت أو من أي شيء آخر. واحدٌ من الخونة أو الأصدقاء” يعبث بالبقايا التي تنتشر حوله، يخرج ساقاً لجندي، ما يزال البوت مربوطاً جيداً على قدمها، وبقايا البِنْطال العسكري ملوثة بالدماء، يتمَّعَنُها جيداً، يتمتم “واحدٌ من الخونة” يتفحصها مرة أخرى” لا، لا …. على ما أعتقد، واحدٌ من جنودِنا البواسل، أنا أعرف عينة هذه الابوات، ولكن الخونة أيضاً، يمكنهم الحصول على ذات الابوات. نعم الفرق بيننا وبينهم في مصدر البوت فقط، إنَّهم يتلقَّون البوت، كهديةٍ من دولة الكيان الصهيوني، ونحن نستقبله من جمهورية إيران الإسلامية، كهديةٍ أخوية إنسانية، لا علاقة لها بالحرب، إنَّها دليل على الترابط الإنساني بين شعبينا، أما إسرائيل، فإنَّ لديها أهدافٌ شريرة، وراء كل عونٍ تقدِّمه للخونة والمارقين، إنَّهم يحولون دون القضاء المبرم والنهائي عليهم، يريدونهم أن يظلوا شوكة حوت، تقف في حلق الأمة، سحقا” يعبث بكلتا يديه في البقايا يعثر على بندقية كلاشنكوف، بحالةٍ جيدة، يقلبها، يقرأ “Made in China” يبتسم، يضعها على كتفه “صاحبها الآن في الجنَّةِ، مع الشهداء والصدِّيقين، وحسن أولئك رفيقاً، يعبث مرة أخرى تحت قدميه، يحرر حذاءه العسكري من بعض العوالق، تسقط أنواطه على كومةِ الأشياء، يسمع صوتَ طائرةٍ تَمُرّ قريباً يتبعه إطلاقُ رصاص، يرتبك، يتعثَّر، يسقط، تسقط البندقية من كتفه، ينهض، يمسح الأوساخَ عن ملابسِه، تظهر بقعةُ دمٍ كبيرة على صدره، يحاول أن يزيحها بكفه، فتكبر أكثر، يمسحها بكفتيه، فتكبر أكثر، وهكذا، إلى أن تَعم كل بدلته العسكرية، تصبح حمراء، فيقوم بخلعها ورميها بعيداً، ويبقي بنصفه الأعلى عارياً.

صوت: آآآآآآآآه يا رب!!

الجنرال:”ينتبه، يسترق السمع” مَنْ؟ سمعتُ صوتاً، هل مِن منادي؟ هل سمعتُ اسمي، أيوجد شخصٌ يريد مساعدةً ما، صديقٌ أو خائن؟؟ يخرج مسدساً من بين جنبيه و يعمِّره.

“تتساقط على خشبة المسرح، قطعٌ، وأشياءٌ متعددةٌ ومتنوعة، بقايا أسلحة، قذائف فارغة، ملابس جند، أواني منزلية، أحذية نسائية، ملابس نساء، وفاكهة قريب فروت متعفِّنة. يعيد المسدس إلى موضعه، يلتقط قطعةَ ملابسٍ داخلية، لباساً كبيراً لسيدة، يطرحه أمامه في مستوى وجهه، حاجباً إياه من الجمهور، تظهر بقعةُ دمٍ كبيرة على اللباس، تتسع قليلاً قليلاً، إلى أن تعم القطعة كلها، تنقط دماً على الأرض، يرمي به بعيداً، تأبى القطعة إلاَّ أن تبقى في كفه، ينفضها بقوة، ولكنها تظل عالقة بكفه، يدوس عليها برجله جاذباً إياها للأسفل، محاولاً تخليص كفه، ولكن القطعة تظل عالقةً بأصابعه، يقف محتاراً، فتسقط على حذائه من تلقاء نفسها، يمسح الدمَ على بنطلونه، تُسمع أصواتُ إطلاقِ الرصاص. يدخل المسرح عددٌ كبيرٌ من النساءِ والأطفالِ في هلع، يلبسون ملابسَ ممزقة، يحملون بعض الأدوات المنزلية، والمتعلِّقات الشخصية على رؤوسهم وظهورهم، بعض الأطفال مربوطين على ظهور أمهاتهم، يصدرون أصوات ويصرخون. يعم المسرح هرجٌ ومرج، ولا يحسون بوجود الجنرال، الذي يرتفع للأعلى، وحوله بقايا الأشياء التي تحيط به، وهو يقف مثل الصنم لا يبدي أية حركة، ينظر بعيداً نحو عمق المسرح، يُسْمَعُ صوتُ طائرةٍ تعبر السماء، يرقد الناس كلهم على الأرض، يحتمون بما يحملون، ويصمتون في خوف، يظل الجنرال واقفاً منتصباً، مثل صنمٍ منسي في صحراء، لا خرائط تقود إليها، يُسْمع صَوتُ إطلاقِ رصاصٍ، يَنظر الجنرال للبشر الذين تحته، يحتمون برفع أياديهم على رؤوسهم، أو يجعلون من متعلقاتِهم، مصادرَ حمايةٍ وساتر”من أين جاء هؤلاء الناس، الم يرسلهم جنودنا البواسل للجحيم؟” عندما يختفي صوت الطائرة نهائياً، يعود الأشخاصُ إلى الهرجِ والمرج، يعالجون متعلِّقاتَهم، النساء يُرْضِعْنَ أطفالهنَّ، الأطفالُ الأكبر عمراً، يتجولون حول المكان، يكتشفون مفرداته، الرجال وهم قلة، يتناقشون في جماعةٍ بجدِّية، ويظهرُ على الجميعِ، الوَهنُ والخوفُ، وضعفُ البنية الجثمانية، تبدو ملابسهم متَّسخةً، مُمزَّقَةً، ومُلَوَّثةً بالدماء، يتدلَّى الجنرال من أعلى الركام، يتجوَّل بين الأشخاص، الذين لا يُظهرون أية علامة على إنَّهم يرونه” الله !! هل أنتم عميان، ألا تحسون؟ أم أني أتوهم مجرد توهم؟؟ “يلمس طفلاً صغيراً يلعب ببقايا بندقية، لا يظهر الطفل اهتماماً به” إذاً، أنا أتوهم، ماذا أصابني، يجري بين الأشخاص، يعثر على البعض، يضرب البعض، يتمتم بكلامٍ غيرَ مفهوم”آآآآه هل أنا الوهم؟؟ هل أنا شبحٌ وهؤلاء أحياء، أم أنا حيٌ، وهم مجرَّدُ أشباحٍ، أشباحُ حربٍ تافهون، لا أكثر، هل هم الخونة الذين قتلناهم” يُسمع مارش عسكري، يأتي من بعيد، ويعلوا تدريجياً، يبدو الارتباك على الأشخاص، ويقومون باتخاذ الساتر، يخفون أوجههم بأكفهم، البعض يضع أصابعه في أذنيه، وهم يختفون خلفَ كومةِ الأشياء، يصعد الجنرال إلى أعلى كومةٍ، يحيي تحيةً عسكرية، وهو منتصباً كالصنم، ويعلو صوتُ المارش، إلى أن يبدو وكأن الموسيقيين يعزفون المارش في داخل المسرح، ويستمر إلى ما يقارب الدقيقة، ثُمَّ يأخذ في الاختفاء تدريجياً، وعندما يختفي تماماً، ينزل الجنرال يده من صدغِه، مبتسماً ابتسامةً صفراء”أنا قوي، إذاً أنا موجود” يعبث بالركامِ تحت قدميه، يخرج اسطوانةً معدنيةً كبيرةً، كتلك التي تُستخدم لحفظ غاز الأوكسجين، يتهجَّ ما هو مكتوباً عليها، بطريقة طلاب المدارس”مبيد لقتل الأشباح” يضيف مبتسماً “معقول، هل يُوجد مبيدٌ لقتل الأشباح” يتهجَّ مرةً أخرى بذات الطريقة” Made in SooooobA ، حسناً، إنَّه صناعة محلية، صُنع هنا في سُوبا، وهل يمكن صناعة هذا الشيء، في غير هذه المدينة، التي نِصْفُها غابة، ونِصْفُها الآخر جبل، وسكانُها ينعمون في قبورِهم؟ آن الأوان أن نتخلَّص من الحشراتِ الشَّبَحِيَّة، بمبيدٍ أُنتِجَ محلياً “مخاطباً الأشخاص”، آن الأوان للتخلُّص منكم، أيتها الأشباح الآدمية. “ينظر الأشخاص في ازدراء، وهو يفتح قفلَ الأسطوانة الضخمة، تنفتح مصدرةً صريراً مخيفاً، تخرج من الأسطوانة سحابةٌ كبيرةٌ مثل الدُّخَّان، تعم المسرح كله تدريجياً، حتى تنعدم الرؤية، ويظلم المسرح تماماً، ثُمَّ تبدأ في الانقشاع التدريجي، يظهر الأشخاص وهم يقومون بعمل دمى لجنرالات من القماش المحشو بالقطن، إلى أن تتضح الرؤية أخيراً، وينجلي الظلام، حيث تظهر عشرات النسخ، من الجنرال في شكل دُمى كبيرةٍ، من القماش المحشو بالقطن، بأحجامٍ مختلفة، لها ألوان بيضاء، وسوداء، وحمراء، وصفراء وبرتقالية، مُعلَّقة على سَقْفِ المسرح، متدلية برأسها للأسفل، وأمام المسرح على اليمين قليلا، طِفلٌ يضع اللمساتِ الأخيرة، للوحة يرسم فيها الدُمى المُعلقة على سَقفِ المسرح، رؤوسها مُدلاة للأسفل، وفي مقدمة المسرح، عند الوسط، قريباً جداً من الجمهور يجلس رجلٌ ضَخَمٌ على كرسي دوار وهو يعطي ظهره للمشاهدين، فجأة يدور بكرسيه، دورةً كاملةً، ثم يتوقف وهو في وضع المواجهة الكاملة للجمهور، وجهه هو ذات وجه الجنرال، يرتدي ذات ملابسه، في صدر بذلته العسكرية مريلةٌ بها بقعة دم كبيرة، يصمت لثوان، يحملق في المشاهدين، من ثمة ينفجر بالضحك بأعلى صوته، يتجاهله الطفل وبقية الشخصيات الذين بخشبة المسرح تجاهلاً تاماً، كأن لم يكن، يستمر في الضحك، بينما يُسدل الستار تدريجياً، أو يسقط الستارُ من أعلى”.

 

11-11-2011

أمدرمان